الأربعاء, 28 حزيران/يونيو 2017  
3. شوال 1438

تحليلات و ملفات ساخنة

 

 

كتاب "قيم جديدة للأدب العربي القديم والمعاصر" للدكتورة عائشة عبد الرحمن (بنت الشاطئ)

 

 

 

 

 

 

 

د. أحمد صالح النهمي

 

 

 

 

 

 

قراءة في "قيم جديدة للأدب العربي القديم والمعاصر"

 

 

صدر كتاب "قيم جديدة للأدب العربي القديم والمعاصر" للدكتورة عائشة عبد الرحمن (بنت الشاطئ)عن دار المعارف بالقاهرة، في عام 1970م، ويقع في جزأين، يتناول الجزء الأول من الكتاب الأحكام والمقاييس النقدية التي تناولت أدبنا القديم من العصر الجاهلي إلى عصور الانحطاط بالنقد والتحليل في أربعة فصول، أما الفصل الأول فقد تناول أدبنا والحياة في العصر الجاهلي، ووقف الفصل الثاني على دراسة أدبنا والحياة في ظل الإسلام، وتناول الفصل الثالث أدبنا والحياة في ظل الحكم الفردي، وجاء الفصل الرابع ليتناول أدبنا والحياة من دمشق إلى بغداد.أما الجزء الثاني من الدراسة فقد تناول ثلاث قضايا نقدية في ثلاثة مباحث، خصص الأول منها لمناقشة قضية المعاصرة والزمان، وناقش الثاني قضية المعاصرة والمكان، أما الثالث فقد ناقش قضية الأدب المعاصر وقضية الالتزام.

 

 

وهذا الكتاب - كما تقول مؤلفته - هو محاولة اشتغلت بها في الجامعة من زمن تريد بها "أن نستخلص لأدبنا العربي قيماً جديدة نابعة من تراثنا الأصيل، دون التزام بالأحكام التي ذهب إليها نقاد نظروا في هذا التراث بذوق عصرهم، وحكموا عليه بعقلية زمانهم، وقوموه بموازين بيئاتهم ومجتمعاتهم؛ ثم تركوا أحكامهم وقيمهم للعصور من بعدهم، فتناقلها الدارسون جيلاً بعد جيل، وصار لها من حرمة القدم وطول العمر وسلطان الإلف ما أضفى عليها مهابة ترد عنها محاولات التجديد وتحميها ممن يجرؤون على معاودة النظر فيها بعقلية متحررة ووعي مرهف" قيم جديدة للأدب العربي القديم والمعاصر، د.عائشة عبد الرحمن، ص15.

 

 

ونقطة الانطلاق في هذه الدراسة، هي التفرقة بين تراثنا الأدبي وبين أحكام مؤرخيه وآراء ناقديه، وهي تقصد بالتراث الأدبي تلك النصوص الأدبية التي قاومت عوادي الزمن، ووصلت إلى أيدينا، فهي المرجع الأول إليها الاحتكام، ومنها استخلاص القيم، ولا تناقض هنا بين الاطمئنان لما اعتمده علماء الشعر الأقدمون من تراث العربية الأدبي، وبين عدم الالتزام بما لهم فيه من آراء وأحكام ومقاييس نقدية، ذلك أن هذه الأحكام والمقاييس التي خلفها لنا القدماء من مؤرخي الأدب العربي ونقاده قد تعرضت لمؤثرات ذوقية قضت بها ظروف عصرهم، وغلب عليها مزاج مجتمعهم، ومؤثرات اجتماعية واقتصادية من صراع العناصر وصدام المذاهب والطبقات، ومؤثرات سياسية تنازعت فيها السلطان قبائل وأسر وشعوب، وتفاوتت فيها نظم الحكم وأوضاعه، ومؤثرات عقلية طرأ عليها ما طرأ من ثقافات شتى وحملت إليها الأجناس والشعوب التي تعربت أو اتصلت بالعرب ميراثها الحضاري والفكري.

