السبت, 29 نيسان/أبريل 2017  
2. شعبان 1438

تحليلات و ملفات ساخنة

نص المعارضة وإعادة إنتاج المعنى .. دراسة فى معارضات الإحيائيين

 

 

 

 

 

 

 

 

محمود فرغلي علي موسى

 

 

 

 

تمثل المعارضة Pastiche غرضا شعريا أساسيا من أغراض  الشعر لدى مدرسة الإحياء والبعث، وبخاصة لدى رائدها محمود سامي البارودي الذي عارض فحول الشعر العربي في عصوره المختلفة من أمثال: النابغة الذبياني وامرئ القيس وبشار بن برد وأبي نواس والمتنبي وأبي فراس والشريف الرضي... إلخ، ولدى شاعرها البياني الأول أحمد شوقي الذي سلك الطريق نفسه فعارض:  أبي نواس والبحتري وأبي تمام والمتنبي والشريف الرضي والبوصيري والحري القيرواني وابن زيدون وأمثالهم،حتى شغلت تلك المعارضات قسماً كبيراً من ديوانه، وصارت تمثل جانباً فنياً مستقلاً فيه، وعلى النهج سار  الشعراء من أمثال: حافظ إبراهيم في مصر، و الزهاوي و الرصافي، وعبد المحسن الكاظمي في العراق، وخليل مردم وشفيق جبري في الشام.....إلخ.

 

ولا يمثل ظهور هذا النوع من القصائد إلا ملمحا من ملامح ارتباط شعراء الإحياء ارتباطا وثيقا بالشعر العربي القديم وخضوعهم له على عدة مستويات بدء بالموسيقى وانتهاء بالأخيلة والمعاني والتراكيب.هذا الخضوع جاء نتاج عوامل سياسية وثقافية واجتماعية عديدة تتعلق بنوع الثقافة السائدة وحركة الطباعة،وظهور حركة الإصلاح التي حملت على عاتقها مهمة بعث الحضارة العربية سياسيا واجتماعيا وأدبيا[1]، ولا شك أن إرثا من المعارضات الشعرية القديمة،إضافة لما هو معروف من طبيعة القصيدة العربية الشفاهية شكّلا معا دافعا لإعادة بعث هذه السنة الأدبية على يد كثير من شعراء تلك المدرسة، في إطار مذهبهم الشعري وطبيعة علاقتهم بالماضي. ومن هنا تتبدى أهمية هذا النوع من النصوص في الكشف عن رؤيتهم للتراث وكيفية قراءته والتعامل معه،وهل هي علاقة استهلاك واجترار أم تفاعل وتخطي؟

 

والتعريف المبسط للمعارضة هو: أن يقول شاعر قصيدة في موضوع ما، فيقوم شاعر آخر، وينظم قصيدة أخرى على غرارها، في الوزن والقافية والموضوع."وهكذا تقتضي (المعارضة) وجود نموذج فني ماثل أمام الشاعر المعارض، ليقتدي به، ويحاكيه، أو يحاول تجاوزه. ولهذا لم تكن في الشعر الجاهلي (معارضات) لأن المثال (أو النموذج) الشعري قبله كان مجهولاً"[2]. وهذا التعريف المبسط يخفي وراءه كثيرا من الدلالات الثقافية والحضارية التي تُنتج فيها النصوص المعارِضة،وهي ترتبط – فيما نرى – ببنية ثقافية وفكرية سائدة لها منهاجها في إنتاج المعرفة والإبداع، قوامه قياس الغائب على الشاهد  والفرع على الأصل.وهو النظام الفكري الذي أطلق عليه محمد عابد الجابري النظام المعرفي البياني،حيث الإبداع "لا يعني عملية الخلق من عدم،بل إنشاء شيء جديد انطلاقا من التعامل،مع شيء أو أشياء قديمة.قد يكون هذا التعامل إعادة تأسيس أو تركيب،وقد يكون نفيا وتجاوزا ومن هنا يمكن القول إن الإبداع في الفن هو إنتاج نوع جديد بواسطة إعادة تركيب أصيلة للعناصر الموجودة "[3]، لذلك تعبر المعارضات بصورة ما عن مفهوم الشعر وطرائق إنتاجه في وعي الإحيائيين، وفي تسميتهم (الإحياء والبعث )، يكمن ذلك المفهوم القائم على بعث الشعرية العربية القديمة في مراحل عنفوانها وتوهجها،وما شقته من مسارات على يد البحتري وأبي تمام وأبي نواس والمتنبي وأبي العلاء ...إلخ.

