الأربعاء, 21 تشرين2/نوفمبر 2018  
12. ربيع الأول 1440

تحليلات و ملفات ساخنة

 

عبدالجبار الحاج


تماماً هي أولوية الدولة الوطنية في تحشيد الإرادة الشعبية نحو بسط السيادة الوطنية على الأطراف لأنها الأقرب لأيدي الطامعين.. أكانوا من دول الجوار او المحتلين الكبار ..فمع تنامي طموحات زعامات محلية في ظل غياب الدولة المركزية أو ضعفها أو انشغالها في ثانويات الصراع ..فإن الأطراف تبقى عرضة للتآكل والضياع ونهبا للطامحين المحليين أو الطامعين من الدول ..فأولوية الدولة الوطنية دوما في استعادة ما ضاع أو السيادة قبل أن يضيع في طموح انفصالي وعبر استعانة بطامع او محتل في أوضاع السقوط الوشيك أو صيرورته في متناول الاحتلال الأجنبي .
إن انتقال طرف من أطراف بلد ما إلى سيطرة دولة مجاورة مثلا ... لا يعني إلغاء تاريخه السابق ..كما أن تواطؤ نظام سياسي ما في فترة من التاريخ في التخلي أو إبرام تنازلات من الوطن عن جزء محتل لا يمنع الخيارات الوطنية في فترات لاحقة من نقض ورفض تلك التنازلات فكم معاهدة في العالم جرى نقضها إذا أجحفت في حق الطرف الأضعف..
اخصص في هذا المقال الإشارة إلى نماذج من تحققات هذه الأولوية في جعل الأطراف الشمالية وجهة أولى وأولوية وطنية في الأداء السياسي والعسكري نحو بسط النفوذ في الأطراف الشمالية .
و من خلال الأداء العسكري والسياسي لعدد من الدول التي سادت اليمن بكامل ترابه ومياهه وجزره فإني خصصت عدة مقالات للوقوف أمام محطات تاريخ الأئمة الذين انطلقوا بدءاً من صعدة أو من وصنعاء أحيانا أخرى لتحقيق هذه الغاية ولابد من الإشارة ما أمكن ..
تؤكد كثير من المراجع أن الأسرة السليمانية /أسرة سليمان بن طرف الحكمي / قد سيطرت على المخلاف أو الإقليم الشمالي لليمن بمساعدة الإمام الهادي يحيى بن الحسين إمام صعدة ،وتقول أيضا أن ذلك تم لقرابة بين الاثنين، غير أن ما يهمنا هنا هو التجسيد لنهج السيادة او الاستعادة للأطراف كان هذا هو أهم المبادئ التي وضعها الإمام الهادي – مؤسس دولة الإمامة في اليمن في صعدة -لخلفائه وهو مبدأ مد السيطرة شمالا ومد النفوذ شمالا وقد مد نفوذه أثناء دخوله صعدة للمرة الثانية إلى نجران ..والى برط أثناء مد نفوذه إلى صنعاء ورثى شعرا احد الاشراف الذين تولوا نجران باسمه تقديرا لاعماله هناك ..على الرغم من بروز صراعات يمنية في تلك المراحل ..
ما دمنا نتاول هنا النقاط البيضاء في تحققاتها المتأتية من سلطات مثلت دولة يمنية وإرادة وطنية ،فمن جهة وفي جانب من توجهاتها في أولوية بسط السيادة على الأطراف فمن الأمانة التاريخية أن ننصف دولة علي بن الفضل في أنها مثلت عبر زعيمها الذروة في نزعة الاستقلال الوطني فهذه الدولة التي قدمت نموذجا في تحقيق الاستقلالية لكل مواطن وانفردت في تقديم العدالة الاجتماعية وكسر الإقطاعيات الحاكمة فقد كان ابن الفضل أول من أعلن عن استقلال دولته المطلق عن الفاطميين ،رغم أن هذا الموقف أدى إلى شقاق مع رفيقه ابن حوشب الذي كان داعي وأحد مؤسسي القرامطة في شمال اليمن على مناطق حجة وهما الفضل وحوشب قبل ذلك على موقف قرمطي عام مناهض للدولة العباسية وثائر على طغيانها .. ولذلك فقد تنازع ابن الفضل وتحارب مع أطراف سياسية ونافذة عدة جنوبا ووسطا وأتى أعالي الشمال اليمني ..
