الأحد, 13 تشرين1/أكتوير 2019  
13. صفر 1441

تحليلات و ملفات ساخنة

موعظـــة مــوليير

 

 

 

 

وجدي الاهدل 

 

 

 

يعاني المسرح في اليمن من أزمة قلبية، ومن جلطة في الخشبة! ومرد ذلك تردي مستوى العروض المسرحية، وضحالة النصوص. والمتابع للعروض المسرحية اليمنية يلاحظ الضعف الذي يُمسك بخناقها عاماً بعد آخر، وتسجيلها أرقاماً قياسية مطردة في الإخفاق وتنفير الناس من أبي الفنون. 

 

وحين نقترب من معالجة هذه المشكلة، سنلاحظ أن بداية الخلل يأتي من بعض المخرجين الذين ينظرون بازدراء للنصوص المسرحية، بحجة أنها مسرحيات أدبية لا تصلح للخشبة.. فإذا نظرت إلى النصوص المسرحية التي يشتغلونها، تُفاجأ بأنها ملخصات سخيفة في ورقتين أو ثلاث، مكتوبة بلغة ركيكة، وتخلو من البناء الدرامي المتماسك، شيء قريب للهذر الفارغ من العمق والمضمون، مصحوب بتحريك عشوائي للممثلين فوق الخشبة، وكأنهم مجموعة من العُصابيين الذين يحتاجون أن يُغلق عليهم في مصح عقلي، لا أن يُسمح لهم بالظهور أمام الجمهور!

 

 

 أمر آخر يسبب الفشل للعروض المسرحية اليمنية هو قِصرُ فترة البروفات، فغالباً لا تزيد فترة التدريب على العرض المسرحي عن عشرين يوماً، وفي بعض الحالات يومين أو ثلاثة. ومهما كان النص جيداً، والمخرج متمكناً، والممثل موهوباً، فإنه من المستحيل تقديم عرض مسرحي احترافي دون أن تسبقه فترة تحضير كافية.

 

 

 

التحضير الجيد هو سر النجاح. وحتى لاعب كرة القدم يحتاج إلى التدريب لكي يركل الكرة جيداً! طبعاً من حيث المبدأ يعد توفر النص المسرحي الجيد أمراً مفروغاً منه، لأنه الأساس الذي يُبنى عليه كل العمل، ولا أحد يُكابر في أهمية النص المسرحي إلا إذا كان معتوهاً ولا يفهم شيئاً عن أصول الدراما. النص المسرحي يشبه الكرة، فإذا كانت هناك مباراة ولكن لا توجد كرة، فماذا سيركل اللاعبون سوى الهواء! مع الأسف إن أقلية من المخرجين اليمنيين لديها هذه العقلية الغريبة، إذ تزيح النص المسرحي جانباً، بدعوى عدم الحاجة إليه - مسرح المخرج - وتمارس ركل الهواء على الخشبة.

 

 

لقد أسعدني الحظ قبل سنوات بحضور عرض مسرحي يمني مذهل، هو بحسب تقديري من أفضل ما قُدم على خشبة المسرح في اليمن، وهاهي ذي الأعوام تمر ولم يُقدم بعد ما هو في مستواه، أو حتى يدنو منه.

يرتكز العرض المسرحي المذكور على مسرحية "مريض الوهم" للكاتب المسرحي الفرنسي الشهير (موليير) وهي مسرحية كوميدية راقية، تعد من عيون الأدب المسرحي العالمي. وأخرجها عادل الحكيم، وهو مخرج فرنسي من أصل مصري يُدير مسارح حي إيفرين بباريس، وتمثيل نخبة من الفنانين اليمنيين الكبار، وعلى رأسهم عبدالله العمري ونرجس عباد والممثل المخضرم عبدالسلام زلعاط. تم تقديم العرض على خشبة المركز الثقافي بصنعاء، وغصت الصالة بالمتفرجين، ومن لم يجد مقعداً فضل المشاهدة واقفاً على تفويت العرض، وكانت المفاجأة أن المسرحية حققت نجاحاً مدوياً، ونالت تصفيقاً حاراً جداً من الجمهور الذي أثبت تعطشه للأعمال المسرحية الجيدة. 

 

 

كما أن الممثل اليمني نجح بجدارة - شخصياً لم أكن أتوقعها- في تأدية دوره على أتم وجه، ولو كان موليير ذاته حاضراً لشعر مثلي بالدهشة والإعجاب بقدراتهم، كما أن نجاحهم في أداء حوارات المسرحية بالفصحى، هو برهان على ما يمتلكه الممثل اليمني من قدرات كبيرة مخبوءة.

 

 

السبب المباشر لنجاح مسرحية "مريض الوهم" هو أن فترة التدريب (البروفات) امتدت لستة أشهر. وستة أشهر بالمعايير الدولية بالكاد تكفي لتقديم عرض مسرحي على درجة معقولة من الاحترافية والسوية الفنية. أود أن أشير إلى أنني قد حضرت البروفات في الأيام الأولى، وظننت أن الفشل الذريع هو ما سيجنيه ذلك المخرج البارد الأعصاب.. فالمسرحية مترجمة، والحوار بالفصحى، والأسماء أجنبية لها وقع غريب على الأذن العربية، والأحداث تدور داخل عائلة باريسية ذات عادات وتقاليد مختلفة عنا، وقد لا تكون دوافعها مفهومة لنا الخ. لكن بعد ستة أشهر من العرق والعمل الشاق، رأينا على خشبة المسرح عرضاً مسرحياً ممتعاً ومبهراً، يصل إلى درجة الكمال، واستطاع الممثل اليمني أن يتجاوز نفسه، ويقدم أفضل ما عنده، وأن يكون في مستوى عظمة النص المسرحي الذي كتبه موليير عميد كتاب المسرح في العالم.

 

 

 

صحيفة الأمة " PDF "

روح الشعر

 

  عبدالحفيظ حسن الخزان   أنا طفلٌ يمنيٌ ظامي...
  معاذ الجنيد   البرُّ والبحرُ والأجواءُ...

فكر و نقد

فنون و تشكيل

لقاءات و استطلاعات ثقافية

عرض كتاب