السبت, 20 كانون2/يناير 2018  
3. جمادي الأول 1439

تحليلات و ملفات ساخنة

 

 

 العميـد د. امين محمد حطيــــط

 

قبل انتخابه رئيساً للولايات المتحدة الأميركية رفض ترامب الاتفاق النووي الدولي مع إيران و تعهد بإلغائه فور وصوله الى البيت الأبيض ، و بعد انتخابه اصر على التمسك بتعهده ، و عند استلامه للسلطة قبل 9 اشهر من الآن راح ترامب يقذف ايران بالتهديد و الوعيد و بانه سيمزق الاتفاق ، و أضاف في تهديداته الأخيرة تهديد الحرس الثوري الإيراني بإدراجه على لائحة الإرهاب و ملاحقته بهذه الصفة ، طبعا و لم ينس ترامب في حملته المسعورة حزب الله الذي كان له نصيب وافر من غضب ترامب و تهويله هو و مسؤوليه حتى وصل الحال بهم الى اقتراح انشاء تحالف دولي لملاحقة هذا الحزب المقاوم الذي بات يشكل رقما صعبا في المعادلة الإقليمية غربي اسيا كلها .

وفي مسيرة التهديد حدد ترامب يوم الجمعة 13\10 الفائت موعدا لأطلاق استراتيجيته "العنيفة" ضد إيران وحزب الله وكامل محور المقاومة وبالفعل خرج ترامب بخطاب مفوه، راح المراقبون يفتشون فيه عن الكلمات التي تعني "تمزيق الاتفاق" وتوصيف الحرس الثوري بالإرهاب " وسواها من العبارات القطعية التي توحي بان ترامب نفذ تهديده ووضع استراتيجية فاعلة للتنفيذ ولكن .... خاب امل المنتظرين، وتنفس الرافضون الصعداء، لان ترامب لم يجرؤ على تنفيذ وعيده، واكتفى من الامر باتخاذ مواقف فيها من الهروب ما يكفي وفيها من التراجع عن التهديد ما هو واضح واكيد. فلا الاتفاق ألغي ولا الحرس الثوري صنف إرهابيا، مع ان ترامب أحال الامر على الكونغرس لمراجعة الاتفاق، وعلى وزارة الخزانة الأميركية للتضييق على الحرس الثوري، وأوحى للبنتاغون وللخارجية باتخاذ التدابير التي تضيق على إيران بما يخدم اهداف ترامب حول حصارها وتشديد العقوبات عليها. ما يعني ان ترامب اعتمد استراتيجية ليس فيها الغاء للاتفاق وتوصيف إرهابي للحرس بل هي استمرار لسياسة أميركية سابقة تتصل بسياسة الاحتواء والعقوبات الشهيرة التي ابتدعتها اميركا ضد إيران منذ أكثر من عقدين ونيف.‏

 

ومع هذا التراجع الترامبي، نطرح السؤال عن سبب تهيب ترامب من تنفيذ تهديده الذي أتعب العالم والاعلام العالمي به لنيف و20 شهرا تقريبا؟ وسؤال اخر الى أي مدى يستطيع ترامب مع وجود الاتفاق الذي يستمر هو بالتهديد بإلغائه، الى أي مدى يستطيع ان يندفع في فرض عقوبات على إيران دون اهتزاز الاتفاق؟‏

 

في السؤال الأول نرى ان هناك فئات ثلاث من الأسباب التي قيدت ترامب، أولها إيرانية ثم دولية وأخيرا محلية أميركية داخلية. ففي الأولى كان الموقف الإيراني الحاسم بان أي حماقة أميركية جديدة ستجد ردا إيرانيا قاسيا وهنا يعلم الجميع ان الرد الإيراني المحتمل يبدا بالنووي ذاته ويعني خروج إيران من تعهداتها في الاتفاق والعودة الى تنشيط البرنامج النووي وتشغيله بكل طاقاته وهنا سيعود القلق الغربي عامة والصهيوني خاصة من احتمال امتلاك إيران للقنبلة النووية الى مستوياته العليا. ومن جهة أخرى كان لتهديد الحرس الثوري لكافة الأهداف الأميركية المحيطة بإيران وضمن مسافة 2000 كلم، أثره البالغ في كبح الجنون الترابي، خاصة وان لأميركا 85 قاعدة عسكرية في هذه الدائرة وأنها ليست مستعدة للذهاب الى حرب واسعة وحدها مع إيران كما ان عهد التحالفات الدولية بقيادتها لغزو البلدان على غرار ما حصل في العراق وأفغانستان قد ولى ...اذاً القوة والحزم الإيراني كان في طليعة أسباب التراجع الأميركي.‏

 

اما الفئة الثانية فكانت دولية وتجلت بالموقف الموحد للدول الخمس الأخرى التي تشكل مع اميركا مجموعة ال الخمسة زائد واحد التي فاوضت إيران على الملف وتوصلت معها الى الاتفاق ورفعته الى المجلس الامن حيث صدر بقرار دولي أصبح نهائيا. لقد رفضت روسيا والصين وفرنسا وبريطانيا ومعها المانيا رفضت جميعا المس بالاتفاق وخاصة بعد ان اكدت وكالة الطاقة النووية الدولية ان إيران تنفذ التزاماتها بموجب الاتفاق بدقة متناهية، ثم ان روسيا حذرت اميركا من مغبة أي خطيئة ترتكبها وتمس بالاتفاق النووي لما لهذا من انعكاس سلبي على الاستقرار القانوني الدولي أولا ولما له من تأثير خطير في الامن والاستقرار العالمي وفي غربي اسيا خاصة. هذه المواقف جعلت اميركا معزولة بعد ان ابتعد عنها أقرب حلفائها الاوربيين ما جعل ترامب في موقف المضطر للتراجع.‏

