الخميس, 17 آب/أغسطس 2017  
24. ذو القعدة 1438

تحليلات و ملفات ساخنة

 

 

ترجمة: نشوى الرازحي: المراسل نت: الحق نت 

 

أسقطت أميركا في العام الماضي 26 ألف قنبلة على اليمن. وهذه هي القصة باختصار.

 

جايسون رود| مجلة “بيست ماجازين” الأمريكية:

 

تساعد الولايات المتحدة السعودية في قصف أفقر بلد في الشرق الأوسط. ويجب علينا وقف ذلك.

 

بات الشعب اليمني على حافة المجاعة. وستحل مجاعة خطيرة نتيجة الدعم الأميركية المستمر لهذه الحرب. إذ سنصبح مشاركون في جريمة تشتد خطورة إذا ما استمرينا في دعم أجندة النظام السعودي. فالأسبوع الماضي، قصفت قوات التحالف السعودي مدرسة ابتدائية بغارة جوية.

 

في الخريف الماضي، قررت إدارة أوباما منع صفقات الأسلحة مع الرياض. وهذا غير كافٍ. فبصماتنا تراها واضحة في كل شيء.

 

بدأ الصراع في اليمن في 26 مارس من العام 2015، لكن هذا الصراع ما هو الا أحد الصراعات ذات الخلفيات الدرامية الطويلة.

 

ولم تكن هناك صيغة أبسط له سوى قول البنك الدولي “بدأ التحالف العربي بقيادة المملكة العربية السعودية حملة عسكرية لإعادة حكومة الرئيس هادي إلى السلطة”.

وبعبارة أخرى، يتدخل السعوديون وأصدقاؤهم، بما في ذلك أميركا، في اليمن. حيث يخشى السعوديون من أن تقيم إيران حكومة عميلة هناك، بالتالي فهم يريدوا إعادة الحكومة القديمة المعتدلة للحكم من جديد.

 

هذا هو التفسير النظري. ولكن ما يحدث في الواقع هو أن كثير من الناس الفقراء يقتلون بالصواريخ والقنابل وغيرها من الذخائر، طالما وواشنطن توميئ وتبتسم وتعطي الضوء الأخضر.

 

فالأميركيون هم من يزود الطائرات السعودية المقاتلة بالوقود، والأميركيون هم من يقدم الإحداثيات للجيش السعودي، وهم من يمنحون السعوديين مئات التسهيلات الأخرى. نعم نحن متآمرون.

 

وكما قال أحد الحكماء ذات يوم، هناك نوعان من القوى في العالم، أميركا، والرأي العام العالمي. وهناك قاعدة جيدة مجربة لفهم السياسة العالمية: كلما خطا حليف ما للولايات المتحدة خطوة كبيرة في مجال الشؤون الخارجية، كلما نالت الحكومة الأميركية سبق الاطلاع عليها أولاً. وهذه ليست حقيقة عالمية، إلا أنها الطريقة الآمنة للمراهنة.

 

ولهذا السبب تجد أميركا متواطئة بصورة غير مباشرة في أنواع متعددة من انتهاكات حقوق الانسان.  تدعي أميركا أن يديها نظيفتين في السياسة العالمية مثل الشرطي الذي يدعي أنه لم يلاحظ الجريمة المنظمة التي ترتكب أمام عينيه. وأينما وُجد القلق لدى حلفائنا يكون مقدار تأثيرنا كبيرا.

ومثال على ذلك: باع الأميركيون حتى وقت قريب جميع أنواع الذخائر للجيش السعودي. حيث بلغت قيمة المبيعات 20 مليار دولار في العام 2015. ولم نتوقف سوى في 13 ديسمبر، عندما أوقفت الإدارة الأميركية مبيعات شركة رايثيون للمملكة العربية السعودية. ولم يكن البيت الأبيض ليقوم بذلك لولا ضغط جماعات حقوق الإنسان.

