السبت, 19 تشرين1/أكتوير 2019  
19. صفر 1441

تحليلات و ملفات ساخنة

أبدية اللحظة .. الحياة داخل صُورةٍ..لكنها تذكارية!!

 

 

 

المقالح عبدالكريم

 

 

ما إن تختارنا الأقدار ونأتي إلى الدُّنيا، حتَّى يبدأ كُلّ واحدٍ فينا رحلته الخاصَّة به في مسارٍ يطول أو يقصر خلاله، وما إن نمتلك ذواتنا حتَّى ندوزن الحياة وفق مُحدِّداتٍ جمَّة، منها: شخصيتنا، وعينا بما حولنا، إدراكنا لما كان ويكون، منظومة القِيَم والعادات الموروثة والمعاشة، كُلُّ ذلك يجري على طريقة النهر المنساب من منبعه إلى مصبِّه، ملايين القطرات تتداخل مع بعضها البعض، تتقلَّب، تتهاوى، تتعالى، تنحرف يميناً، تنجرف يساراً، تُلامس السطح، تتدحرج على القاع، إلى أن يصل الأمر إلى نهايته ويذوي كُلّ شيء!

 

إنَّها رحلةٌ يقطعها الإنسان بين نُقطتين : «المهد»، و«اللَّحد»، قد تلوح قصيرةً، وقد تبدو طويلةً، لكنَّها، في كُلِّ الأحوال، زاخرة الرصيد بِعَدٍّ مُتفاوت الكمّ من الخبرات والمهارات والتجارب التي يتحصَّل عليها المرء خلال مشواره الحياتي المجمل بما لا يُحصى من اللَّحظات المعاشة : فرائحية، حزائنية، ألمٌ وأمل، غاياتٌ مُحقَّقةٌ وخيبات مرار المذاق، إنَّها الذكريات في آخر المطاف، التي قد تكون فردوسنا الذي لا يستطيع أحدٌ أن يطردنا منه، أو جحيمٌ لا يُمكن إنقاذنا من نيِّره اللَّهَّاب، لكن، وكُلَّما تقدَّم بنا العُمر، وجدنا أنفسنا، بوعيٍ أو بلا وعي، نُردِّد مع "ويلا كاثر" : «ما كان احتماله صعب، تصير ذكراه عذبة».

 

وهكذا فإنَّ مُحصِّلة مجموع محطَّات حياة هذا الإنسان أو ذاك، هُو عددٌ مُعيَّنٌ من اللَّحظات المعاشة، التي، لمحدودية قُدرة الجسم البشري، تُنسى الكثير من التفاصيل، مثل الكلمات، سواءٌ تلك التي سمعها أو قرأها، إضافةً إلى شيخوخة الذاكرة بكُلِّ مخزونها وتلاشي ذلك الكمّ تدريجياً، ولعلَّ آخر ما يختفي من الذاكرة هُو الصُّور على اختلافها، سواءٌ صُور بشرٍ أو أماكن أو كائنات.

 

ومع تقدُّم العُمر وتناقص قُوَّة الذاكرة، يزداد الإنسان رغبةً جامحةً في استعادة تلك اللَّحظات المُميَّزة، بُغية عيش الحميمية من جديد، ولعلَّ أُمنيةً كهذه لا تتحقَّق فعلاً إلاَّ بالعودة إلى الزمن، ومن ثَمَّ اختيار اللَّحظة المناسبة لعيشها مُجدَّداً، وذلك لا يكون إلاَّ بتصفُّح ألبوم العائلة، الذي تتفجَّر من صفحاته لحظاتٌ كانت من خلال الصُّور الفُوتوغرافية التي تمَّ التقاطها في فتراتٍ ومحطَّاتٍ قديمةٍ من عُمر صاحبها.

 

من اللون إلى الضوء

 

كان خريفاً مُميَّزاً في العام 1839م، حيثُ سجَّل التاريخ ظُهور أوَّل صُورةٍ فُوتوغرافيةٍ على كوكب الأرض، الأمر الذي شكَّل مُنعطفاً هامَّاً وكبيراً ومُؤثِّراً على مُستوياتٍ عدَّة، أوَّلها التوثيق، الذي شهد تحوُّلاً عظيماً في مساره المعروف حتَّى ذلك التاريخ، فكاميرا تصويرٍ فُوتوغرافيٍّ حدثٌ ضخمٌ لا يتوقَّف عند اختراع آخر جديدٍ مُبهر، بل كان يعني ويُشير ويدلّ على كثير الكثير :

 

1- سُرعة إنجاز كمِّيَّةٍ غير محدودةٍ من الصُّور.

2- الدقَّة والحيادية في نقل صُور البشر والمناظر بأقلِّ قدرٍ من تدخُّل عواطف المُصوِّر.

3- دُخول مفهوم الرسم في اتِّجاهٍ جديد، إضافةً إلى انقلاب مُعظم مفاهيم الفنّ التشكيلي وتعدُّد مدارسه.