 

ويتنازع عملية المعارضة جناحان أساسيان: الأول خاص بذاتية الشاعر وتجربته الشعرية الخاصة والمنفصلة عن النص المعارَض تاريخيا،والثاني خاص بذاكرته الحافظة الواعية،حيث تلعب تلك الذاكرة دورا أساسيا في تشكيل بنية النص المعارض،ومن منظور نفسي لا تعني المعارضة المواجهة الصريحة " بقدر ما يبدو الموقف مطروحا من خلال هذا المنظور النفسي للشاعر من خلال موقفين:الأول يتعلق بوجه التشابه بين التجربة الشعورية التي عاشها الشاعر المتأخر..والثاني يتعلق بذلك الإحساس الكامن في وجدان الشاعر،شجعه في تملكه لهذا التراث الذي ينتزع منه ما يشاء دون خوف أو وجل "[4].

 

فالمعارضة قراءة خاصة يقوم بها المبدع للنص الغائب،وتتم تلك العملية – وفقا لرؤية محمد بنيس - من خلال قوانين ثلاثة هي الاجترار، و الامتصاص، والحوار،  ففي القانون الأول يكون النّص الحاضر استمراراً للنص  الغائب، وهو إعادة له إعادة محاكاة وتصوير، ويتلخّص عمل المؤلف هنا في أن يقدّم إلينا النص الغائب في أوزان شعرية، وفي قانون الامتصاص قبول للنص الغائب وتقديس له وإعادة كتابته بطريقة لا تمسّ جوهره، وينطلق المؤلف هنا من قناعة راسخة، وهي أنّ هذا النص غير قابل للنقد أو الحوار، ولا يعني هذا سوى مهادنة للنص الغائب والدفاع عنه وتحقيق سيرورته التاريخية، أما قانون الحوار فهو نقد للنص الغائب، وتخريب لكلّ مفاهيمه المتخلّفة، وتفجير له، وإفراغه من بنياته المثالية، وهو لايقبل المهادنة، فهو أعلى درجات التناص وأرقاها"[5].

 

وهذا الأخير هو الذي تبرز من خلاله مقدرة الشاعر وقدرته على بعث نص جديد قادر على الحياة والتفاعل مع غيره من النصوص السابقة عليه والتالية له، فالشاعر الجديد يستحضر الشاعر القديم نصا وتجربة عبر نصه داخلا معه في منافسة من نوع خاص،لكنه لا يتوقف -غالبا - عند حدود بنية النص السابق،بل نجده يعيد بناءه مضيفا للنص القديم حياة جديدة.وخلاصة الأمر أن المعارضة لقاء شعري بين شاعرين لم يجمعهما المكان ولا الزمان،ولكن جمعتهما حالة شعورية واحدة منتجة لنص يتولد عنه حالة أخرى تجمع بين الجدة والتشابه.

 

أما فنية المعارضة، فموضع خلاف بين الباحثين، حيث نالت -خاصة معارضات شوقي- قسطا وافر من الهجوم  قديما وحديثا،يكفي أن نشير في هذا الإطار إلى معارضات شوقي وما نالته من هجوم من قبل نقاد معاصرين له مثل طه حسين وآخرين حداثيين من مثل أدونيس وكمال أبي ديب ومحمد بنيس.

 

يقول طه حسين في معرض حديثه عن بائية شوقي التي يعارض بها أبا تمام " لاحظت أنت ولاحظت أنا أن إعجابنا الأول (يقصد بقصيدة شوقي عند سماعه لها أول مرة) لم يكن إلا ظاهرة اجتماعية، وأن الذوق العام وذوقنا الخاص تناقضا غير قليل هذه المرة،ذلك لأننا كنا أثناء هذه القراءة الثانية قد تخلصنا من فوز الترك وتخلصنا من الجماعة التي كانت تحيط بنا ولم نحكّم إلا ذوقنا الشخصي وذوقنا الشخصي معقد –كما تعلم – فيه أثر الأدب العربي القديم وفيه أثر الأدب الغربي الحديث، وفيه أثر الثقافة مركبة مختلفة العناصر، فليس غريبا أن يكون حكمه في الشعر مخالفا لحكم الجماعات المختلطة،وأذكر وتذكر أنت أيضا أننا لهونا يومئذ بإخضاع هذه القضية لهذا الذوق المعقد،فضحكنا وأغرقنا في الضحك والسخرية من هذه الصور العتيقة البالية تُتخذ لتصوير الحياة الجديدة الحاضرة"[6].

