الثقافي والاجتماعي في وصف الحاجة إلى سينما

 

 

 

 

 

وضاح الجليل

 

 

 

تغيب اليمن عادة عن الحضور في المهرجانات السينمائية الدولية الإقليمية، وإن حضرت فلا يكون ذلك إلا من خلال أفلام قليلة وعابرة، ففي حين تحضر غالبية دول المنطقة بأفلام عديدة ومتنوعة؛ يكون حضور اليمن هامشياً وعادياً، صحيح أن أفلاماً يمنية حققت جوائز في عدد من المحافل الدولية؛ إلا أن ذلك لا ينبئ عن وجود سينما يمنية، بقدر ما يشير إلى جهود فردية لمخرجين يحاولون “النحت في الزمن”، ينجحون مرات ويخفقون أكثر لأن المحيط والواقع لا يمنحهم فرصاً أكثر مما ينتجون بأيديهم.

 

ذهبت اليمن مؤخراً إلى حفل الأوسكار، هذا بحد ذاته إنجاز ملفت، لكنه يبقى محاولة غير مكتملة، إن الأمر يتعدى مجرد الفوز بالجوائز، بل يحتاج أكثر من ذلك إلى وجود بنية فكرية خاصة بصناعة السينما، وتحقيق وجودها على أرض الواقع بالكم والكيف، وتحقيق انتشار على المستوى الداخلي أولاً، وإن كان ذلك ليس شرطاً لازماً وضرورياً؛ إلا أنه مهم من ناحية أن أي سينما هي بنت بيئتها، وعليها أن تعيد إنتاج تلك البيئة وواقعها بصرياً، ونقل مفردات وثقافة ذلك الواقع وامتداداته التاريخية.

 

يبدو ملفتاً للنظر حدوث نموٍ مضطردٍ لإنتاج الأفلام في الإمارات والسعودية والكويت وعمان، وهي دول جارة لليمن، يرجع البعض أسباب هذا النمو إلى وجود الإمكانيات والتقنيات التي تسهل إنتاج الأفلام بكفاءة عالية، بيد أن الشكوى كانت من سوء اختيار المواضيع والأفكار ومباشرتها، فبرغم غزارة الإنتاج الإمارتي؛ فإن ما يستحق الاهتمام والإشادة ليس أكثر من مجموعة قليلة من الأفلام التي تتضمن معالجة درامية ناضجة وغير مباشرة، لكنها وعلى قلتها أيضاً تتمكن عادة من تحقيق إنجازات مهمة، وتحصد جوائز عديدة في المهرجانات الإقليمية والدولية، وهو ما يعني أن وعياً سينمائياً إماراتياً يتشكل بهدوء، وينضج بشكل طبيعي، ويساعده في ذلك الاهتمام المتزايد من قبل المواطنين بعالم السينما، وامتلاء المدن الإماراتية بدور العرض، ووجود ثلاثة مهرجانات إقليمية وعالمية للسينما في هذه الدولة، وانتقد العديد من المشاركين المعالجات المباشرة والسطحية للقضايا واعتماد الموضوعات السهلة، مشددين على ضرورة تركيز الجهود من أجل تحقيق كفاءة عالية في المعالجات السينمائية، واكتشاف أساليب سردية جديدة غير تقليدية.

 

وفي الجوار أيضاً، تحقق السينما السعودية حضوراً ناضجاً وعميقاً على المستوى الإقليمي والدولي، برغم أن الداخل السعودي يعاني من ظروف اجتماعية ربما هي أشد عمقاً ووطأة من المعيقات الاجتماعية في اليمن، وإن كان المال والاقتصاد يلعب دوراً هاماً في تغيير هذه الظروف، والتسريع في تجاوزها.

 

وإذا كانت اليمن وصلت إلى نهائيات الأوسكار بفيلم تسببت أحداث سياسية واجتماعية محلية وإقليمية ودولية في وصوله؛ فإن فيلم “وجدة” السعودي ترشح قبل ذلك بعام كامل إلى القائمة الأولية للأوسكار، وهو فيلم روائي طويل، ويطرق بعمق وحيوية أبواب المشكل الاجتماعي في المجتمع السعودي، ويعدُّ نقلة نوعية في سينما هذا البلد المعقد.

 

يرى الناقد السوري صلاح سرميني أنَّ “المجتمع يمرُّ بحالة تغيير وتحول، وهناك جيل جديد يفكر بشكل جديد سينتصر في الآخر مهما كانت أفكار الجيل القديم متزمتة أو رجعية أو متخلفة” لكنه يعود للتحذير مجدداً “الخوف فقط أن يشد هذا الجيل الجديد في بعض المجتمعات مثل مصر السينما إلى الوراء”.

