السبت, 07 كانون1/ديسمبر 2019  
9. ربيع الآخر 1441

تحليلات و ملفات ساخنة

فيها صدح بأروع أغانيه... تعز.. مُلهمة الفنان الآنسي وحاضنة إبداعه الخالد

 

 

 

 

 

 

أمين درهم

 

 

 

 

وُلد الفنان علي بن علي الآنسي عام 1933م في حي الباشا صنعاء القديمة من أبوين مكافحين وهما علي بن يحيى الآنسي والأم (سعادة) رحمة الله عليهما.. بعد ثورة 1948م انتقل الفنان علي الآنسي مع جميع أسرته إلى مدينة تعز حيث كان يقيم الإمام أحمد حميد الدين، كما انتقلت في ذلك الوقت الكثير من العائلات الصنعانية إلى مدينة تعز، وكان أكبر تجمُّع لهذه العائلات في منطقة الجحملية والتي شكّلوا فيها العديد من المجالس الفنية والأدبية ذات الطابع الصنعاني المتميز.

 

وكان من أبرز هذه المجالس: مجلس الحاج علي الحمامي، ومجلس أحمد خيري العسيري، ومجلس السيد أحمد شرف الدين، ومجلس العميد أحمد الآنسي شقيق الفنان علي الآنسي، ومجلس جميل محرم ومجلس محمد نجمي أفندي، ومجلس العزي السنيدار، ومجلس عبدالله الغريبي، ومجلس عباس إسحاق وغيرهم.

أما في منطقة المدينة فقد ظهرت عدة مجالس مشابهة مثل مجلس عبدالعزيز الحروي، ومجلس سعيد مرشد، ومجلس محمد علي سري وأيضاً مجلس نادي تعز الرياضي والثقافي والذي كان خلف عمارة الغنامي بتعز، وكان المؤسّسون لهذا النادي هم نخبة من موظفي النقطة الرابعة،(هيئة التعاون الأمريكي) وغيرهم من شباب تعز، وكان الفنان علي الآنسي أحد رموز النادي. ومن الفنانين المطربين الذين ظهروا في تلك الفترة، واشتهرت أسماؤهم عبر تلك المجالس: العقيد حسين هبة، والعزي السنيدار، والعميد أحمد عشيش، ويحيى الشمسي ومحمد علي رضا، وعلي سرور، وعلي الآنسي وغيرهم.

 

 

 

كما اشتهر في فن النكتة والفكاهة كلٌّ من: أحمد عبد الرحمن حميد الدين، القاضي عبدالله العنسي، يحيى الشمسي، أحمد عيسى، أحمد راشد، حمود السلال، حسن السلال،  وسعد الربيدي وغيرهم.

 

 

بدأت الاهتمامات الفنية للآنسي بالظهور في مدينة تعز منذ أن كان طالباً في المدرسة الأحمدية في خمسينيات القرن الماضي حينها امتلك أول عود إهداء من أحد المعجبين بفنه، وهو المرحوم محمد الشراجي، وعندما علم والده بامتلاكه عوداً في المنزل، قام بإحراقه في التنور في سطح المنزل، غير أن عزيمة الشاب وشغفه الكبير في الفن لم تثنه عن مواصلة حلمه، فقد بدأ حياته الفنية هاوياً للفن، ثم محترفاً، حتى وصل إلى مستوى كبار الفنانين في اليمن والوطن العربي.

 

 

محطات عديدة جمعتنا بالفنان على الآنسي طيلة علاقتنا التي امتدت لأكثر من عشر سنوات، إحدى هذه المحطات التي لا تُنسى هي اصطحابي له إلى مدينة عدن في أول زيارة له للمدنية عام 1961م، حيث قمت بتعريفه بكبار الفنانين المشهورين في ذلك الوقت أمثال: محمد مرشد ناجي، وفضل محمد اللحجي، وأبوبكر بلفقيه، وحسن فقيه، ومحمد صالح همشري، وأحمد يوسف الزبيدي وغيرهم من فناني عدن ولحج، وهناك اشترك مع بعض الفنانين وتعمقت معرفته بأصول الفن اليمني في الشمال والجنوب كما عرّفته بالحاج محمد عبدالعزيز الأغبري، أبو الفنانين والرياضيين في عدن يومها والذي استضافه في منزله لمدة ثلاثة أيام وسجّل له عدداً من الأغاني من ألحانه ومن التراث الصنعاني، في الشريط كنز وهو بيد ولده علي محمد عبدالعزيز و المقيم في مدينة تعز حالياً.