 

أما أراء أدونيس وأبي ديب وبنيس فمبثوثة في  دراساتهم عن شعر شوقي ومعارضاته، فهو - أي شوقي - في معارضاته - في رأي بنيس-  مجرد مستهلك في مقابل منتج ومعيد للإنتاج (أبي تمام ) " وهو ما يؤطر مفهوم الشعر ويحدد دلائله.فهو – الشعر- عند أبي تمام معاناة ونسكيّة وإعادة إنتاج،أي كتابة،وهو عند الثاني إلهام وانقياد واستهلاك.أي خطابة وكلام "[7].

 

ويرى أبو ديب في معرض دراسته لسينية شوقي أن " النص يقف مفككا،مفتقرا إلى رؤيا طاغية أو انفعال طاغ يفيض منها ويشكل حركة انتشاره على الذات والعالم،من الداخل إلى الخارج،ومن الحاضر إلى الماضي...(في المقابل)،كان نص البحتري على خلاف نص شوقي،فقد بدأ بحركة انهيار تنشب في وسطها إرادة التماسك،ليقدم في إيوان كسرى معادلا موضوعيا، وجودا رمزيا،يتألف من إطار خارجي متهافت ولب صلب ينبض بالحياة ويتجاوز فاعلية الزمن المدمرة "[8].

 

والواقع أن النقود السابقة لا ترتبط بالمعارضات فقط فهي ذاتها عيوب القصيدة الإحيائية عموما،حيث مثلت عودتها للنصوص الشعرية القديمة لفظا ومعنى أكبر عائق لها ضد تطورها لمواكبة العصر وهو الأمر الذي عجل بنهايتها مع ظهور مدرستي الديوان والرومانسية بجناحيها( أبولو والمهجر )،كما أن المعارضات شأنها شأن غيرها من الأشكال الشعرية التي كتب فيها الإحيائيون تعبر عن رؤيتهم الخاصة للشعر شكلا ومضمونا،لذلك لا يجب الحكم على المعارضة إلا في إطار الظرف التاريخي لها،أو ما يطلق عليه تودروف السياق الأيديولوجي الذي تتشكل من مجموعة الخطابات التى تنتمي إلى العصر الذي تنتمى إليه،والسياق الأدبي ويقصد به المأثور الأدبي الذي يتوازى مع ذاكرة الكتاب والقراء [9].

 

أما القول بأن شوقي مجرد مجتر ومستهلك لنصوص قديمة فهو رأي يحتاج لمراجعة وتمحيص، خاصة أن دراسة قامت على المقارنة الأسلوبية أنصفت معارضات شوقي،ونقصد بذلك دراسة محمد الهادي الطرابلسي (خصائص الأسلوب في الشوقيات)، وفي هذا الإطار يقول " ليست المعارضة في حد ذاتها نسخة مسحوبة على صورة فنية أصلية،عند شوقي وليست هي ترجمة لنص من لغته الكلاسيكية إلى لغة الشاعر الحديثة. إنما المعارضة عنده مشهد تكميلي،يبني على أصل لكن لا يتقيد به،ويتبنى بعض ما فيه دون أن يقصر في مزيد إثرائه.فيصح لنا أن نعتبر المعارضة عند شوقي "قراءة جديدة " للتراث[10].

 

ويمكننا القول أن شعراء الإحياء في  معارضاتهم لم يذوبوا ذوبانا تاما في قصائد سابقيهم، فلم تأتي نسخا أو مسخا لها،بل "إن طرافتها تلمس أولا في المستوى الأسلوبي وهذه الميزة التي تخول لها الاستواء منذ المنطلق وحتى اكتمال البناء،على طرفي نقيض والنسخ بمعنييه النسخ بمعنى المحاكاة التامة،والنسخ بمعنى النقض " [11]، لقد حاول شعراء الإحياء في معظم الأحيان أن يكون النص الغائب مجرد مصدر إلهام تنفتح به تجاربهم الشعرية نحو خصوصيتهم الذاتية،وطبيعة ظروفهم التاريخية.أما ما وقعوا فيه من أخطاء فيتعلق بطبيعة ارتباطهم بالتراث الشعري العربي عموما،ونظرتهم للماضي على مستوى نصوصهم الشعرية جميعا، لا على مستوى شعر المعارضات فقط،بحيث تحول عملية الإبداع لديهم –في كثير من الأحيان - إلى تقنية. والتقنية تطبيق و إعادة إنتاج مشروطة بالنموذج الموجود، أوليا، قبل التطبيق،وهو ما يخالف معنى الإبداع باعتباره نموذج ذاته وفقا لمقولة أدونيس.

