. الى الدكتورة آمنة النصيري

يا لهذه الدنيا تنكسر في دواخلنا لمجرد فجيعة بسيطة،ولا تلقى من يصلح ما انكسر الا ابتسامة تقفز فجاة في زحمة الهموم،ثم يعود الحال الى ما كان،فيأتي النوم كمرحلة للاسترخاء،ولا يكون.. الا الارق المتقارب المتباعد ودقات القلب المتسارعة،هكذا هي لحظات العمر مترابطة كالضياء متقطعة كالمطر،ووحده الموت المتحول الثابت،والمرابط على هذه الارض يا آمنة.

الموسيقى وجه لا تمله العيون،وجسد تفر إليه الحقيقة في رعشة البرد،مع كل صباح تهبط إلى الأرض،كي تحصي خطايا وذنوب المتآمرين عليها،وتدعو لهم بالعافية الدائمة،والصحوة من سبات التوالد العقيم،تهبط لتمسح على رؤوس أصابع العازفين الصغار،وتجري مجرى الدم في وداعة المسنين،وألفة العائدين من الضجر،وتزوّد محطات النهار بأضواء إضافية ومقامات جديدة.

إحياء فن الموسيقى،يعني رد الاعتبار لهذه الحياة التي عذبتها الفوضى بالتدمير المختلف،وبدأت تصوغها أصابع الجحيم وتشكلها بعيداً عن الروح،وجمالها الفطري والمكتسب،إحياء الموسيقى يعني نفض الغبار عن ألآت تتكسر،وحناجر تشيخ وطرقات تمتد بلا هدى،وزوايا معتمة.

إحياء الموسيقى يعني،تكريس الحب وإزاحة النظريات الطالبانية جانباً،ومن ثم دفنها في قبور بين السدَّيْن مع يأجوج ومأجوج،والذوبان الكامل في بلاط جلالتها.

إحياء الموسيقى،هو إحياء للروح المتألقة المتأملة،والروحانية الحانية،وتهذيب الأذواق،وعشق الوجود،وتيمم الطمأنينة بكل تضاريسها.//إذن بالموسيقى تتوحد الشجون،ويعم الفرح أرجاء المراثي،وتزهر الحقيقة ناعمة بلا غبار.

تلعب الموسيقى دورا مهما في تشكيل ثقافة الفرد،ورسم ملامحه الباطنية والظاهرة،وإضفاء الهدوء على النفس،والقبول بالأشياء دون ارتباك،وقبول الآخر دون خوف أو عنف،لذلك تجد أن كل ما يحمل موسيقى جميلة،يكون أكثر تأثيرا وفاعلية،ويلعب التذوق دوراً  مهماً،وكذلك صفاء الروح،واستعدادها لتقبل حياة الموسيقى عموماً،ودون أية نوازع سيئة.

كم كان صادقا ذلك العالم الفيلسوف الرائع ابن خلدون،في قراءاته للواقع عموما والموسيقى والفنون خاصة،حيث ذكر أن أي انحطاط في هذه المجالات يعود بدرجة رئيسية إلى انحطاط في الاذواق،وهي نقطة مهمة تقودنا إلى أن الفنون هي الفنون،انما تدني مستوى الذوق هو ما يؤدي إلى الانحطاط،وهنا يشير إلى الانسان عموما،المتلقي والمؤدي لفن ما.

إذا مسالة الاهتمام بالموسيقى،كفن وعلم له تاريخ عريض،هو ضرب من الخيال في وطننا الحبيب،وفي حال التعرف عليها عن قرب،نرى ما ينتظرها من مستقبل غامض،وندرك مدى التهميش لهذا الفن.

من كتاب مدارات في الثقافة والأدب،للدكتور عبد العزيز المقالح،يتساءل في إحدى موضوعاته بقوله،هل انحدرت الفنون الموسيقية أم أن أذواقنا شاخت؟؟وهو هنا يتحدث عن تراجع هذا الفن،ويسير على خطى ابن خلدون في القراءة والتساؤل،حول موضوع عالمي،وقد حاول في كتابه هذا،المقارنة بين زمن ولى وآخر نعيشه،وفي سياق سرده وذكره لقامات فنية،ودور الموسيقى ومكانتها،يجد القارئ أن الخارطة بائسة في بلدنا الطيب أهله.

إذا أي من التساؤلات السابقة،وحتى موضوع الموسيقى بشكل عام،لا يعنينا في هذا البلد..الطيب بلا موسيقى،والسؤال المطروح،كيف سيكون هذا البلد في حال اهتم بالموسيقى؟؟ربما بلغ من الطيبة والحب والانسجام مبلغا فريدا في هذا العالم.