 

 

خلال هذه الزيارة أدى الآنسى أغنية للفنان محمد صالح همشري (اشهدوا لي على الأخضر شلّ عقلي منى وانكر) وكان دائماً يتغنّى بهذه الأغنية التي تم تسجيلها لاحقاً في إذاعة صنعاء بصوت الفنان علي السمة (اشهدوا لي على الأسمر) ومن ناحية أخرى غنّى له الفنان أبوبكر بلفقية (ياليل هل أشكو).

وفي أوائل عام 1962م سجّلها في بيروت بالفرقة الموسيقية وتم طبع اسطواناتها للاستثمار وكان لها رواج كبير في السوق اليمني والسعودي، وتعتبر هذه الأغنية أول عمل فني للفنان أبو بكر باللون الصنعاني.

 

 

في عام 1961م زارني الفنانان فضل محمد اللحجي وأحمد يوسف الزبيدي في مدينة تعز لغرض إخراج جواز سفر متوكلي للفنان أحمد يوسف الزبيدي لغرض الهجرة إلى المملكة العربية السعودية، حينها تم اللقاء في منزل السيد محمد عباس إسحاق، وكان هناك الفنان فضل اللحجي والفنان أحمد يوسف الزبيدي والشاعر علي بن علي صبرة والفنان علي الآنسي والأستاذ علي أحمد الخضر والفنان عبدالرحمن الآنسي وغيرهم.

 

 

غنّى فضل اللحجي وامغرد بوادي الدور والآنسي ياليل هل أشكو وعلي الخضر ياربة الصوت الرخيم والزبيدي أغنية ساكت ولا كلمة وأنشودة (باسم هذا التراب) تم تسجيل هذه الأغاني على شريط الرول وأُعجب الآنسي بأنشودة «باسم هذا التراب» وحفظها كلمات ولحناً وهي من كلمات صالح نصيب ولحن حسن عطا والاثنان من لحج الخضيرة. هذه الأنشودة كانت قد أُنشدت في حفل جماهيري كبير في دار سعد عام 1958م وخصّص إيراد الحفل لصالح ثورة الجزائر. سافر الزبيدي إلى مدينة جدة وهناك وجد ضالته حيث كان يقيم عدد كبير من اليمنيين، وفي عام 1964م أصطحب أسرته إلى المملكة ودرّس أولاده في مدارس وجامعات سعودية ومنهم الدكتور علي الزبيدي الذي تخرّج طبيباً وعمل فترة مديراً لمستشفى الملك عبدالعزيز في جدة.

 

 

وعند قيام ثورة 26 سبتمبر 1962م، انطلق صوت الآنسي يشدو بأنشودة باسم هذا التراب، ثم سجلت في إذاعة صنعاء ولقيت صدى كبيراً لدى الجمهور اليمني شمالاً وجنوباً وظلت نشيد الصباح في مدارس الجمهورية حتى تم تأليف وتلحين النشيد الوطني للجمهورية العربية اليمنية.

 

 

قبل قيام الثورة بأسبوع، أي بعد وفاة الإمام أحمد كنا على ثقة بأن الثورة سوف تندلع لا محالة، وفي ذلك الوقت كنت أقيم في إحدى شقق عمارة الأخ علي محمد سعيد بجانب المدرسة الأحمدية بتعز وجمعت بعض الفنانين الموثوق بهم مثل علي الآنسي وعلي الخضر وعلي صبرة وعبدالكريم تقي والفنان الحريبي صاحب أغنية (مسكين الإنسان) ونخبة من الشباب الوطني منهم محمد قائد الزعيتري وعزالدين ياسين ومحمد مطهر عبده ومحمد مهيوب عثمان وعبده عثمان محمد، ومحمد سعيد عوض، وعبدالرحمن محمد الشيخ وعبدالوهاب عبدالله أحمد وعبدالمجيد مطهر سعيد وغيرهم، وقمنا بتجهيز بعض الأناشيد الثورية مثل: جيشنا ياجيشنا، في السهول والجبال، باسم هذا التراب وأيضاً الشعارات المناسبة للثورة.

 

 

كان الأخ علي محمد سعيد يزورنا من وقت إلى آخر ونحن نجهز الأناشيد والشعارات وكان يشجعنا على هذا العمل ولم نكن نعرف إنه واحد من الثوار إلا بعد أن سمعنا من إذاعة صنعاء أنه عضو مجلس قيادة الثورة وهو أحد مؤسسي البيت التجاري العملاق (شركة هائل سعيد أنعم وشركائه) وأيضاً مؤسسة السعيد للعلوم والثقافة بتعز والتي تفرعت منها جائزة المرحوم هائل سعيد أنعم للعلوم والثقافة ومؤسسة السعيد الخيرية التي تهتم ببناء المدارس والمساجد والمنح الدراسية لطالبي العلم المتفوقين في الدراسة في ربوع اليمن من صعدة إلى سقطرى.