 

وبالتوقف عند الركائز الأساسية للقصيدة العربية التقليدية (اللفظ والمعنى والإيقاع والخيال)، نلحظ أن  المعارضة - وقوامها ليس في التشابه فقط - تقوم بتثبيت ركيزة واحدة فقط في النصين وتتمثل في الإيقاع،حيث تظل القافية والوزن وثباتهما في النصين مقوما أساسيا من مقومات المعارضة، يضاف إلى ذلك تماثل التجربة الحياتية أو الحالة المنتجة للنصين،بصورة تستدعي استدعاء النص المعارض بطريقة ما، و في مقابل عناصر التشابه تقف عناصر المخالفة بتوترها لتكشف عن المعنى الرحب لنصوص المعارضة بعيدا عن معاني الاجترار والاستهلاك، وتؤكد التفاعل النصي الفعال الذي لا ينغلق على الماضي، بل يتجاوزه إلى الحاضر بصورة واعية.،فدراسة عناصر المخالفة بين نصوص المعارضة هي التي تكشف عن طبيعة العلاقة بين السابق واللاحق.

 

وفي هذا الإطار يقف المعنى - وهو الركيزة التي يتمحور حولها حديثنا - بوصفه  عنصرا أساسيا من عناصر المخالفة بين النصين الغائب والحاضر،ويمكننا أن نحتكم لما قدمه  العظيم عبد القاهر الجرجاني في دلائله معيارا للتفاضل بين العبارات والأبيات الشعرية،وأن الفصاحة راجعة للمعاني لا للألفاظ المعزولة،حيث يرى – في عبارة تأسيسية له- أنه " لا يكون لإحدى العبارتين مزية على الأخرى،حتى يكون لها في المعنى تأثير لا يكون لصاحبها "[12]، لذلك لا تتحقق المعارضة إلا في المستوى الدلالي الذي يتم إنتاجه من إنشاء علاقات نحوية بين مفردات مركبة في سياق لغوي،أما المفردات في إطارها المعزول فلا تصح نسبة المعارضة إليها،لأنه إذا لم يكن في القسمة إلا المعاني والألفاظ، وكان لا يعقل تعارض في الألفاظ المجردة،لم يبق إلا أن تكون المعارضة راجعة إلى معاني الكلام المعقول،وفي مراحل تالية يعمق الجرجاني حديثه فيستبعد من دائرة التداخل  المحاكاة اللفظية، ثم يحدد لإطارها في مستويين،الأول يتم في الإطار الكلي للمعنى من حيث الوصف بالشجاعة أو السخاء أو حسن الوجه...أما المستوى الثاني، فإنه يتأتى بعملية تنظيم صياغي وتوظيف الأدوات البلاغية لإنتاج المعاني الثواني أي الصور والأخيلة[13].

 

وبناء على ذلك يمكننا أن نتوقف عند بعض المعارضات الشعرية التي أنتجها الإحيائيون للتعرف على كيفية تعاملهم مع معاني النصوص المعارضة والتي قد تدخل في دائرة الاتفاق أو الاختلاف أو النقض أو غير ذلك من علاقات، تؤكد دور النص الغائب في توليد المعنى وتكشف مدى حرص الشاعر المعارض على التميز والمخالفة أو التجاوز من ناحية أخرى.