4- على صعيد التنافس الاستعماري بين الدُّول العُظمى، عملت الصُّور الفُوتوغرافية على احتدام وتزايد ذلك الصراع، حيثُ شكَّلت الصُّور الأولى لـ «عدن» والجزائر والإسكندرية، بدايةً لسباقٍ محمومٍ ومُثيرٍ وكبيرٍ في المطامع الاستعمارية لتوسيع نطاق المستعمرات عن طريق الاحتلال العسكري.

5- بالنسبة للتوثيق، فقد دخل طوراً جديداً وهامَّاً، بحيثُ تميَّزت الصُّورة/الوثيقة بعدَّة مُميِّزات، مثل كونها ذات تفاصيل واضحة، وأنَّها دقيقة التوصيل، إضافةً إلى عدم التفاوت بين اللَّقطات المنجزة لمشهدٍ واحد، وذلك لعدم الاعتماد على مهارة الرسَّام الفنِّيَّة في نقل تفاصيل الموضوع المُصوَّر.

 

 

اللَّحظة المطلقة

 

الصُّورة الفُوتوغرافية - كما يرى"عبدالمنعم الباز" - هي الإمساك بشيءٍ وتثبيته على قطعة ورق، سواءٌ كان لحظةً نادرةً أو حتَّى حائطاً قديماً، «فأمام سطوة الزمن، الذي يُزيل الأشياء، لا تجد الذاكرة تعويذةً أفضل من الصُّور»، وهكذا ما إن يذهب الإنسان مدفوعاً بشوقه إلى ألبوم الصُّور الخاصّ به، حتَّى يدخل فضاءً مُغايراً لراهن لحظته المعاشة، إنَّ الأمر أشبه بالذهاب إلى الماضي بواسطة آلة زمنٍ خارقة المواصفات، تحطّ بنا في مدارٍ كان، عشناه، كُنَّا فيه وكان لنا، وهُو - وإن كان سحرياً ولو بمدلولٍ معنويّ - دليلٌ يشهد وبُرهانٌ يُؤكِّد على مدى قُوَّة الصُّورة الآتية والمنبثقة من «حُضورها لا رُؤيتها»، حسب الكاتب المغربي "لحسن مُوهو".

 

إنَّنا نرى عن بُعدٍ ونسمع عن قُرب، لذا فإنَّ البصر يتميَّز عن بقيَّة حواسّنا من حيثُ إمكانياته الخاصَّة في إكسابنا الكثير من المعارف، الأمر الذي يجعل للصُّورة خاصِّيَّةً مُؤثِّرةً تتمثَّل في كونها، في المقام الأوَّل، اقتصادية، حيثُ أنَّها - حسب "مُوهو" - «تُوجز التفاسير وتختصر البراهين، فهي تُقنع بأقلِّ كُلفة»، لذا فإنَّ الوجود داخل صُورةٍ معناه البقاء في مداها الزمني المُمتدّ والمجهول.

 

 

تذكاريات

 

ومن بين جميع أنواع/موضوعات الصُّورة الفُوتوغرافية تأتي الصُّورة التذكارية في المرتبة الأولى، إنَّها الماضي بكُلِّ ما كان وما حدث، وهي في حُضورها أكثر قُوَّةً من الذكرى الخيالية التي تشحب وتضعف خُيوطها في ذهن الإنسان نتيجة سطوة الشيخوخة، لذا فإنَّ للصُّورة القديمة أو التذكارية أهمِّيَّةً قُصوى تنبثق من كونها تلعب دور تمديد الحياة، فهي - حسب "مُوهو" - سليلة الحنين، إضافةً إلى أنَّ «النظر ليس طريقةً للتلقِّي، بل هُو ترتيب المرئي، لأنَّ الصُّورة تمتح معناها من النظرة، كما يمتح المكتوب معناه من القراءة، فالصُّورة فائض الفكرة».

 

إنَّ للصُّورة - كنصٍّ مرئيّ - قُوَّةً هائلةً تتمثَّل في حشد حواسّ الإنسان، بل وإثارتها، فهي، جُملةً وتفصيلاً، «أسرع في الالتقاط، وأكثر قابليةً للتذكُّر من النصِّ المكتوب»، وذلك حسب "مُوهو"، الذي يرى أنَّ دراسة الصُّورة تأخَّرت عن دراسة الكلمة، وذلك بفعل اهتمام الإنسان وتركيزه «على فعَّالية الكلمة دُون فعَّالية الصُّورة».

 

في أوائل يُوليو 1968م، أصدرت المجلَّة الأمريكية «لايف» - أيَّام كان توزيعها يُقارب العشرة ملايين نُسخةٍ للعدد الواحد - عدداً خاصَّاً عن «رئاسة الجُمهورية»، وحسب فصيحة العرب الروائيين "غادة السمَّان"، أنَّه كان من الطبيعي «أن يتضمَّن العدد تحقيقاً عن الرئيس (جُونسون) بمُناسبة انتهاء مُدَّة (ولايته)، وكان هذا التحقيق مُفاجأة العدد، لا الصفحات العشرين التي أُفردت له وحده، بل لأنَّ الصفحات العشرين تلك كانت تحقيقاً بالصُّور، والصُّور - فقط -».

