أم كلثوم تغني لبيت الله

 

 

 

 

 

صفوان الشويطر

 

 

 

 

ضمن ما تركته السيدة أم كلثوم من تراث فني كبير, تحضر الأغنية الدينية المفعمة بطاقة روحانية و سمو وجداني جعلها ترتبط بأذهان الناس كأحد أوجه فرادتها المتعددة .كيف لا وتلك الأغاني الدينية ببعدها الروحي و مضمونها الإيماني إلى جانب الأداء الفذ لام كلثوم هي كلها من ألحان الموسيقار الكبير رياض السنباطي (فيما عدا بعض أغانيغ6 فيلم رابعة العدوية وأغنية غريب على باب الرجاء ).

 

 

من الأغاني الدينية لام كلثوم قصيدة “ نهج البردة “ لأحمد شوقي والتي مطلعها: ريم على القاع بين البان والعلم/ احل سفك دمي في الأشهر الحرم, وقد عارض بها قصيدة البردة للبوصيري التي يقول مطلعها :أمن تذكر جيران بذي سلم/ مَزَجْت دمعا جرى من مقلة بدم... نعم سرى طيف من اهوى فأرقني/ و الحب يكتنف اللذات بالألم. و من كلمات احمد شوقي أيضاً غنت أم كلثوم أغنية “ ولد الهدى “ و هي قصيدة في المديح النبوي.

 

 

و لها أيضاً: أغاني فيلم رابعة العدوية (6 أغنيات لحن السنباطي و 3 منها  لحن محمد الموجي و كمال الطويل البقية),سلوا قلبي, حديث الروح, رباعيات الخيام “التي تتجاوز إلى بعد فلسفي وافق إنساني رحب” إضافة إلى أغنية “توبة” التي لم تنل حظها من الشهرة رغم كونها عملاً باذخاً والأغنية الصوفية “غريب على باب الرجاء “ و هي من ألحان كمال الطويل .

 

 

من مخزونها في الغناء الديني , خصت أم كلثوم الحج و زيارة بيت الله الحرام بثلاث أغنيات, الأولى هي “ من عرفات الله “, كلمات أحمد شوقي و تقول الأبيات الأولى من القصيدة: إِلى  عرفات  اللَه يا خَير  زائر/عليك سلام الله   في عرفاتِ, ويومَ  تُوَلّى  وجهَةَ  البَيت ناضرًا/وسيم مجالي   البشر و القَسمات, على  كالأفق بالحجاز مَلائك/تزف  تحايا الله والبركات, إِذا  حدِيَت  عيس  الملوك/فَإِنهم لعيسك  في البيداء خَير حداة.

 

 

أما الثانية فهي رائعة “ الثلاثية المقدسة “ و هي من كلمات الشاعر الرومانسي صالح جودت ولعلها سميت بالثلاثية المقدسة لأنها  تتكون من 3 لوحات تتناول الأماكن المقدسة الثلاثة: الحرم المكي , الحرم المدني , المسجد الأقصى.  تبدأ الأغنية باستهلال لحني متصاعد النغمات ثم يتبعه صوت تلبية الحجيج يؤديه  الكورس “لبيك اللهم لبيك/لبيك لا شريك لك لبيك “ ثم الانتقال إلى كلمات القصيدة التي تصور الجو المهيب للمكان “الكعبة” و ما يضفيه على زواره من سكينة و هم بين يدي الاله (رحاب الهدى يا منار الضياء / سمعتك في ساعة من صفاء, تقول أنا البيت ظل الإله / و ركن الخليل أبي الأنبياء, أنا البيت قبلتكم للصلاة /أنا البيت كعبتكم للرجاء, فضموا الصفوف و ولوا الوجوه /إلى مشرق النور عند الدعاء, و سيروا إلى هدف واحد / و قوموا إلى دعوة للبناء, يزكي بها الله إيمانكم /و يرفع هاماتكم للسماء) بعد المقطع السابق تنتقل القصيدة / الأغنية إلى لوحة أخرى وتتمثل الانتقالة بترديد الكورس للنشيد الديني الشهير : (طلع البدر علينا /من ثنيات الوداع, وجب الشكر علينا/ ما دعا لله داع, أيها المبعوث فينا /جئت بالأمر المطاع).. يعقبه تكبير متكرر ثم الدخول إلى جو القصيدة في لوحتها الثانية التي تصور أجواء زيارة قبر الرسول في المسجد النبوي: (يا عطاء الروح من عند النبي / و عبيراً من ثنايا يثرب...الخ , بعدها تكبير و أصوات جرس كنيسة يقرع “ كدلالة واضحة على كون بيت المقدس مكان يدعو للتعايش و السلام بين الأديان”, فاللوحة الثالثة تنتقل إلى ثالث الحرمين الشريفين المسجد الأقصى: من مهبط الإسراء في المسجد/من حرم القدس الطهور الندي ...

 

 

في هذه الأغنية يتجاوز السنباطي نفسه من خلال لحن مركب كبناء هندسي شامخ, فيه درامية و تنوع وعمق وجداني  يأخذ بالمستمع إلى أجواء يستشعر بها عظمة تجربة الحج  الروحية.

الأغنية الثالثة هي “ القلب يعشق كل جميل “ من كلمات بيرم التونسي و الذي رحل عن الدنيا قبل أن يسمع أم كلثوم تغنيها عام 1972. القصيدة لوحة ابتهال و مناجاة آسرة تجمع بين الحب الإلهي و الشوق لزيارة بيت الله .عبقرية اللحن السنباطي في هذه الأغنية تتمثل في المقدمة الموسيقية المتخففة من الرصانة المعهودة في الألحان الدينية, مقدمة سريعة الإيقاع مع توظيف متقن و بارع لآلة القانون في ديالوج متناوب مع الإيقاعات و جوقة الكمان. اللحن من مقام البياتي و هو مقام التجويد القرآني بينما لحن “ الثلاثية المقدسة “ من مقام الهزام و هو المقام الأساسي في الإنشاد الديني والتواشيح الصوفية، وهو مقام شديد الانفعالية – كما أشار إلى ذلك الموسيقار سليم سحاب في معرض حديثه عن سر إبداع السنباطي في تلحين الغناء الديني .

 

 

 

تقول الأغنية:(القلب يعشق كل جميل وياما شفت جمال يا عين/واللي صدق في الحب قليل وان دام يدوم يوم ولا يومين/واللي هويتو اليوم دايم وصالو دوم/لا يعاتب اللي يتوب ولا في طبعه اللوم/واحد ما فيش غيره ملا الوجود نوره/دعاني لبيتو لحد باب بيتو/وما تجلى لي بالدمع ناجيتو/كنت ابتعد عنو وكان يناديني/ويقول مسيرك يوم تخضع لي وتجيني/طاوعني يا عبدي طاوعني أنا وحدي/أنا اللي أعطيتك من غير ما تتكلم/وانا اللي علمتك من غير ما تتعلم/واللي هديتو إليك لو تحسبو بايديك/تشوف جمايلي عليك/من كل شيء اعظم سلم لنا تسلم...

 

 

ثم تستحضر القصيدة أجواء المكان والمشاعر الفياضة للحاج و هو في ضيافة الله:

مكة وفيها جبال النور طلى على البيت المعمور/دخلنا باب السلام غمر قلوبنا السلام/بعفو رب غفور/فوقنا حمام الحما عدد نجوم السما/طاير علينا يطوف ألوف تتابع ألوف/طاير يهني ضيوف بالعفو والمرحمة.