 

أولا:على مستوى المعنى العام (الموضوعات والأغراض ):

تكشف تجارب المعارضة في شعر الإحياء - فيما يتعلق بالمعاني العامة الأغراض التي جاءت فيها معارضاتهم عن ميلهم للمخالفة أكثر من ميلهم للاشتراك،مع اتخاذ النص الغائب ومطلعه تكئة لهذه المخالفة،ويتبدى ذلك بوضوح في معارضات البارودي الذي حرص في معظمها على إبراز تميزه وتفرده بالخروج عن الغرض الأصلي الذي وضع له النص المعارض ولإضافة تجاربه الذاتية بصورة  تبرز معها شخصيته بروزا واضحا،وإن غلب عليه تتبع سابقيه في مطالع المعارضات الغزلية والطللية على وجه الخصوص، كذلك تابعهم في الموضوعات التي توافق هوى في نفسه، وانسجاماً مع شخصيته، لكنه خالفهم في غير ذلك، فكان يأنف المديح والصغار،والغزل الحسي، ويحبذ أحاديث الهوى والشباب والغزل العذري ووصف الخمر ومجالسها. كما تميز في الفخر الذاتي ووصف المعارك الحربية.وتأكيدا لمبدأ المخالفة كان البارودي يحرص على التفوق على سابقه في عدد أبيات قصيدته.ونتوقف لبيان ذلك عند نموذج واحد من معارضاته وهو معارضته للنابغة في قصيدته التي مطلعها:

 

أمن آل مية رائح أو مغتدي

عجلان ذا زاد وغير مزود [14]

 

فيقول البارودي معارضاً إياه:

ظنَّ الظنونَ فبات غيرَ موسّدِ

حيرانَ يكلأ مستنير الفَرقدِ[15]

 

حيث عالج النابغة في قصيدته موضوعين هما:

1- وصف الرحيل (1-5)

2- وصف الغانية (6-35).

 

في حين عالج البارودي في قصيدته ستة موضوعات هي:

1- وصف الرحيل (1-10)

2- وصف المحاسن (11-17)

3- فتوته وشبابه (18-21)،

4- وصف حصانه (22-33)

5- وصف الخمر ومجالسها (34-37)

6- وصف الغانية (38-48).

 

لذلك يمكننا القول أن التوسع والحرص على إبراز الجانب الذاتي واضحا في النص الحاضر، بيد أن الحرص على الإطار العام والتقليدى للقصيدة العربية ظل واضحا أيضا فقد اشترك الشاعران في موضوعيهما: وصف الرحيل، ووصف المحاسن. وإن اختلفا في مضامين موضوعاتهما، وعدد الأبيات التي شغلها كل موضوع من الموضوعين،وظهر التباين في حرص النابغة على وصف المتجردة وصفا  جنسيا حسياً بتأثير عصره الجاهلي، وطبيعة بيئته، في حين حالت الظروف الحضارية في مطلع العصر الحديث، وطبيعة البارودي الشخصية دون أن يسير على نهجه في هذا الإطار منصرفا  إلى نوع من الغزل الرفيع، بوصف محبوبته وصفا معنويا، تفضل الروح فيه الجسد، ويعلو فيه المعنوي على الحسي.

 

وفي ذات الإطار تأتي تجارب شوقي في معارضاته،حيث " لم نجد شوقي يحترم التخطيط المتبع في القصائد التي يعارضها –حتى بالنسبة إلى تلك التي اشترك في مصدر الإلهام فيها مع أصحابها –ولا وجدناه يتقيّد بموضوعاتها الجزئية في ترتيبها.إنه لا محالة كان يشترك مع من يعارضهم في بعض الموضوعات،ولكن أبرز ما في معارضاته من هذه الناحية هو زيادة المواضيع.فتخرج معارضاته كالمشاهد التكميلية التي لا تخلو من كثير مما في الأساس،إلى جانب ما فيها من تكملة "[16]ويمكننا في هذا الإطار أن نذكر أبرز مواضيع الاتفاق في معارضتين من معارضاته:

 

في معارضته للبوصيرى:

اشترك الشاعران في مجمل الموضوعات، وإطارها الكلي مدح الرسول عليه السلام فلم يخالف شوقي البوصيري في موضوع ما، وإن اختلفت طريقة المعالجة وعدد الأبيات،فاتفق الشاعران في وصف حادثة الإسراء وشغلت إحدى عشر بيتا في القصيدتين،وتميز شوقي بحديثه عن البراق،وقد لاحظ الطرابلسي أن مواضيع البوصيري جاءت كحلقات تكون سلسلة،بخلاف مواضيع شوقي التي كانت بمثابة حلقات تتابع بدون أن تكوّن سلسلة،وكانت الأبيات عند شوقي ذات نفس ملحمي، وذات نفس غنائي صوفي عند البوصيري[17]، وقد أسهم التشابه الموضوعي في تلك المعارضة في إبراز تميز شوقي وقدراته على إنتاج المعاني الجديدة من معطف النص الغائب دون أن يترسم خطاه النعل حذو النعل،خاصة أن الموضوع يتسم بالدرامية والحركة، وهذا ما لا نجده في المعارضة التالية.

