الإثنين, 17 حزيران/يونيو 2019  
13. شوال 1440

تحليلات و ملفات ساخنة

الأمثال.. حكم وعبر وحكايات

 

 

 

إعداد/ خليل المعلمي 

 

 

الأمثال جزء مهم في تراثنا العربي، إذ يربو تعداد ما وصل إلينا منها الكثير لعل من أقدمها كتاب "الأمثال" للمفضل الضبي الذي صدرت طبعته الأولى قبل 134 عاماً في تركيا ومن أشهرها مجمع الأمثال للميداني ثم دخلت الأمثال العامية في التأليف حتى ألف العلامة أحمد تيمور كتابه الأمثال العامية وظلت هذه الأمثال تستعمل على ألسنة الناس حتى وقتنا الحاضر.

 

 

لم تقتصر الأمثال على لغتنا العربية فقط بل في كل لغات العالم، ولازال للأمثال النصيب الأكبر في تداولها بين الناس لأنها تختصر للكاتب أفكاراً كثيرة وتجعل نصه أقرب للجمهور، ويرى بعض المهتمين أن توظيف الأمثال الشعبية في الكتابة لن يندثر حتى مع غيابها عن لغة الإعلام الجديد ومهما استحدثت من مصطلحات جديدة لأن الأمثال جزء من ذاكرة الشعوب وستبقى محفورة في فكر الناس وانقطاعها ما هو إلا نقاط عبور ومن ثم تعود باعتبارها مصدراً ثقافياً وشفهياً مهماً، ويبرز الاهتمام الشعبي بالمثل لقربه إلى الحس العام.. وعمد بعض الأدباء إلى إعادة إنتاج المثل وقولبته في سياق دلالات اجتماعية وسياسية.

والمثل شيء يتخذ دليلاً أو حجة، وهو قول سائر يؤتى به للدلالة على الحال كقولهم، وعند جهينة الخبر اليقين، ويكون المثل في الأصل عبارة عن حكمة تستخلص من حادثة جرت في الماضي، والجمع أمثال، وقد جاء تعريفه في الموسوعة العربية الميسرة «أنه الفكرة المجردة التي تكون نموذجاً تأتي على غراره أفراد النوع الواحد».

 

 

والمثل في أبسط تعريفاته عصارة واقعة أو موقف في كلمات معدودة كثيفة الدلالة لها مرجعية تاريخية يتميز بقلة المفردات وسهولة اللفظ ولطافة التركيب وهو وإن كان ذا منشأ فردي إلا أن انتشاره وذيوعه بين الناس يجعله جماعياً مبتذلاً وقابلاً للانتقال من أمة إلى أمة ومن حضارة إلى أخرى وقد عني العرب بالأمثال عناية فائقة فجمعوها وألفوا في فصيحها وعاميها الكثير من المؤلفات التي تحفظها وتشرح مرجعيتها ومواقفها التاريخية، ولعل المثل في ثقافتنا الإسلامية يكتسب أهمية على خصائصه السابقة لكثرة وروده في القرآن الكريم حتى إن بعض النقاد العرب قديماً عده أكثر بلاغة وشيوعاً من الشعر.

 

 

ويقول الفارابي في تعريفه للمثل الشعبي: هو ما ترضاه العامة والخاصة في لفظه ومعناه حتى ابتذلوه فيما بينهم وقنعوا به في السراء والضراء ووصلوا به إلى المطالب القضية وهو أبلغ الحكمة لأن الناس لا يجتمعون على ناقص ولذا فالمثل قيمة خلقية مصطلح على قبولها في شعبها، وهو يمر قبل اعتماده وشيوعه في غربال معايير هذا الشعب وينم صراحة أو ضمناً عن هذه المعايير على كل صعيد وفي كل حال يتعاقب عليها الإنسان في حياته.

 

وانحسار الأمثال بشقيها الفصيحة والشعبية في عصرنا الحاضر وقلت استخداماتها في النتاج الأدبي، وتناقص استخدامه الشفوي في المحادثات العامة إلا في أحاديث كبار السن، لها مبرراتها المرحلية في مثل هذا العصر الذي نعيشه الذي يمتاز بتداخل الثقافات المختلفة ووجود الفضاء الافتراضي.

 

ولاشك أن الأمثال الشعبية هي نتاج تواريخ وأزمنة مديدة، وهي ثمرة تراكم الخبرات والتجارب لدى المجتمعات والشعوب المختلفة وتحمل في ثناياها ملامح هذه الحضارة البشرية أو تلك، إذ تنطوي على قيمها وعاداتها وأخلاقها وأحلامها وخيباتها وانتصاراتها وهزائمها وبطولاتها وأمجادها، وهي كذلك تهتم بشؤون الحياة اليومية البسيطة وتؤرشف للبعد الاجتماعي والاقتصادي والديني والروحي لتغدو مرآة صادقة لحضارة الشعوب وضروب تفكيرها.

 

 

وما يميز الأمثال الشعبية هي بلاغتها اللغوية ومفرداتها المختصرة والمحددة والسجع اللفظي الذي يتحكم بصياغتها وإيقاعها الموسيقي اللافت والمحبب، ولهذا فهي تنتقل من جيل إلى جيل حاملة عصارة التجربة وزخرفة التعبير وجزالة المفردة وخبرة الأسلاف في شؤون الحياة وملابساتها، ذلك أن المصدر الرئيسي للأمثال هي التجربة الإنسانية الملموسة بكل رحابتها وصخبها واتساعها وعمقها.

ويجد الباحث في الأمثال العربية أنها تقترن بالحكاية فقيل (لكل مثل حكاية)، وقد ضمنت الأمثال في السير الشعبية، وثمة وقائع تولد منها المثل، فتحولت بذلك إلى حكاية كما تم توظيف هذا الموروث في مختلف أجناس الكتابة قديماً، الشعر والنثر والسرد.

 

 

وفي العودة إلى المثل العربي القديم وارتباطه بالحكاية، نذكر من الموروث: (أبصر من زرقاء اليمامة)، و(أشام من البسوس)، و(عادت حليمة لعادتها القديمة) وقيل في المثل الأخير إن حاتم الطائي -المشهور بالكرم- كانت زوجته حليمة على نقيضه شديدة البخل، فكلما أعدت طعامها أخذت مقداراً ضئيلاً من السمن فأراد زوجها أن يعلمها الكرم فنصحها قائلاً: قال الأقدمون إن المرأة كلما وضعت ملعقة من السمن في الطبخ زاد الله بعمرها يوماً فأخذت حليمة تزيد ملاعق السمن حتى صار طعامها طيباً وعودت يدها على السخاء وشاء الله أن يفجعها بابنها الوحيد فجزعت نفسها حتى تمنت الموت فأخذت تقلل من وضع السمن حتى ينقص عمرها وتموت فقال الناس: (عادت حليمة لعادتها القديمة).

 

 

 

 

صحيفة الأمة " PDF "

روح الشعر

 

  عبدالحفيظ حسن الخزان   أنا طفلٌ يمنيٌ ظامي...
  معاذ الجنيد   البرُّ والبحرُ والأجواءُ...

فكر و نقد

فنون و تشكيل

لقاءات و استطلاعات ثقافية

عرض كتاب