 

وعلى حد تعبير وكالة رويترز، باعت إدارة أوباما، في الواقع، للمملكة العربية السعودية معدات حربية بأكثر من 115 مليار، أي أكثر من أي إدارة أميركية سابقة خلال الـ 71 عاما الماضية من عمر التحالف الأميركي ـ السعودي.

 

تذكروا، حدث كل هذا على مرأى من الحائز على جائزة نوبل للسلام، يا له من برود أخلاقي تام!

 

ثلاثة وعشرون ضربة جوية غير قانونية، استخدمت فيها أسلحتنا، قتل فيها الأطفال وغيرهم من المدنيين. وبالمناسبة، كانوا يرون كل شيء، عندما قتلت أسلحتنا أكثر من مائة وأربعين شخصا في أكتوبر الماضي، في مجلس عزاء في اليمن.

 

جرت مراسم العزاء في وفاة علي الرويشان، والد وزير الداخلية جلال الرويشان في الصالة الكبرى. نشر موعد العزاء وقائمة المعزين على الفيسبوك في 7 أكتوبر. بعدها سقط صاروخين على الصالة في تمام الساعة الثالثة والنصف مساءاـ وزُعم- أنه كان هناك تعمد في إسقاط الصواريخ في ساعة ذروة العزاء التي يكون فيها أكبر تجمع للسكان المدنيين.

 

ووفقا لمنظمة هيومن رايتس ووتش، “وجدت هيومن رايتس ووتش أن الذخيرة التي تم إسقاطها من الجو أميركية  الصنع من طراز قنابل جي بي يو-12 ( (GBU-12 Paveway الموجهة بالليزر.

 

واستندت المنظمة في تحديدها ذلك على استعراض الصور والمشاهد للقطع المتبقية التي تم جمعها وبالإمكان القراءة عليها اسم الشركة المصنعة وغيرها من معلومات حول السلاح.  قامت منظمة “مواطنة” الرائدة في مجال حقوق الإنسان ومقرها صنعاء بالتقاط الصور والتسجيل بالفيديو للصحفيين من قناة آي تي في الإخبارية البريطانية. وقام ناشط محلي بزيارة الموقع يوم 9 أكتوبر.

 

وكما أشار راديو إن بي آر الأميركي “على الرغم من جهودنا الشهيرة في سورية والعراق، إلا أن مشاركتنا في اليمن ليست معروفة جيدا”.

 

تقدم الولايات المتحدة الدعم لقوات التحالف بقيادة السعودية للقضاء على المتمردين الحوثيين منذ مارس 2015. حيث أسقط الحوثيون الحكومة اليمنية ودفعوا بالرئيس عبدربه منصور هادي للفرار إلى السعودية. في البداية، كان يعتقد السعوديون أنهم سيتمكنون من إبعاد الحوثيين بسهولة، ولكن الصراع امتد لفترة أطول مما كان يتوقعه السعوديون.

 

وصفت صحيفة واشنطن بوست “التدخل الدموي وغير المجدي في اليمن” للمملكة العربية السعودية كما يلي: بدافع من طموحاته، أقحم ولي العهد الأمير البالغ من العمر 31 عاما، المملكة في الحرب الأهلية باليمن في العام 2015 ومنذ ذلك الحين نفذت بعض الهجمات التي تعتبر الأكثر وحشية في الشرق الأوسط، الذي مزقته الحرب، بدعم كبير من أميركا. واتهمت جماعات حقوق الإنسان السعوديين بقصف المستشفيات والمدارس وغيرها من المواقع المدنية واستخدمت القنابل العنقودية وفي كل ذلك انتهاك للقانون الدولي.

 

ووفقا للكاتب بين نورتون، المتابع لموضوع المجاعة، فان “حكومة الولايات المتحدة مسئولة عن خلق أخطر أزمة أمن غذائي على كوكب الأرض.”