 

في معارضته للبحتري:

والتي مطلعها

 

صنتُ نفسي عما يدنّسُ نفسي

وترفعتُ عن جدا كل جبس[18]

 

وقال شوقي معارضاً:

 

اختلافُ النهار والليل يُنسي

اذكرا لي الصبا وأيامَ أنسي[19]

 

اتفق الشاعران في الغرض الأساسي وهو الوصف،فوصف البحتري  إيوان كسرى، وكان قد زارها الشاعر، وشاهد أطلالها، فوصفها، واستوحاها. أما وصف شوقي فجاء،على جزأين، وصف في الأول أيام صباه في الوطن، وذكرياته في مصر، فوصف النيل والجيزة والأهرام والقناطر وأبا الهول رهين الرمال شاهد عيان على  أمم وممالك تنشأ وتنهار ما بين روم، وفرس، وخوفو، ودارا،.....إلخ.

 

و في الجزء الثاني من قصيدته استخدم  شوقي وصف العيان والمشاهدة، حيث كان يعيش في منفاه بالأندلس، وآثار الحضارة العربية ما زالت حاضرة أمام ناظريه، فوصف قصورها ودور العلم فيها، ووصف سواري قصورها و قصر الحمراء، وغرناطة، وديار بني الأحمر....إلخ.

 

ويتجلى على مستوى البنية العميقة لنص شوقي نوع من التضاد على مستويات عدة بين: الداخل والخارج، الماضي والحاضر، الذاكرة والزمن،الغياب والحضور، ففي حين برزت قوة النص في بداياته مع انفلات التجربة الذاتية وتحرك الزمن للوراء حيث الصبا وذكرياته،يعتري الضعف التجربة الشعرية مع دخوله إلى رحاب التاريخ  وتصوير قوته التدميرية،ومن هنا " تنشأ مفارقة حادة في النص بين بعدين متميزين:هما التجربة الفردية وسلطة الإنشاء التراثي،ذلك أن التجربة الفردية تنبض بالماضي،زمانا ومكانا بالوطن وصوره وتفاصيله وحيويته وجماله،وبجرح حي لا ينقطع الوطن عن الخفق فيه لحظة،أما الإنشاء التراثي فإنه يولد تصورا بلاغيا للزمن مستقى بصورة كلية من تراكم التصورات الجماعية للزمن وطاقته التدميرية. وهكذا يسقط النص في أزمة داخلية،في توتر من نمط جديد يختلف عن التوتر الذي كان قائما فيه"[20]، وهو ما يمكن أن نطلق عليه تناقضا عاطفيا.

 

ومن ناحية أخرى ربما ارتبط الضعف البادي في الجانب التاريخي من القصيدة في طبيعة التاريخ وانفصاله عن الشعر الغنائي، لأن الأخير – فيما ترى نتالي ميلاس -  عموما يؤكد اللحظة المنفصلة، لا الديمومة أو الاستمرارية، فهو يفصل اللغة إلى أبعد حد ممكن عن إحالتها إلى الواقع، ويميل إلى التيمات المألوفة أو عبر التاريخية،وعندما يعالج موضوعات تاريخية،فإنما يعالجها على نحو بطولي أو مادح[21]، كذلك يمكننا أن نرجع ما اعتور نص شوقي من ضعف إلى طبيعة وصفه،وتركيزه على الجانب السطحي لعناصر الطبيعة،دون تعمق أو تأمل فلسفي،إضافة لحرص شوقي الدائب على التوسع والتراكمية والامتداد وكأن التجاوز في المعارضة له جانب كمي يتعلق بعدد الأبيات.