 

 

استهلت الباحثة مدخل الدراسة بانتقاد مؤرخي الأدب الذين درجوا على دراسة الأدب عصوراً زمنية تتبع العصور السياسية وتسير في فلكها، فيبدأ العصر الأموي للأدب بتولي الأسرة الأموية الحكم سنة 40 للهجرة وينتهي بسقوطها سنة 132هـ، ليبدأ عصر الأدب العباسي مع دولة بني العباس، ويظل معها حتى تسقط بغداد في أيدي التتار سنة 656هـــ، وهكذا.إن الباحثة تنتقد هذا التقسيم وتؤكد على خطأه، فليست الحياة أحداثاً سياسية فحسب، يسير الأدب معها بمعزل عن العوامل الدينية والاقتصادية والأوضاع الاجتماعية والمستويات الفكرية والحضارية، وإذا جاز أن يبدأ عصر سياسي في يوم بذاته فالمزاج الأدبي والوجدان الفني لا يتغير بين يوم وليلة .وفيما يلي سأستعرض بصورة موجزة أهم الأفكار الرئيسية في الفصول وخلاصة الآراء .الفصل الأول: (أدبنا والحياة في العصر الجاهلي)

 

- اتجهت الباحثة في هذا الفصل إلى تقسيم شعراء العصر الجاهلي إلى شعراء القبيلة، وشعراء البلاط، والشعراء الصعاليك، وقد بينت الدراسة رأي ما تسميه تراثنا الأصيل ورأي النقاد القدماء في كل صنف من هؤلاء الشعراء، وذلك على النحو التالي:

 

 

أولاً: شعراء القبيلة:

 

 

ينقل تراثنا الأصيل أن الشعر في المجتمع العربي يمثل سيادة وقيادة، فقد أوكل إلى الشاعر التعبير عن قومه والقيادة المعنوية لهم، وبمقدار ما كان لهذه المهمة من جلال وخطر كانت القبيلة تحتفل بنبوغ شاعر فيها، وتتقبل التهنئة فيه، وتعده ذخيرة عزة وقوة لها، فقد كان اعتزاز القبيلة بشاعرها أكبر من اعتزازها بالفارس الذي يحمي الحمى بسيفه، وهو وضع قضت به ظروف الحياة في ذلك العصر الجاهلي.

- ويذكر النقاد أن "الشعر تجارة العرب" العمدة، ابن رشيق، 1/21.

 

 

وهذه كلمة تناقلها النقاد من قديم حتى وصلت إلى ابن رشيق في القرن الخامس الهجري، فسجلها في كتابه (العمدة في صناعة الشعر ونقده) قيمة نقدية مقررة يمكن أن تفسر لنا كثيراً من الأحكام والمقاييس التي أقاموا عليها وزنهم للشعر وتصرفهم في أقدار الشعراء ومراتبهم.

 

لقد احتفلوا أيما احتفال ببضاعة شعراء المديح، وحرصوا أشد الحرص على رواية الشعر الذي قيل في بلاط المناذرة والغساسنة، ولم يكتفوا بأن يجعلوا المدح أهم أغراض الشعر، بل زادوا فجعلوا المدح غاية القصيدة العربية بوجه عام.

 

الشعراء الصعاليك: يقول تراثنا : إن شعرهم يمثل الفطرة العربية، ويعبر عن معاناة وجدانية لمحنة الغربة والتشرد، ويعكس صورة مثيرة من واقع حياتهم المحرومة من أنس الجماعة. وعند هؤلاء لم يكن الشعر تجارة قط، وإنما كان متنفساً لشجنهم، وراحة لقلوبهم المضناة بالغربة.

 

 

وأما النقاد القدماء فقد أهدروا الاعتراف بهم، ولم يلتفتوا إلى شعرهم، كما هو الحال عند ابن سلام الجمحي في طبقاته.

 

 

شعراء البلاط: وهم أولئك الشعراء الذين سوَّقوا بضاعتهم الشعرية، لدى الأمراء من آل المنذر وآل غسان، فأين كان موضع هؤلاء الشعراء وماذا كانت وظيفتهم؟

 

يقول تراثنا: إن وضعهم أجراء مسخرين ، أهدر ذاتيتهم وصادر حريتهم الفنية وألغى كرامتهم التي لا بد منها لكل أديب حر. أما النقاد القدماء فقد وضعوا النابغة والأعشى في الطبقة الأولى لفحول الشعراء واحتفلوا ببضاعتهما، وبضاعة أمثالهما من المتكسبين بالشعر.