 

يتحدث سرميني عن المجتمعات الخليجية بالطبع، لكن أفكاره تصلح للإسقاط على واقع اليمن من خلال المشترك الجامع بين كافة المجتمعات.

 

على المستوى المحلي إذن.. كيف يمكن النظر إلى وجود سينما يمنية كواقع وليس كمسمى..؟

الإجابة على هذا السؤال لا يمكنها أن تخرج عن إطار التعميم، فليس ثمة واقع يمكن القياس عليه، وحتى ما أنتجته اليمن من أفلام على مدى عشرات السنين لا يمثل أي واقع يمكن القياس عليه، هذا إلى جانب غياب المؤسسات السينمائية سواء الرسمية أو الخاصة باستثناء الإدارة العامة للمسرح والسينما التابعة لوزارة الثقافة والتي لا تنجز شيئاً على الواقع، وبالإضافة إلى ذلك فلا وجود لمتخصصين في السينما وصناعتها حتى يمكن الأخذ بآرائهم عند البحث عن معالم أزمة السينما في اليمن أو بشكل أدق أزمة عدم وجود سينما يمنية.

 

إذاً، وكحكم عام يمكن القول إن وضع السينما في اليمن هو نتاج طبيعي للأوضاع السياسية والاقتصادية التي شهدها البلد خلال فترات حكمه التي كان آخرها وأسوأها نظام علي عبد الله صالح، فالسينما كصناعة ثقافية واقتصادية واجتماعية أيضاً بحاجة إلى بنية ثقافية واقتصادية واجتماعية تنمو من خلالها وتتطور، ولا يمكن أن تنشأ صناعة السينما إلا في بلد حقق نمواً بنيوياً على كافة المستويات، والسينما مجال ثقافي يحتاج إلى بيئة استقرار وتأمل ووعي، يشبه الأمر هنا إنتاج الروايات التي تكتب بجهود فردية، ولا تنشأ أو تزدهر إلا ضمن بنيات اجتماعية وسياسية متقدمة، لكنها كجهود فردية تستفيد من كافة مكونات البيئة التي تنتج فيها، وبالمثل تحتاج السينما إلى بيئة متحررة ومتقدمة، خصوصاً وأنها محصلة جهود جماعية، وبحاجة إلى مؤسسات وتقنيات متكاملة لصناعتها.

 

فعلى المستوى الاقتصادي لا يمكن نشوء سينما يمنية سواءً كانت صناعة أفلام أو إنشاء دور عرض، لأن صناعة الأفلام تعني وجود استثمار في هذا القطاع، يسمح بصناعة وإنتاج وتسويق الأفلام وتحقيق فوائد مالية لصالح المنتجين، وهو ما سيحقق بالتالي مستويات دخل جيدة للفنانين والمخرجين وأطقم العمل كافة، كما أنه سيمكن من تحقيق واقع للمنافسة يؤدي بالتالي إلى التطور التراكمي، الأمر الذي سيحقق أيضاً تراكم الثقافة والخبرة السينمائيتين، ووجود ثقافة سينمائية وثقافة استثمار وإنتاج في هذا القطاع.

 

على المستوى الاجتماعي والثقافي يتحكم النظام الاجتماعي والسياسي بكل مقدرات البلد ومواردها البشرية، ويمنع الإنسان اليمني من تحقيق ذاته والتفاعل مع العالم الخارجي، بل ويعمل هذا النظام على إنتاج وإعادة إنتاج العصبيات القبلية والمناطقية وتبديد اهتمامات وطاقات الإفراد والجماعات في الصراعات والنزاعات لأجل مشاريع ومصالح ضيقة، وهي أجواء لا يمكن فيها أن تنشأ أي ثقافة سينمائية، ولا تسمح بالتالي بالحديث عن استثمارات في هذا القطاع، والأهم من ذلك أن السينما ترتبط في مفاهيم البنيات الاجتماعية المتخلفة كالقبيلة والعشيرة بالعيب، ويلحق بالمنتمين إلى السينما صفات تعبر عن ازدرائهم واحتقارهم، بل إن السينما تعتبر في الثقافة القبلية انتهاكاً للأعراض والحرمات والعادات والتقاليد.

 

هذا النظام يعمل أيضاً على إنتاج العصبيات الدينية وخلق بؤر صراع ديني وتطرف مذهبي، وفي ثقافة التطرف الديني والمذهبي تجد السينما نفسها ضمن المحرمات، وإذا لم تكن كذلك فإنها تستخدم لدى بعض الجماعات الدينية المنفتحة قليلاً للترويج لعقائدهم فقط، لكنها تبقى في خانة المحرمات إن تجاوزت ذلك.