 

ولعل قوة نص البحترى،وتركيزه على عرض ذاته وهمومها " ليخلعها  عليه بوصفه معادلا موضوعيا[22]،هي التي أبرزت الضعف البادي على الجزء الثاني من قصيدة شوقي،و هو ما الذي لاحظه الطرابلسي حيث يرى أن " وصف البحترى متميز بشيئين:فهو يتناول موصوفا ساء منقلبه من ناحية وهو من ناحية أخرى لا يستند فيه إلى سابق مشاهدة وعيان،وهو بالتالي يتأمل قضية إنسانية عامة يبحث من ورائها عن عبرة الدهر مما سما بوصفه من مستوى النقل إلى مستوى التأمل...لكن ما وصفه شوقي له مستندات من واقع شهده  بوطنه،ولذلك هو يصف عن تجربة شخصية ثم هو يصف واقعا لم يتغير عما كان عليه بل بقي محتفظا بصورته المشرقة.إنما الذي تغير هو وضع الشاعر "[23]، وبرغم نقاط الضعف الذي التفت إليها عدد من النقاد في معارضة شوقي السابقة نستطيع أن نقول أن منبع الضعف ليس في فعل المعارضة نفسه بل في طبيعة التجربة الشعرية لديه، والتي تقوم على التراكمية والامتداد والتوسع على حساب التركيب بصورة قد تمتد معها القصيدة وتسيل بصورة تقود إلى تنافر أجزائها.

 

وقد حاول شوقى على وجه الخصوص أن يقرر مبدأ المخالفة في بعض معارضاته من حيث الموضوع،بتحويل قصيدته في اتجاه آخر معاكس للاتجاه الموضوعي للنص المعارَض،وذلك على نحو ما نجه في قصيدته في مدح عباس،حيث يقول:

أشرق عباس على شعبه

كأنه المأمون في ركبه

 

في حين كان نص المتنبي المعارض في الرثاء والتعزية ومطلعها:

آخر ما الملك معزّى به

هذا الذي أثّر في قلبه

 

وكذلك في معارضته لقصيدة المتنبي في المدح والتي مطلعها:

أين أزمعت أيهذا الهمام

نحن نبت الربى وأنت الغمام

 

حيث عارضها شوقي بقصيدة في رثاء عثمان باشا غازي قائلا في مطلعها:

هالة للهلال فيها اعتصام

كيف حامت حيالها الأيام

 

والمخالفة الموضوعية تأخذ النص المعارِض إلى اتجاه آخر اكتفاء بالتشابه على مستوى الإيقاع،وبعض المقاطع والألفاظ،وهو ما يتيح لشوقي إبراز قدرته في المجارة من ناحية،والتميز من ناحية أخرى،ومن ثم تأتي المخالفة لتأكيد معنى المنافسة والمباراة الكامن في المعارضات.

 

ثانيا:على مستوى المعنى الداخلي للأبيات:

ويتعلق هذا المستوى بعمليات التحول في الصياغة والتراكيب،والتي يقوم بها النص المعارض لاستحداث بنية جديدة مخالفة لمثيله في النص الغائب بعيدا عن الاتهام بالسرقة والأخذ،ونقطة الانطلاق في عمليات التحويل قد تكون من لفظ في أول البيت أو أوسطه أو آخره،وقد تصل إلى عبارة أو شطرا كاملا من أشطر النص الغائب لتظهر داخل البيت بمظهر الاقتباس والاستشهاد، ويظل المقطع أو اللفظ الذي يتخيره الشاعر لختام البيت بحكم أهميته - فهو المحتضن للقافية المشتركة بين الأبيات،والمتحكم في اختيار عناصر البيت والمولد لدلالته في صورتها الكاملة - أبرز نقاط الانطلاق والاشتراك بين نصي المعارضة،حتى أن إحصاءً قام به الطرابلسي في دراسته للشوقيات أظهر أن نسبة التلاقي في المقاطع بين نصوص معارضاته ونصوص سابقيه وصلت لنسب عالية،وفي ذلك ما يدل على أن شوقي اعتمد على مجموعة من الكلمات المفاتيح،وجل الكلمات المفاتيح في الشعر من قبيل المقاطع[24] وفيما يلي بعض نماذج للتحولات التي يجريها الشاعر المعارض في معاني الأبيات بتعديل ما على صياغته انطلاقا من لفظ مشترك غالبا ما يكون المقطع.