 

وفي الفصل الثاني: (أدبنا والحياة في ظل الإسلام) تناولت الدراسة في هذا الفصل الأحكام النقدية التي أصدرها النقاد على الشعر في ظل الإسلام ومنها أن الشعر هانت مكانته وتعطلت وظيفته، وامتحن برقابة صارمة على الشعراء، وأن الإسلام وقف منه موقف العداء، وبعد مناقشة الأدلة التي ساقوها على هذا الزعم وتفنيدها خلصت الدراسة إلى أن دعوى ضمور الشعر في صدر الإسلام هي دعوى غير صحيحة، فقد اتخذ المشركون الشعر سلاحاً في مواجهة الدعوة الإسلامية، والتجأ النبي عليه الصلاة والسلام إلى السلاح نفسه في مواجهة أعداء الدعوة الإسلامية. وبذلك تخلص إلى أن تراثنا يقول : إن الشعر كان سلاحاً من أمضى الأسلحة في المعركة بين الوثنية والتوحيد، وأنه ظل محتفظاً بكل سلطانه على وجدان العرب، لم يعطله اشتغالهم بالفتوح، ولم يفقد البيان سحره في قوم آمنوا بدين، معجزته بيانية باهرة.

 

 

أما في الفصل الثالث فقد تناولت الدراسة (أدبنا والحياة في ظل الحكم الفردي) وقد توصلت في هذا الفصل إلى أن النقاد القدماء حصروا اهتمامهم في بلاط الحكام، فاعتبروا شعراء الأمراء هم أمراء الشعراء، فمجد الشاعر مرتهن بالوصول إلى باب السلطان، ومكانته الفنية يحددها القصر، طالما قصر وجدانه على تأييد الأمير والتغني بسجاياه، وجعلوا تفوق الشاعر رهناً ببراعته في المدح، ولو لم يعبر عن معاناة وجدانية صادقة، فقد روي أن عبد الملك بن مروان قال للأخطل يوماً بعد أن مدحه بقصيدة أعجبته: "ويحك يا أخطل أتريد أن أكتب إلى الآفاق أنك أشعر العرب؟" الأغاني، 8/287، ومنطق الخبر أن التنافس على مدح الأمير كان على أشده، وأن الأمير كان بحيث يصدر مرسوماً ملكياً بإمارة شاعر ويسير المرسوم في الآفاق، ونجم عن هذا الوضع شر كثير أصاب الحياة الأدبية نتاجاً ونقداً، ثم لم تستطع أن تنجو منه بعد ذلك ، فلقد تركز الاهتمام حول شعراء القصر الأموي، مع أن الحياة لم تكن بلاطاً فحسب، لكن عيون المؤرخين والنقاد شدت إلى هذه القصور، فلم تكد تعرف من أمر الحياة الأدبية غير البضاعة الواردة منها والرائجة فيها، ولم تكد تحتفل بغير الشعراء الذين يبصمهم البلاط بخاتمه، ولذلك فإن أشهر النصوص الأدبية التي عرفناها من دمشق، نقائض جرير والفرزدق والأخطل، ومدائح شعراء الأمراء من أمثال كثير عزة، ونصيب، وابن قيس الرقيات، وقد أخملت هذه القلة المشهورة كثير من شعراء ذلك العصر، وهكذا احتكمت موازين السياسة في أقدار الشعراء ومقاييس الأدب، وجاء نقاد القرن الثاني، فاعتمدوا هذا التعيين، متأثرين بوضع القصر العباسي في زمنهم، وقد كان يحتكم في أقدار الشعراء على نحو ما كان القصر الأموي يفعل، أو أكثر مما كان يفعل، وثالثة الأثافي ، مما أصاب الحياة الأدبية من نُكر، أن موازين السياسة وحدها هي التي كانت تحتكم في القيم الفنية للأدب، وتسيطر على ذوق النقاد، فالفنون الشعرية التي أجازها السلطان، كانت تحدد مجال الشعر وأغراضه عند من حصروا الدنيا بين جدران القصر. فلأن الساسة كانوا يحتفلون بالمدح والهجاء، وجد من النقاد القدامى قوم يقولون: "الشعر كله نوعان : مدح وهجاء" العمدة ، ابن رشيق1/78، ولذلك لا نعجب إذا تأخر "ذو الرمة" عندهم عن الفحول لأنه كما يقولون إذا صار إلى المديح والهجاء خانه الطبع.

