يعد مقياساً للنضج ومفتاح التعبير بلوحات لا تتسعُها الكلمات .. الفن التشكيلي في اليمن..أفق مفتوح غاب عنه الاهتمام!

 

 

 

 

 

استطلاع: ماجـد صالـح السياغي

 

 

ليست هناك ثمة أشكال بحتة ما من شيء تراه العين إلا وله مغزى وبهذا المعنى يقوم الفنان التشكيلي بإعادة صياغة المرئيات المحيطة في أعمال تتسم بالمحاكاة والتقليد كعنصر اتصال هام وجزء من ثقافة الناس وممارساتهم اليومية.. ويُعد الفن التشكيلي في اليمن بيئة خصبة لاستيعاب التجارب الثقافية غير أن غياب الاهتمام به أحدث عرجا في المسيرة الثقافية ناهيك عن ثقافة المجتمع  التي مدت من غربة هذا الفن وجعلته يعيش بعيداً عن العائلة الثقافية كأحد اهم أفرادها الأمر الذي يحتم ضرورة تسخير الإمكانات والإمكانيات والحاجات والاحتياجات حتى يتمكن هذا الفن من إقناع المجتمع والوسط الثقافي بأنه مكون أساسي في ثقافة المجتمع وجزء من البيئة التي يعيش فيها الإنسان.

 

شكل جديد

 

اهتمت المجتمعات العربية عبر القرون بالشعر والأدب كمكون للثقافة السمعية والشفاهية وظلت على هذا المنوال ردحاً طويلاً من الزمن وأزف حضور الثقافة البصرية في المشهد العربي كالفن التشكيلي وأحد أدوات التعبير الثقافي وأركانه وظل بعيداً عن علاقة المثقفين أنفسهم وبالتالي لم يأخذ هذا الفن حيزاً من الاهتمام والمتابعة والتذوق إلا خلال الفترات الزمنية القريبة  ويؤرخ أن الفن التشكيلي في اليمن بدأ بشق طريقه قبل 50 عاماً.

 

اهتمام محدود

 

ظل تدريس وتعليم الفن التشكيلي من خلال الأنشطة المدرسية أو عبر قسم التربية الفنية بالكليات محدود ومحصور في جوانب معينة  واقتصر على الموهبة والإبداع لدى كثير من الفنانين التي رافقها اهتمام هامشي ونظرة المجتمع ومثقفيه إلى أعمالهم ويؤكد كثير من الفنانين أن المشكلة الحقيقية أمام الفنان التشكيلي في اليمن تكمن في أن هذا الفن ليس من صميم الثقافة اليمنية الأمر الذي أوجد معاناة مستمرة على الدوام للفنان اليمني.

إمكانات شحيحة

 

تحتاج الفنون التشكيلية إذا ما نظرنا إليها إلى عدداً من المقومات منها الدعم المناسب بجميع مستوياته وتهيئة الظروف المحيطة به من دور عرض عام وخاص ومتاحف وكتب وموسوعات واقتناء أعمال ورعاية للفنان وأعماله كل هذه الأشياء تفتقدها الحركة التشكيلية في اليمن والتي تمثل حواضن للفن التشكيلي تنشأ  من خلالها ثقافة عامة تربط الفن بعموم الثقافة ويكون جزءا مهما منها حيث تؤكد وزارة الثقافة أن إمكانيات الوزارة  شحيحة فالموازنة التي ترصد للوزارة 60 مليون ريال يمني لا تكفي لأربعة أشهر وبالتالي لا تأخذ كثير من المجالات الثقافية ما تستحق من اهتمام فهذا الوضع المادي الضيق حجّم من تطلعات ما يجب إيلاءه للفن التشكيلي في عموم المحافظات.

 

ضغوط اقتصادية

 

 واقع الحال ينطق أن موقع الثقافة البصرية والتذوق الخاص للوحة في اليمن ما زال محدودا الأمر الذي انعكس على الإقبال والشراء واقتناء اللوحات من قبل شريحة المثقفين ورجال الأعمال وأصحاب الذوق الرفيع وبالتالي أصبحت لوحات ذلك الفنان أو تلك الفنانة يزداد منها العرض ويقل عليها الطلب فيعجز في حالات كثر عن تدبير الاحتياجات المالية للمواد التي ينفذ بها الفكرة وتصبح الاستمرارية مسألة أقرب إلى المغامرة فيعزف كثير عن متابعة مزاولة الرسم لاعتبارات عديدة هي في الأعم الأغلب مالية.