 

 

في يوم 26 سبتمبر 1962م تم الإعلان عن قيام الجمهورية، وكنا جاهزين بالشعارات والأناشيد وانطلقنا في شوارع تعز بمظاهرات حاشدة وكان الفنان الآنسي في المقدمة وبعدها سافر إلى صنعاء وهناك انطلق يشارك الجنود والضباط في مواقعهم يتغنّى بالثورة ويبث روحها فيهم حتى أصيب وأسعف إلى القاهرة للعلاج.

 

 

وهناك كان له لقاء مع الموسيقار محمد عبدالوهاب في المستشفى العسكري بالقاهرة حيث كان الموسيقار محمد عبدالوهاب مع مجموعة من الفنانين المصريين يزورون المرضى العائدين من اليمن سواء كانوا مصريين أو يمنيين. غنّى الآنسي باسم هذا التراب وأعجب عبدالوهاب بصوت الآنسي وشجعه كثيراً وفي اليوم الثاني خرجت الصحف المصرية تشيد بهذا اللقاء البديع.

 

 

في عام 1964م كان لنا لقاء جديد في منزل المرحوم أحمد عبده سعيد بتعز، الذي حاول لمّ شمل الفنانين، لذلك أسّسنا معاً فرقة موسيقية تضم الفنانين: علي الآنسي، وفضل محمد اللحجي، وعلي السمة، ومحمد قلالة، وعبدالرحمن الآنسي، ومحمد العوامي وغيرهم، وكانت هذه الفرقة برئاسة الفنان فضل محمد اللحجي والذي كان أمهر عازف على آلة العود وآلة القانون حينها. تم شراء آلات موسيقية من أسمرة ـ أرتيريا ـ على نفقة هيئة التعاون الأهلي بتعز، التي كان يرأسها الأستاذ أحمد عبده سعيد وكان عمر هذه الفرقة قصيراً، لأن الفنان علي الآنسي انتقل إلى صنعاء، كما انتقل الفنان فضل محمد اللحجي إلى لحج، ثم استشهد في طريق لحج ـ عدن عام 1967م.

 

 

محطة أخرى جمعتني بالفنان الآنسي في مدينة الحديدة عام 1966م، حيث تم الاتفاق على تأسيس شركة مساهمة محدودة، ترعى الفن والفنانين، وعلى رأسهم الفنان علي الآنسي، وتم تأسيس الشركة تحت اسم شركة أهازيج وأغاريد صنعاء المحدودة برأس مال قدره عشرون ألف ريال، وانتخبت رئيساً لمجلس الإدارة فيها، ومن المؤسسين: الإخوة محمد قائد الزعيتري، ومحمد عبدالوهاب جباري، وعمر أحمد بادويلان، ود. سعيد الشيباني، وإبراهيم حيدرة، و ابراهيم الوجيه.

 

 

كان من أبرز ما حققته وأنجزته هذه الشركة، هو توثيق أغاني الفنان الآنسي ونسخ اسطوانات للاستثمار، ومنحه أسهم من رأس مال الشركة، وتعيينه مديراً فنياً لها. وبعدها تم تسجيل عشرة أغانٍ في بيروت مع فرقة الأخوين الرحباني وهي: حبيبي، قد علموه، لا تجرحي حبي، دان واساجعه، يا الله رضاك، قمري صنعاء جنني، في ظل راية ثورتي، ياقلبي مالك، تعيش أنت وتبقى، و امغرد بوادي الدور والذي أداها بنفس المقدمة ولحن الفنان فضل محمد اللحجي. وقمنا بإهداء إذاعة صنعاء جميع هذه الأغاني وكانت تُذاع باستمرار وبطلب من الجمهور. أنشودة في ظل راية ثورتي التي اعتمدت نشيداً وطنياً للجمهورية حتى عام 1990م وهي  من كلمات الشاعر أحمد العماري ولحن علي الآنسي، كما تم تسجيل وطبع اسطوانات في القاهرة للفنان فرسان خليفة، وفائزة أحمد، ورويدة عدنان وشريفة ماهر وأيضاً الفنان أحمد قاسم وزوجته فتحية الصغيرة. وفي عام 1970م بعد ظهور مسجلة الكاسيت انتهى سوق الاسطوانات الشمعية وأغلقت الشركة تاركة كمية كبيرة من الاسطوانات المنتجة في ذلك الوقت.