 

 

وفي الفصل الرابع " أدبنا والحياة من دمشق إلى بغداد" أوضحت الدراسة أن الباب الذي فتحه الأمويون للشعر والأدب لم يغلق، وأن الانحراف الفني الذي ظهرت أوائله في إمارتي الحيرة والغساسنة ورسخت أصوله في البلاط الأموي، استشرى في العصر العباسي، حين احتاج صراع الأسر والأحزاب على السلطة والنفوذ، إلى ألسنة هذا الصنف من الشعراء والدعاة المأجورين. وخاض الأدب صراع المذاهب، في ذلك العالم الواسع المزدحم، وكان سلاحاً في معترك الطوائف والأحزاب والملل والنحل، لكن أكثر تراثه فد ضاع في الغمار، لأن النقاد لم يحتفلوا إلا ببضاعة القصور، ولم يهتموا إلا بالشعر المتعلق بالسياسة من قريب أو بعيد، وحسبنا أن نقرأ قولهم " إن أبا تمام، والبحتري، أخملا في زمانهما خمسمائة شاعر، كلهم مجيد" العمدة، ابن رشيق، 1/64، لندرك فداحة الطغيان الأدبي، الذي فرضه ذلك الوضع.وهكذا فإن الأدب لم يكن لينجو من نُكْرِ الحياة العامة التي أرادت له أن يتخلى عن عنصر الصدق الفني الذي هو مناط فنيته وجوهر أصالته، وعزلت الأدب عن مكانته الرفيعة من القيادة والسيادة، ليكون ظلا للسلطان وبوقا للحكام وداعية لكل مذهب وتجارة لفئة من المرتزقة المأجورين .لا ينفعلون بغير الرغبة أو الرهبة ولا يتأثرون وجدانياً إلا بخزانة الممدوح أو جاهه وسلطانه، بيد أن الباحثة قد استثنت في هذا العصر ناقدا وشاعرا تحررا من إغراء المادة وجاذبية الجاه، وتخلصا من أغلال الرغبة والرهبة، أما الأديب فهو "ابن بسام الأندلسي" الذي عكف على تأريخ الأدب الأندلسي وتدوين (ذخيرته) الفنية، وترك صناعة الأدب لمن يعرفون من معاصريه أساليب التكسب بها، وأما الشاعر فهو أبو العلاء" السجين الحر، والمقيد الطليق، والضرير البصير الذي عاش حر الفكر والوجدان حي الضمير، وقاوم في بسالة تقرب من الاستشهاد، مغريات الحياة الدنيا، وجاذبية السلطان.. فماذا لقي من مؤرخي الأدب ونقاده؟اتهموه في عقيدته ودينه، وجحدوه شاعراً، وأنكروه مفكراً، وحجب لمدى أجيال عن مكانه بين كبار الشعراء...ولا عجب فالمقاييس التي احتفت بشعراء المديح، وأبواق الأحزاب، حيث لا مجال للصدق الفني والحرية الوجدانية، لا يمكن أن تعترف بشاعر وجد نفسه، ووعى ذاته، واعتز بكرامة عقله وفكره ولسانه فلم ينزل عنها لمشترٍ، ولم يساوم عليها في سوق النفعية والنفاق.أما هذا المتنبي الذي ملأ الدنيا وشغل الناس في القرن الرابع الهجري وما تلاه من قرون تصدع وانحدار ، فما كرهوا له أن يترك صحبة الأمير العربي البطل "سيف الدولة" بعد أن أفرغ عليه مدحه، ليمضي إلى كافور الإخشيدي بمصر، يعرض عليه بضاعته:

قواصد كافور ، توارك غيره ومن قصد البحر استقل السواقيا

 

 

ثم ألح عليه في دفع ثمن البضاعة، فلما ماطله كافور ـ عن فهم ثاقب لنفسية هذا الشاعر وخلفيته ـ شكا إليه ضارعاً متذللاً :

 

 

أبا المسك هل في الكأس فضلٌ أناله فإني أغني منذ حينٍ وتشربُ

 

 

حتى إذا يئس منه، تسلل هارباً من مصر ، وهو يلعنها ويقذف حاكمها بسباب بذئ، ولا ننكر على المتنبي عبقرية النظم، لكن المنكر أن نتلو "آياته" مأخوذين بفتنة عبادة الأبطال، فيغيب عنا من عثراته وسقطاته ما لم يغب عن أحرار النقاد القدامى، والأفدح نكراً، أن يُخْمِلَ فينا شاعراً مثل "أبي العلاء" جديراً بأن يأخذ مكانه في حياتنا الطامحة إلى الوجود الكريم، المكبرة لمكان الفن في الحياة: سيادة وقيادة

لكن ما الحيلة ، والمتنبي قد ملأ الدنيا وشغل الناس في القرن الرابع وما تلاه، فليظل أبداً ملء دنيانا ومشغلة أجيال الناس منا ، ولا حول ولا قوة إلا بالله .