 

في ذمار

 

لمعرفة واقع الفن التشكيلي بمحافظة ذمار التقت الجمهورية بالأخ محمد العومري مدير عام مكتب الثقافة بالمحافظة حيث قال شهدت المحافظة نشاط كبير في جانب الفن التشكيلي خلال العقد الماضي تصدرت مجموعة من الشباب من أبناء المحافظة بأعمالهم الرائعة المشهد الثقافي وفاز الكثير منهم في المشاركات التنافسية التي أقيمت داخل الوطن وخارجه.

 

البداية

 

يقول العومري لقد مثل العام 2002م الانطلاقة الحقيقية للفنانين التشكيلين بالمحافظة وتوسعت أعمالهم المعروضة لتشمل معارض جماعية في العاصمة صنعاء منها المعارض الجماعية والفردية التي أقيمت في العام 2004م عام الثقافة العربية شارك فيها فنانو المحافظة بأعداد كبيرة وحازوا على كثير من الجوائز دفع بقيادة الوزارة أن ذاك ممثلة بالأخ خالد الرويشان إلى إنشاء أول بيت للفن بمحافظة ذمار.

 

بيت الفن

 

تأسس بيت الفن بذمار مطلع العام 2005م عقب اختتام صنعاء لفعاليات عامها الثقافي عام 2004م وحول أهدافه يقول مدير عام مكتب الثقافة بالمحافظة يهدف بيت الفن إلى نشر الثقافة والفن بين مختلف طبقات المجتمع من خلال تقديم الأنشطة والبرامج المختلفة التي تساعد في تنمية الحركة الفنية التشكيلية بالمحافظة وجمع وعرض إبداعات الفنانين التشكيلية والتعريف بها ثقافياً ومعنوياً ومادياً من خلال توفير المواد للرسم والتشكيل وتوفير المراسم  وقاعات عرض لإقامة المعارض و المشاركة بالأعمال الخاصة بالأعضاء في الفعاليات والمعارض المقامة في محافظات الجمهورية وبيوت الفن والمشاركة في الفعاليات الوطنية..

 وبذلك انتقل الفن التشكيلي بالمحافظة نقلة نوعية عملت على زيادة عطاء الفنانين التشكيلين وبالتالي زيادة حضورهم الفاعل في المشاركات والمعارض الداخلية والخارجية.

 

جهود مشتركة

 

وفي معرض حديثه يقول العومري أن دور المدرسة من خلال الأنشطة المدرسية وتدريس التربية الفنية  بعد أن تم افتتاح قسم التربية الفنية  بجامعة ذمار والذي تعلم فيه إعداد كبيرة  حيث يتخرج من هذا القسم حوالي 40 فنان وفنانة بشكل سنوي فالتعليم كان له الدور الكبير في صقل المواهب التي أظهرت أعمالهم الكثير من الإبداعات المتميزة على صعيد هذا الفن وبالتالي قام مكتب الثقافة بالمحافظة باحتضان المبرزين ومتابعة تأهيلهم من خلال إقامة العديد من الدورات التدريبية وورش العمل والمعارض التي دفعت بالعديد من الفنانين التشكيلين إلى المشاركة وإبراز أعمالهم وشجعت روح التنافس فيما بينهم.

 

صعوبات

 

يؤكد الأخ محمد العومري أن ضعف الإمكانيات بمختلف احتياجاتها هي ما تعاني منه الثقافة بشكل عام فضآلة الاعتمادات المخصصة أعاقت الكثير من الأنشطة الثقافية ولا تغطي ابسطها قادت بدورها إلى تدني مخرجات الأعمال الثقافية والفنية منها أعمال الفنانين التشكيلين وما يلزمها من متطلبات سواء في إقامة المعارض أو متطلبات الفنانين انفسهم ناهيك عن عدم إشراك أعمالهم في المعرض الدولية كنوع من التشجيع لهم.

 

بالتوازي مع عدم اهتمام القطاع الخاص ورجال الأعمال لهذا النوع من الفن وأصحابه.

ويضيف العومري أن الخلافات الإدارية التي تحدث بين الفنانين في بيت الفن بالمحافظة بين حين وآخر تعمل على أضعاف مجهودات الإدارة التي تنعكس سلباً على الأداء ومستوى إنتاج الفنانين وإبداعاتهم.