وقد تكالبت عليه وتحالفت ضد دولته كل الدويلات المتناحرة .. وكذا السلاطين والأمراء في إقطاعياتهم المحلية المستقلة وقبل ان تخوض حربها أقدمت على قتله بسم طبيب حجام ...
ولأن كان صعوده السريع قد تصادم عسكريا مع دولة بني زياد في زبيد وأسعد الحوالي اليعفري في صنعاء ومع ال الكرندي والمغلس رؤوس الدويلات المعافرية وكذا مع ثلاثة أئمة هم أوائل الأئمة الزيدية هم المؤسس الهادي والمرتضى وثالث الأئمة في صعدة فقد تحالف هؤلاء معا في حرب طاحنة قضت على عاصمة المذيخرة وأعوانه وأبنائه ..
انا هنا افصل بين الموقف السياسي والانتماء. إذ أحاول أن أعطي في هذا الموضوع بإنصاف دور كل مرحلة ودولة وزعامة ما يفيها حقها مهما اختلفنا معها خاصة في موضوعات السيادة والاستقلال ..لان هدفنا هو استلهام الدروس الوطنية في السيادة والاستقلال ...
وأعود لتناول ادوار أسرة الإمام شرف الدين والمطهر لأسلط الضوء عن أداء سياسي من هذا التوجه الوطني السيادي ما أمكن ...؛
في أواخر عصر الطاهريين وأحد ابرز أسباب سقوطها في فقدان موردها من الملاحة على البحر الأحمر ..كانت اليمن قد فقدت توازنها وتماسكها وفقدت النسبة الأكبر من مواردها نتيجة تحول طرق التجارة إلى رأس الرجاء الصالح ...وكانت الدولة الطاهرية في آخر سنواتها في عهد السلطان الطاهري عامر قد لجأت إلى إثقال كاهل الناس بالضرائب وأشكال الزكوات والجمارك وعبر قنوات غليظة الإيراد كتعويض عن فقدان الخزينة لأهم مورد ورفعت وزادت من مضاعفة الجبايات بما لا يطاق فاشتعلت في نواحي تهامة ثورات وتمردات وانقسامات فكان العامل الرئيسي في سقوط الدولة الطاهرية هو في جوهره اقتصادي ..وإضافة إلى ذلك من العوامل العسكرية قد برزت تدخلات المماليك في السيطرة على الموانئ لتزيد من خنق الطاهريين ماليا ثم سيطرة الطاهريين على زبيد وأنحاء أخرى من تهامة ...
في تلك الفترات من القرن السادس عشر كانت وبعد سقوط الأندلس العربي ظهرت قوى دولية وكانت البرتغال قوة تجوب البحار ورأس الرجاء الصالح استأثر بأكثر نسبة من ملاحة البحر الأحمر التي اعتمدت عليها اليمن في ظل الرسوليين والطاهريين وسواهم ...
ففي الثلث الأول من القرن 16 تداخلت تعقيدات الصراع والحروب في اليمن وامتدادات الصراع الدولي عليها فمن جهة صراع على السيطرة بين الطاهيريين بين السلطان عامر الطاهري و الإمامة ممثلة بالإمام شرف الدين وتدخل عسكري للمماليك استطاع السيطرة سريعا على الساحل وأجزاء كبيرة وقعت تحت سيطرتهم من تهامة اذ تهاوت من تحت سلطة السلطان الطاهري عامر بن عبدالوهاب ثم مضاعفة قسوة الجباة وجور الضرائب والزكوات وغيرها من قنوات الإتاوات الرسمية .التي أثقلت كاهل الناس وتفجر ثورات وتمردات وتساقط مناطق نفوذهم مع قوى شتى داخلية وخارجية ..