 

 

كان الفنان علي بن علي الآنسي حريصاً على إبراز دور الأغنية اليمنية الأصيلة شعراً ولحناً ونظماً، لذا شكّل برفقة الشاعر علي بن علي صبرة ثنائياً ناجحاً في هذا المجال. كما كان ثالثهم الفنان المثقف علي أحمد الخضر وكانوا يُعرفون بالثلاثة العلايلة. وقد عاصر الشاعر علي صبرة كان مراحل الفنان الآنسي، ابتداءً من مدرسة نصير في صنعاء القديمة، ثم في مدينة تعز عام 1958م وهناك تفتحت مواهبهما في الشعر والغناء، وهنا أذكر بعض الأغاني العاطفية والوطنية: أهلاً بمن داس العذول واقبل، والتي انتشرت بصوت الفنانتين بنت شريان وفاطمة الأصبحي في أواخر الخمسينيات ثم بصوت علي الآنسي وبعده بأصوات الكثير من الفنانين في شمال وجنوب اليمن وأولهم الفنان محمد مرشد ناجي وبلحن خاص به. أهلاً وسهلاً، قد علموه، شادق بابك، يا الله رضاك، يا عيوني اسكبي، قمري صنعاء جنّني، يا ليل هل أشكو، آنست يا حالي، حبيبي شتسير، يا قلب مالك، عند ابن عباس خير الناس قاص وداني، يا ريح يا ريح، يا من بحبّه قد بلاني، في السهول والجبال، ياويح قلبي، يا من بأوّل كأس، الله من ليله، يا لطيف وغيرها. يذكّرنا هذا التزامل الطبيعي بين الشعر والموسيقى بقول أحد الفلاسفة (إن الشعر جسم الوردة والموسيقى رائحتها).

 

 

ولا ننسى علاقة الفنان الآنسي مع شعراء أمثال: عباس المطاع، ومطهر الإرياني، وأحمد العماري، وعباس الديلمي وغيرهم وأذكر هنا بعض الأغاني الخالدة من كلماتهم: آنستنا يا عيد، خطر غصن القنا، يوم الوداع، الحب والبُن، نجوم الليل، نحن الشباب، في ظل راية ثورتي وغيرها.

 

 

كما كان له بعض الأغاني من كلماته وألحانه مثل: يا عيباه، ما في معلم خير، ليلك الليل يا ليل، قلتوا عتنسوني، يا خو القمر، أما عن بعض الأغاني التراثية فقد أداها بشكل متمكّن عزفاً وأداءً.

(وُلد وعاش ومات.. يصنع أفراحنا ويطربنا برؤى لأوجاعنا وأتراحنا.. ويشد بأوتاره نياط قلوب شعبنا الصامد.. الصابر.. السموح.. ويشدو.. ويشدو.. ويشدو.. فهو باختصار شديد.. لم يعش حاسداً بل عاش محسوداً على طول الخط.. ولقد عاش حياته حراً.. شريفاً.. فقيراً). (صالح الدحان)

 

 

ظلّت علاقتي بالفنان والصديق العزيز علي الآنسي وثيقة الصلة حتى وافته المنية بتاريخ 17/4/1981م، حيث مثّل رحيله خسارة كبيرة على الفن اليمني.. رحمه الله وأسكنه فسيح جناته.

 

 

أنشودة باسم هذا التراب:

باسم هذا التراب والفيافي الرحاب

والجبال الصعاب سوف نثأر يا أخي

يا بني هذا الجنوب اليوم هذا يومكم يوم الشعوب

يوم أخذ الثأر بالدماء والنار

هيا يا أحرار نلحق الركب الأبي

باسم هذا التراب

إن في الثورة موتاً ومن الموت حياة

إن في الثورة نصراً تسمع الدنيا صداه

إنها ليست خيالاً فسألوا عنها جمال

فهو صنّاع الرجال وفتى قوميتي

باسم هذا التراب

يوم تُروى الأرض من دمي ودمك يا أخي

ويشبع الطير من لحمي ولحمك يا أخي

يوم تغزو النار في منزل أخيك

يوم تسمع صرخة الأطفال فيك

احمنا يا أبي أحمنا يا أبي

باسم هذا التراب

سل ضميرك كيف يرضى بالحياة

تحت أقدام الدخيل

ما شعورك يوم ثار الشرق

وتحدّى الطغاة وأنت

في أرضك ذليل

باسم هذا التراب

 

 

 

صحيفة الأمة " PDF "

روح الشعر

 

  عبدالحفيظ حسن الخزان   أنا طفلٌ يمنيٌ ظامي...
  معاذ الجنيد   البرُّ والبحرُ والأجواءُ...

فكر و نقد

فنون و تشكيل

لقاءات و استطلاعات ثقافية

عرض كتاب