 

حاليا في اليمن:

 

من المعقول أن تتفاجأ بأن أمر كهذا يحدث، وأننا نشارك فيه. فهذا الصراع ليس من أنواع الصراعات التي تشاهدها في نشرات الأخبار المسائية، إنه لا يصلح لصياغة قصة ملهمة. فافتتاحيات الرأي الملتوي تحب السعوديين كثيرا وتفضل كثير من وسائل الإعلام الرئيسية الصمت عن التحالف الفاضح أخلاقيا مع المملكة المستبدة. ولكن في الأشهر القليلة الماضية، تحولت مشاركتنا إلى إشكالية كبيرة لا يمكن إنكارها.

 

ما سيلي هو الكثير من الأسماء والمعلومات التي ربما قد تجدونها غريبة وتفاصيل قد تبدو مملة. لكنني أؤكد بأنها مهمة. فالناس حقيقيون والمكان حقيقي.

 

ألقوا نظرة على خارطة شبة الجزيرة العربية. انظروا الى الزاوية اليسرى السفلى من تلك المنطقة، الجزء القريب من أفريقيا؟ إنها اليمن، وطن 24 مليون نسمة. اليمن بلد مسلم. 55 بالمائة من سكان اليمن سنة والباقي شيعه.

 

حدثت ثورة في اليمن في نوفمبر2011، ثورة الربيع العربي الخاصة باليمن. هذه الانتفاضة أطاحت بالرجل القوي المدعو صالح. ما أدى إلى إنشاء حكومة جديدة بديله، يرأسها نائب الرئيس صالح، هادي. أصبح هادي رئيسا. كانت هذه الحكومة سنية واعترف المجتمع الدولي بمشروعيتها.

 

وكما يحلو لكم أن تتخيلوا، هناك الكثير من المشاكل أمام الحكومة الجديدة، بلد فقير حُكمه مستبد في السابق. وعلى حد تعبير البنك الدولي مرة أخرى”يواجه اليمن تحديات على عدة جبهات، تفاقمت بسبب النمو السكاني والصراع المتصاعد والاختلالات الشديدة بين المناطق الحضرية والريفية وندرة الغذاء والماء وانتشار الأمية بين النساء وكذا انتشار الفقر والركود الاقتصادي.”

 

هناك جماعة داخل اليمن تسمى الحوثيين، الذين يتبعون التيار الشيعي في الإسلام، مثل إيران. بعد أن طُرد هادي، اجتهدت حكومته السنية في الحفاظ على أراضيها. واستولى الحوثيون على الأجزاء الشمالية ومن ثم على العاصمة صنعاء وفي نهاية المطاف فر هادي ونظامه.

 

هنا أصبحت الأمور محيرة قليلا. يشكل الحوثيون نوعا مستقلا من الناس. قاتلوا ضد صالح عندما كان في الحكم. وفي الوقت الحالي يقاتلون ضد حكومة هادي. ولكن خَمِنوا من الذي يريد أن ترحل حكومة هادي الجديدة؟ الزعيم السابق، صالح. فهو الآن يتحالف مع الحوثي. إذا كان هذا الأمر يبدو مربكا ومتناقضا، فأهلا وسهلا بكم في سياسات الشرق الأوسط.

 

يقال إن  إيران تمول الحوثيين وتمدهم بالأسلحة. ذكرت صحيفة انترنشنال بزنس تايمز للأعمال الدولية ان “درجة تمويل الإيرانيين للحوثيين ليست واضحة، على الرغم من أن معظم المراقبين يعتقدون أن طهران تقدم للمتمردين الأسلحة والمشورات العسكرية، تماما مثلما تدعم ميليشيا حزب الله اللبنانية. وأن الحوثيين وكيل ممتاز يتواجد على الحدود مع العدو الأيديولجي والجيوسياسي الأكثر أهمية لإيران، المملكة العربية السعودية. ولكن يرى المحللون على حد سواء أن صالح هو من نصح الحوثيين بالانتشار في أماكن ليست بعيدة عن معقلهم الشمالي الغربي.