 

منتدى للفن التشكيلي

 

وفي سبيل توسيع نطاق المعرفة بالفن التشكيلي أنشئت العديد من المنتديات في عموم المحافظات بمبادرات فردية منها منتدى الحداثة للفن التشكيلي بذمار وفي هذا السياق التقت الجمهورية بالأخت الفنانة التشكيلية منى علي دغبس رئيسة المنتدى حيث قالت تأسس المنتدى عام 2012م ويهدف إلى غرس حب الوطن بين الشباب والتعبير عن ذلك باللون والريشة ونشر ثقافة الفن في أوساط المجتمع إضافة إلى الاهتمام بالموروث الشعبي وبما يخدم إرثنا الحضاري العربي والإسلامي الأصيل. 

 

وعن الأعمال التي قام بها المنتدى تقول الأخت منى منتدى الحداثة للفن التشكيلي بذمار حديث النشأة ومع ذلك قام بعدد من الندوات عن الفن التشكيلي إلى جانب تدريب عدد من الشباب المبتدئ إضافة إلى إقامة ثلاثة معارض للفن أقيمت في مكتبة البرودني وبحضور نائبة وزير الثقافة الأستاذة هدى أبلان والجهات المعنية بالمحافظة وكل ما يقوم به المنتدى من أنشطة هي بجهود فردية ونتطلع إلى دعم الجهات المعنية الرسمية والمبادرات من القطاع الخاص والذي سيعمل دون شك إلى تحسين مخرجات هذا الفن الذي ينقصه الدعم الكثير.

 

تفاعل المجتمع

 

وحول جزئية تفاعل المجتمع مع هذا لفن قالت دغبس أن إقبال المجتمع ينبع من تشجيع الثقافة للمبدعين فإذا كانت الثقافة تخلق للفن التشكيلي أهمية فالمجتمع سيكون متقبل لهذا الفن وما نلاحظه في بلادنا هي الثقافة النمطية السائدة التي تولي اهتمام للأدب والشعر أكثر من ثقافة الفن التشكيلي الذي يلامس كثير من قضايا المجتمع و التعبير عن همومه.

 

وتضيف التشكيليين عامة ما زالوا يصطدمون بنظرة المجتمع ومثقفيه إلى أعمالهم ونتمنى أن يحظى في قادم الأيام بمكانة تتيح له العمل كمكون أساسي في نهضة المجتمع وثقافته.

 

المرأة فائض من الوعي

 

وعن دور المرأة في هذا الفن تقول الأخت منى لم تعد الفنانة التشكيلية اليمنية معزولة عن هذا العالم بمعنى أنها إن كانت طموحة ومتحركة وحريصة على تطوير ذاتها وأدواتها الفنية يمكنها ذلك بمجهودها الشخصي.

ويوجد العديد من الفنانات اللواتي اشتغلن على أنفسهن وتعبن ليصلن إلى مستوى متقدم في تجربتهن التشكيلية علي سبيل المثال الدكتورة أمنة النصيري التي يعدها كثيرون أبرز فنانة عربية في مجالها وأبرز وجوه الفن التشكيلي باليمن ويوجد بمحافظة ذمار العديد من الفنانات فهناك أكثر من 20 فنانة تشكيلية يمارسن الفن بشكل دائم وبحس إنساني عميق الدلالة عن الواقع الذي تعيشه المرأة اليمنية.

 

خطوات لابد منها

 

يؤكد العارفون في هذا المجال أن النهوض بالحركة التشكيلية في اليمن  يتطلب حزمة من الخطوات أولها إرساء قواعد العمل المؤسسي التشكيلي التي تحدد الأدوار والمهام  تدفع بالفن التشكيلي إلى المكانة المرغوبة إلى جانب توفير الإمكانيات لإيجاد بيئة  خصبة تعمل على تشجيع الفنانين التشكيلين من كل الجوانب ويلبي اقلها الحد الأدنى من تطلعاتهم وإيجاد آلية لتوظيف ذوي الكفاءة والخبرة والمهارة من الوسط التشكيلي إضافة إلى تكثيف عقد دورات تدريبية في عموم المحافظات بالتعاون مع الجهات الداعمة والمشجعة ناهيك عن تحسين مدخلات العملية التعليمية لهذا الفن في المدارس وأقسام التربية الفنية في الجامعات بما يتواكب مع كافة الأساليب الفنية المختلفة الحديثة والمعاصرة وتوظيفها التوظيف الأمثل مع مراعاة الحفاظ على الهوية العربية الأصيلة وبما يخدم إرثنا الحضاري ومع ذلك كله يظل التفاعل المجتمعي مع هذا الفن الخطوة الأكثر فاعلية في صميم النشاط الثقافي وليس على هامشه.

 

 

-          الجمهورية