 

 

وفي القسم الثاني من الدراسة تناولت الباحثة ثلاث قضايا في الأدب المعاصر، وهي: 1ـ المعاصرة والزمان 2ـ المعاصرة والمكان 3ـ الأدب المعاصر وقضية الالتزام

 

 

وفي المبحث الأول (المعاصرة والزمان) سعت الباحثة إلى تحرير المفهوم الشائع لمعنى المعاصرة في مجالها الزمني، إذ يحسب الكثير أنها تعني في الأدب أن يشغل الأديب بحاضره وحده دون التفات إلى ماضيه القريب، أو البعيد وعند هؤلاء أن الأديب لا يمكن أن ينتمي إلى العصر ويعيش بوجدانه إلا إذا كف تماماً عن الالتفات إلى الأمس وتخلص من تأثير تراثه، وحصر اهتمامه كله في الحاضر والمستقبل، والباحثة تعارض هذا الرأي وتذهب إلى أنه لا يكسب صفة المعاصرة من الأعمال الأدبية سواء منها ما أوغل في العصور الخوالي وما كان من البضاعة الحاضرة إلا ما نصغي فيه إلى نبض حياتنا بأبعادها المترامية. فقد وقف داروين على قمة عصره وهو يوغل في الماضي السحيق متتبعا نشوء الأنواع وملتمسا الظواهر البيولوجية لما قبل عصر الإنسان كي يقدم نظريته في التطور في كتابه (أصل الأنواع ) الذي نشره سنة1895 بعد عشرين عاماً من الدراسة والتأمل، ولم يقل أحد أنه رجعي يعيش مع بقايا الحفريات البائدة ، بل الذي قاله مؤرخوه أنه يمثل ذروة التقدم العلمي لعصره الذي دخل العلم باسم "عصر النشوء والارتقاء".وماركس الذي فتن جيله وأجيالاً بعده بنظريته في التفسير المادي للتاريخ لم يصل إليها إلا بعد طول تأمل في ماضي سير الزمان بالشعوب والجماعات والنظر الثاقب في الدور الذي لعبه العامل الاقتصادي على مسرح التاريخ.

 

 

وفي المبحث الثاني (المعاصرة والمكان) توصلت الباحثة إلى أن الأديب المعاصر يستطيع أن يصغي إلى نبض الحياة وهو يعيش في أضيق زقاق من قريته التي لا موضع لها على أي مصور جغرافي محلقاً في الوقت نفسه في رحاب الأفق الإنساني فوق كل الحدود .فلا يوجد تعارض إطلاقا بين الإنسانية في أوسع عمومها المطلق وبين المحلية في أضيق زواياها. وبقدر ما يتميز العمل الأدبي تكون أصالته وفرصته للعالمية والخلود، وما أخذت (رباعيات الخيام) مكانها بين الآداب العالمية إلا بكونها فارسية صميمة... ولا عبرت "رسالة الغفران" للمعري حدود المجال العربي إلى المجال العالمي إلا بكونها علائية متميزة.

وفي المبحث الثالث (الأدب المعاصر وقضية الالتزام) ميزت الباحثة بين مفهومي الالتزام والإلزام، فالالتزام معناه أن يتصدى الأديب للنضال عن قضايا قومه ويعبر عنها تعبيراً فنياً بالكلمة أو النغم أو الرسم أو النحت وينفذ بحسه المرهف إلى ما في أعماقها من هواجس وهموم ويتطلع إلى البعيد والخفي من أماني طموحها . فالأديب في الالتزام يختار موقفه فيعبر عن ذاته، ويلتزم بأمانة النضال عن قومه وحماية وجودهم، أما عندما يبيع الأديب وجدانه وضميره لمن يدفع الثمن ويمارس عمله الفني من خلال المذهب الذي يقف وراءه داعية ومبشراً تحت رقابة صارمة فإنه بذلك قد تحول من الالتزام إلى الإلزام.

 

 

 

 

صحيفة الأمة " PDF "

روح الشعر

 

    ثلاثة مشاهد للحسين ثائراً _____    صلاح...
    ذبلتْ ضمائرهم الشاعر : عبدالقوي محب...

فكر و نقد

فنون و تشكيل

لقاءات و استطلاعات ثقافية

عرض كتاب