 

اما الفئة الثالثة من الأسباب فتعود للداخل الأميركي حيث ان الانقسام فيه عامودي حاد بين من يؤيد ترامب ومن يعارضه في هذا الملف وبحدة، وفي الثقل نجد ان الفريق المعارض أكثر اتساعا واقوى حجة، خاصة وان اميركا لا تملك الخيار البديل او لا تملك القدرة الان على اعتماد الخيار البديل للاتفاق وهو الحرب. لقد جزم المعارضون وهم كانوا مسؤولين في الإدارة قبل ترامب جزموا بان اميركا لا تملك خيارا غير هذا الاتفاق، ولو كانت تملك هذا الخيار لاعتمدته ولما وقعت الاتفاق ولما تنازلت لإيران عن كثير من المسائل، لكن ضيق الخيارات فرض التنازل وفرض الاتفاق على اميركا.‏

 

اذاً نجد ان العجز هو الذي فرض التراجع ، و هو امر لا يمكن فصله عن مسائل سبقته فأميركا اليوم ليست اميركا نهاية القرن الماضي و لا اميركا بداية القرن الواحد و العشرين ، اميركا اليوم هي اميركا التي فشلت في تثبيت دعائم النظام العالمي الأحادي القطبية ، و هي اميركا التي فشلت في احتلالها للعراق و افغانستان و هي اميركا التي فشلت في حربها البديلة او شبه المباشرة في سورية ، هي اميركا التي خسرت القرار في مجلس الامن و بات الفيتو الروسي الصيني المزدوج يؤرقها و يحرمها من مجرد الامل بتمرير قرارتها العدوانية ضد دول العالم و شعوبه . انها اميركا التي تمردت عليها اليونيسكو التي اغضبت إسرائيل ما اضطرها للانسحاب منها ثم انها اميركا التي يترنح اقتصادها فتهرع الى دول الخليج لتنهب مالها علها تعيد توازناً ما لاقتصادها ولا تنجح .... بالخلاصة انها اميركا العاجزة التي لم تعد تخيف الا الضعفاء... ولهذا سمعنا روسيا تحذر من لجوء اميركا الى النووي للخروج من نفق الفشل والخيبة.‏

 

و عليه نرى ان اهم فضيلة لترامب في مساره في الأشهر السابقة هي انه فضح حقيقة اميركا ، و اظهر ان هذا الكيان الديناصوري العملاقي ، ليس بالقوة و القدرة التي يظنها العالم او بعضه ، بل هو اقل بكثير مما يتصورون ، و ان امتلاك شجاعة القرار بالمواجهة و امتلاك إرادة المواجهة و الاستعداد للتضحية اذا وقعت المواجهة ، ان توفر ذلك يفتح المجال لتراجع اميركا و تجنب المواجهة معها و اذا وقعت المواجهة فان خسارة اميركا فيها امر ممكن و مرح بعد ان ثبت ذلك و باليقين القاطع في الميدان السوري الذي يشهد الان اكبر عملية تصدي للمشاريع الاستعمارية بقيادة أميركية ، و يشهد تحقيق الإنجازات الأسطورية الكبرى و اسقاط المشروع العدواني تلو المشروع .‏

 

وفي كلمة أخيرة نستطيع ان نقول ان تراجع ترامب عن تنفيذ تهديداته واعتماده تدابير يحاول البعض ان يوحي بانها خطيرة ومكلفة لإيران – وهي ليس كذلك مطلقا لانها استمرار او تشديد لما هو قائم ولن يكون له أي إثر تغييري يذكر – معطوفة على المواقف الدولية سياسيا، ونتائج المواجهات العسكرية في سورية ميدانيا، كلها تقود الى القول ان ما حلمت به اميركا من كيان امبراطوري يسود العالم بقيادتها امر ولى وان الشعوب التي اختارت المقاومة نهجا للمواجهة هي التي ستنتصر وان محور المقاومة في غرب اسيا نموذجا... و ان ما قيل انه استراتيجية ترامب الجديدة هو استراتيجية التخبط و الارتباك و الجهل بالقانون الدولي و الإطاحة بما تبقى من هيبة و سمعة لأميركا في العالم ، لان هذا السلوك سيقضي على ما تبقى من ثقة دولية بأميركا ويمنع أي اتفاق او تعاقد معها ...و بالتالي فان المتضرر الأول من الاستراتيجية المدعاة هي اميركا ذاتها و لهذا يقول الاعلام الأميركي وانها خطيرة .‏

صحيفة الأمة " PDF "

روح الشعر

 

معاذ الجنيد |   سُبحان من أوحى .. ومن أسرَى وأمَدَّنا...
  قصيدة  الموت لإسرائيل  للشاعر الكبير مظفر...