ومن جهة أخرى كانت أنظار وأساطيل وجيوش السلطانية العثمانية تراقب وتتحرك لملء الفراغ الذي تركته الدولة الطاهرية عقب سقوطها ..
هذه الفترة شهدت أيضا سقوط عصر المماليك وبداية عصر الهيمنة والصراع بين العثمانيين والبرتغال.
قبل عام 1538 بثلاث سنوات على وجه التقريب وقبل أن يأخذ هذا الرقم مكانه في تأريخ الأحداث على صفحات المؤرخين باعتباره بداية السيطرة العثمانية . كان قبل ذلك بثلاث سنوات أن استلم الإمام شرف الدين صنعاء من المماليك وعندما أراد التوسع شمالا واجه معارضة من أشراف الجوف( ومن الإمام ابن المؤيد) الذي كان إمام صعدة بالتوازي ..فحشدوا له ..... غير أن ابنه المطهر قاد المعركة وانهزموا في صعدة ومهدت تلك المعركة طريق المطهر شمالا فاستولى على جبل برط حتى حد الربع الخالي عام 1534م وتقدم إلى نجران واستولى عليها عام 1534م...
وكان نجم الإمام شرف الدين قد بزغ عقب سقوط دولة عامر عبدالوهاب الطاهري وكانت الحروب التي أشعلها المماليك ومحاولة تثبيت أقدامهم على مواقع في البحر الأحمر واليمن وأضافوا قوة القيمة تصب كل ما بقي لديها من قوة في اليمن علها تحل موقع الطاهرين لكن سقوطهم أمام الأتراك في سوريا ثم في مصر .
لكن هزائم المماليك صادفت توقيتا زمنيا واحدا هو العام 1917 ،عام سقوط المماليك كقوة كبرى في المنطقة وسقوط الطاهريين في اليمن ..
إن التمردات التي كانت تأتي والثورات التي شهدتها البلاد وبالأخص في تهامة قد قضت على مراكز القوى وأخلت الساحة للإمام شرف الدين والاهم من ذلك أن جزءاً كبيراً من تلك التمردات والثورات امتدت إلى مساحات وفترات استغلتها أسرة شرف الدين في دعوته إلى رفض الاحتلال العثماني ..
وبصرف النظر عما شاب الصراع وما تخلله من فترات صلح هنا ونقض هناك او طغت فيه البراجماتية او التقاط الأنفاس فإن السياسات الراجماتية التي اتبعها شرف الدين مع المماليك في المراوحة بين الاقتراب أولا والابتعاد لاحقا او تلك التي اتخذها الإمام شرف الدين من تحريض الأسر ضد العثمانيين فإن سياسته ثم ما أراده المطهر بعد ذلك من تعميمها ثورة شاملة ضد السيطرة العثمانية رغم ما ساد أسرة شرف الدين من انقسامات فقد أخذت أسرة شرف الدين وابنه المطهر موقع زعامة الثورة ضد العثمانيين ..
فمن جهة توجه الأمير الطموح عزالدين ابن شرف الدين أمير صعدة إلى جيزان لطرد العثمانيين رافضا أوامر أبيه ودعوته له العودة للدفاع عن صنعاء قبل سقوطها بيد ازدمر باشا غير انه عاد ووقع في الأسر ونفي إلى اسطنبول ومات في الطريق ولما تم الصلح مع المطهر في نجران أوصى المطهر أمير نجران حينذاك حليفه عيسى بن المهدي بقبول الصلح والبقاء في ابي عريش ..