 

وكما تعلمون، في منطقة الشرق الأوسط، يدور صراع منذ فترة طويلة على السلطة بين المملكة العربية السعودية (السنية المسلمة) وإيران (الشيعية المسلمة). وكما تشير صحيفة انترنشنال يزنس تايمز، لا يريد السعوديون حليفا لإيران على أبوابهم. ولذلك تحالفت مع الحكومة اليمنية لمحاربة الحوثيين المتمردين.

 

وبالتالي بات هناك فريقين متصارعين السعوديون، تحالفات متعددة، والحكومة اليمنية من جهة إيران والحوثيون من جهة أخرى. ناهيك عن الصداقة التي تجمع الولايات المتحدة  مع المملكة العربية السعودية.

 

ما الذي تحمله لنا الأيام:

 

بعبارات أخرى، تحول هذا الصراع إلى معركة على السلطة في البلد الصغير الواقع في الطرف الجنوبي من شبه الجزيرة العربية. فهل يستحق أن يدفع ذلك الثمن؟ علينا الانتباه إلى أن الآلاف من الناس العاديين يُقتلون جراء تبادل إطلاق النار، ونحن مستمرون في المساعدة في ذلك.

 

إننا بهذا التصرف مثل الرجل الذي قتل كلبه يوم الثلاثاء ويعلن عن الاستعداد للسير في جنازته يوم الأربعاء. ووفقا لهيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي)، قتل أكثر من 6800 شخصا وجُرح 35 ألفا آخرون منذ مارس 2015. ومعظم الغارات الجوية نفذتها مقاتلات قوات التحالف الدولي بقيادة السعودية التي تدعم الرئيس.

 

وقد تسبب كل من الحرب والحصار المفروض من قبل قوات التحالف أيضا في حدوث كارثة إنسانية. وبات على إثره 80٪ من السكان بحاجة إلى المساعدات.

وتابعت الـ (بي بي سي) قائلة بأن “أقل من نصف السكان بقليل أعمارهم دون الثامنة عشرة.

 

وتقول الأمم المتحدة ان عدد النازحين داخليا بلغ 3,1 مليون، في حين أن 14 مليون شخص يعانون من انعدام الأمن الغذائي و370 ألف طفل تحت سن الخامسة مهددون بالموت. وأكثر من 1900منشأة من المنشآت الصحية في اليمن البالغ عددها 3500 إما أنها لا تعمل أو تعمل بصورة جزئية. مما أدى إلى بقاء نصف السكان بدون رعاية صحية كافية.

 

ليس هناك منتصر واضح حتى الآن. ولم تغير عشرين شهرا من القتال مواقف الأطراف المتحاربة. وآخر أمل في التسوية السلمية كان في الكويت في إبريل 2016. إذ فشلت المحادثات بعد ثلاثة أشهر من انعقادها. وعاد كل طرف للعنف.

 

لننسى قضية أن اليمن تشرف على مضيق باب المندب، المضيق البحري الذي يمر عبره معظم النفط العالمي والذي لو تم إغلاقه فستلاحظ موت الحركة العالمية ببطء. ولننسى أيضا نقطة أن هذا الصراع يمكن أن “يزعزع استقرار المنطقة”، فباستخدام عبارات سهلة عن العلاقات الدولية، يمكننا تبرير أي مخالفات إذا ما رمينا شباك التبرير لمساحة أبعد.

 

وعوضا عن ذلك، علينا التركيز في التفاصيل المهمة: القتل الذي نتسبب فيه مباشرة والأضرار التي لحقت بالبنية التحتية في اليمن، التي باتت على وشك أن تتحول إلى أزمة إنسانية. علينا أن نتوقف عن هذا اللعب وبيع هذه اللعبة. ربما علينا أن نركز لمرة واحدة على الجانب الوحيد المهم، وهو الناس.