 

كانت الصُّور المحشودة على طول صفحات التحقيق العشرين بعدسة مُصوِّر الرئيس الخاصّ/الفنَّان "أوكاموتو"، الذي استطاع أن «يروي عبرها حكاية (جُونسون)، وأن يكشف عن زوايا مجهولةٍ في شخصيته، وأن يروي متاعبه وأسرار حياته كرئيسٍ وكزوجٍ وأبٍ وجدّ، أكثر ممَّا كان لأيِّ قلمٍ أن يفعل ولأيَّة لُغةٍ أن تُفصح».

 

وفي افتتاحية هذا العدد الخاصّ كتب رئيس تحرير المجلَّة "جُورج هانت" يقول : «أَمَا وإنَّ الكاميرا قد تحوَّلت في عصرنا هذا إلى مُؤرِّخٍ مُحترف، وصار المُصوِّر كاتب مقالٍ بالكاميرا، فإنَّنا نترك للفنَّان (يُواسي أوكاموتو) ليكتب لنا بكاميراته حكاية الرئيس (جُونسون)، كما لا يستطيع أن يفعل أيّ قلم، إنَّ نتاجه هذا سيظلُّ مرجعاً للمُؤرِّخين بعد (500) سنة».

 

إنَّ مثالاً كهذا يُعطينا فكرةً كاملةً وكافيةً عن مدى استغناء الصُّورة عن الكلام، إنَّها، في المقام الأوَّل - وحسب "لحسن مُوهو" - لا تحتاج إلى الكلمة، كونها «حاملةٌ لمعناها في ذاتها»، لذا فهي تُدخلنا إلى فضاءٍ مُغاير، حيثُ تُعلِّمنا «نسيان الكلام»، لنُجرِّب - كما يُضيف "مُوهو" - إتقان خبرةٍ جديدةٍ هي «تعلُّم إتقان فنّ النظر»، وهُو ما خلق سُوقاً جدّ رائجةً للصُّور التذكارية، التي لعلَّها ابتدأت المشوار مُنذُ أواخر ستِّينيات القرن العشرين، وكما تُخبرنا "غادة السمَّان"، فقد «ارتفعت أسعار الصُّور في سُوق هُواة جمع (الإنتيكات)»، ففي صالة «سُوثبي بلجرافيا» في لندن وضمن مزادٍ علنيّ، يتمّ بيع ألبوم صُور، «بُورتريه»، تقليديٍّ عُمره مائة عام، وذلك بمبلغ (130) ألف جنيهٍ استرلينيّ، أمَّا "آرلوند كرين" - وهُو أحد هُواة التصوير الفُوتوغرافي - فقد دفع (35) ألف جنيهٍ استرلينيٍّ «ثمناً لصُورةٍ واحدةٍ هي صُورة الكاتب (أدغار آلان بو)، والملتقطة له عام 1848م».

 

إنَّ شواهد كهذه تُبرِّر تلك المقولة المتداولة، خاصَّةً في المجال الإعلامي، والتي تقول : «الصُّورة بألف كلمة»، فما بالنا حين تكون الصُّورة نفسها قديمةً لها تاريخٌ خاصّ، إنَّ الصُّورة، بشكلٍ عامّ، «خطابٌ مرئيّ»، لذا فهي تتفوَّق كثيراً على الكتابة، التي – حسب "مُوهو" - تنقل الوعي إلى اللُّغة، بينما الصُّورة «تمنح الوعي للنظر»، كما أنَّها علامة، إذ أنَّها تمنح نفسها للتأويل، وتدعو إلى ضرورته، لذا «لا يُمكن أن تُقرأ، لأنَّ اللُّغة التي تتكلَّمها الصُّورة هي لُغة رائيها، باعتبار الصُّورة تُوقظ في مُخيِّلته خُصوبةً رائعةً في الإيحاء، فهي تُلامس اللُّغة من جميع الجهات، من غير أن تنتمي إليها، إنَّها فائض زينة».

 

 

 

إحالات

1- «التصوير الفُوتوغرافي ... فنّ الرسم بالضوء» : «عبدالمنعم الباز»، جريدة «الفُنون»، مارس 2001م.

2- «في البدء كانت الصُّورة» : «لحسن مُوهو»، جريدة «الفُنون»، أكتوبر 2002م.

3- «اللَّوحة الفُوتوغرافية ... فنٌّ جديد» : «غادة السمَّان»، «ع غ تتفرس»، الأعمال غير الكاملة، منشورات «غادة السمَّان»، بيروت، لُبنان.

صحيفة الأمة " PDF "

روح الشعر

 

  عبدالحفيظ حسن الخزان   أنا طفلٌ يمنيٌ ظامي...
  معاذ الجنيد   البرُّ والبحرُ والأجواءُ...

فكر و نقد

فنون و تشكيل

لقاءات و استطلاعات ثقافية

عرض كتاب