اهتم المطهر بضم الطرف الشمالي من تهامة اليمن فأرسل إلى المخلاف السليماني حملة بقيادة سراج الدين عثمان فحاصر الحامية العثمانية بقلعة جيزان ودخلت اغلب المناطق الشمالية في طاعة المطهر ....
وبصرف النظر عن معركة ثلا التي تحصن بها المطهر ونتج عنها الصلح القاضي ببقائه في ثلا مقابل اعترافه بالسيطرة العثمانية على سائر البلاد ومنها الأطراف الشمالية التي ظلت تترواح السيطرة عليها بين الأئمة والأتراك وهذا ما يؤكد أهمية الأطراف والسيادة عليها من قبل الدول اليمنية او العثمانيين....
عام 1569 عند وصول سليمان باشا إلى جيزان هرب أميرها من قبل المطهر وأقبلت المناطق شريف جيزان حينها عيسى بن المهدي ..
أدت الحملة التي قادها اويس باشا لتوحيد ولاية اليمن لتكون اليمن خط الدفاع عن البحر الأحمر إلى تحقيق تقدم وتفتيت الجبهة الداخلية واستولى على تعز وتقدم سريعا إلى ذمار إلى أن قتل بمؤامرة من داخل جيش الأتراك .. وتولى ازدمر باشا الأمر بعده فتقدم واستولى على صنعاء وحاصر المطهر في ثلا أشهراً عدة حتى تم الصلح ببقائه في ثلا مقابل الاعتراف بالسيادة العثمانية ....
اكتسب المطهر أثناء صموده في ثلا وعقده الصلح مع ازدر باشا ....
بعد وفاة المطهر وتقسيم ممتلكاته الشمالية بين أبنائه عمل حسن باشا صاحب أطول مدة لولاة العثمانية وكذلك فعل سنان باشا ...عمل حسن باشا على تثبيت أقدام العثمانيين على الأطراف الشمالية خاصة فحرص على القبض على أبناء المطهر ذوي الميول الاستقلالية وشخصيات من معاونيهم ونفاهم إلى اسطنبول إلى أن وافتهم المنية هناك. واستطاع سنان باشا إخضاع تلك المناطق وأكمل خطوات السيطرة حسن باشا ...
كانت مناطق جيزان وعسير مثلها مثل باقي اليمن تعوم في الموج المتلاطم وهو مناخ ملائم يؤدي إلى بروز طموحات إنشاء إمارات أو دويلات خاصة تلبي رغبة الطموح الذاتي الشخصي في ظل خلو الساحة الوطنية من دولة مركزية قوية أو في ظل ضعفها او انشغالها في معارك أخرى وهنا تتعاظم طموحات الأسر وعشاق السلطة والنفوذ والسيطرة إلى التفكير بإنشاء السلطة الخاصة والسلطنة أو الإمارة المستقلة في الأطراف وبالاستعانة بالأجنبي ..
وإلى أن أذهب في مقال آخر إلى تناول دور الدولة القاسمية في مطلع أيامها وليس في أواخر أيامها وطالع النحس على أطراف اليمن الشمالية ؛ فقد اضطلعت بدورها في إشعال روح المقاومة ضد الاحتلال العثماني وكان نهاية مرحلته الأولى عام 1635 ومن ثم تولت الدولة القاسمية مقاليد الحكم عن احتلال دام قرناً كاملاً سيطرت فيه على مقاليد الحكم وصارت في موقع المسؤولية ..
كذلك لابد من إضاءة الفترة التي كان عليها اليمن وأطرافه في عصور وحقب زمنية كلما استدعى السياق حتما على إيجازنا الشديد لهذا الموضوع عبر مقال آخر لنموذج القاسمية في بسط السيادة ومد الدولة إلى أطراف اليمن شمالا وشرقا ...

صحيفة الأمة " PDF "

روح الشعر

 

  عبدالحفيظ حسن الخزان   أنا طفلٌ يمنيٌ ظامي...
  معاذ الجنيد   البرُّ والبحرُ والأجواءُ...