 

1- النقض والمخالفة:

ومنه ما قاله البارودي في معارضته لعنترة العبسي  في معلقته المشهورة:

هل غادرَ الشعراءُ من متردّمِ

أم هل عرفتَ الدارَ بعد توهّمِ[25]

 

فقد عارضه قائلا:

كَمْ غادرَ الشعراءُ من متردّم

ولربّ تالٍ بذّ شأوَ مقدّمِ[26]

 

ويلاحظ من البيتين أن البارودي قام بعملية  تبديل أسلوبي مستبدلا (هل) بـ (كم)، تحول معه الإنشاء إلى خبر يعبر عن الكثرة باستخدام كم الخبرية، وكأنه في معرض الإجابة عن سؤال عنترة، ودليلا مبرزا لإمكانية تفوق اللاحق على السابق، ورغبة في إظهار تفوقه على الشعراء الذين يعارضهم. لذلك لم يقع رهين استعمال الشاعر بل أضاف إليه ما ينقض معناه ويخالفه بصورة تكشف عن طبيعة عملية المعارضة القائمة على التنافس،وطبيعة شخصيته وبحثه عن تفرده، وهو ما أكده في الشطر الثاني. فالنص الثاني " يَتَرَسَّمُ خُطا النّص الأول في الوزن والقافية، إلاّ أنه يرفض أيديولوجيته وسلطته، ويحاوره لترسيخ أيديولوجية يؤمن بها الثاني، وهو يحفر تهديمياً في النّص الأصل لبناء نصّ جديد يتجاوز به النّص الأول".[27]

ومنه قول شوقي:

ولم يك ظلم الطير بالرّق لي رضا

فكيف رضائي أن يرى البشر الظلما؟

 

في معارضته لقول المتنبي:

فلا عبرت بي ساعة لا تعزّني

ولا صحبتني مهجة تقبل الظلما[28]

 

والكلمة المفتاح في البيتين هي الظلم،حيث تحول شوقي بالبيت من الهم الذاتي إلى الهم الإنساني العام،محققا نوعا من التوسيع لمفهوم الظلم،مستدلا على ذلك بكراهيته لظلم الطير،كما أن ترديد كلمة الظلم مع اتساع دلالته عبر الشطرين له دور صوتي ودلالي تأكيدي،في حين انحصر معنى بيت المتنبي في ذاتيته المتأبية المتضخمة.

 

وفي بيت آخر من تلك المعارضة يتسامى شوقي عن التسبب في اليتم والفقد للناس من جراء الحروب،في حين يقررها المتنبي حيث يقول:

كأن بنيهم عالمون بأنني

جلوب إليهم من معادنه اليتما

 

وجاء رد شوقي:

لما كان لي في الحرب رأي ولا هوى

ولا رمت هذا الثكل للناس واليتما

 

وفي مثال ثالث يكشف عن البعد الحضاري ومراعاة التحولات السياسية والظروف التاريخية بين النصين الغائب والحاضر يقول شوقي:

لم يأت سيفُكَ فحشاءً،ولا هتكتْ

قَنَاكَ من حرمةِ الرهبان والصّلبِ

 

في معارضته لقول أبي تمام:

لو بيّنت قطّ أمرا قبل موقعه

لم تُخفِ ما حل بالأوثان والصّلبِ[29]

 

لقد كتب شوقي قصيدته عام 1921م بعد ثلاث سنوات فقط من ثورة سعد زغلول 1919 والتي تجلت فيها الوحدة الوطنية بين المسلمين والمسيحيين في مصر في أبهى صورها،وهذا الأمر استدعى من شوقى المراعاة والتأكيد عليه في قصيدته، في حين أن الظروف التاريخية والحضارية لقصيدة أبي تمام كانت تستدعي ذلك،حيث كانت الحروب الدينية بين الطرفين في عنفوانها،ومن هنا جاءت المناقضة بين البيتين وفقا للظرف التاريخي لكل شاعر.

 

2- الموافقة

وفيه يبقى المعنى ثابتا في البيتين مع اختلاف فقط في الصياغة،وكأن البيت المعارض ما هو إلا ترجمة وتفسير للبيت السابق،ومن ذلك الموافقة بين قولي شوقي والبحتري:

إمرة الناس همة،لا تأتّى

لجبان ولا تسنّى لجبسِ

 

وقول البحتري في مطلع قصيدته:

صنت نفسي عما يدنس نفسي

وترفعت عن جدا كل جبس

 

حيث حول شوقي معنى البيت من الخاص إلى العام،ومن ثم خرج بيته مخرج الحكمة.

 

ولا يخلو الأمر من تصرف محدود في المعنى لا يصل لدرجة المخالفة أو النقض إنها من قبيل التفسير أو الترجمة أو التحويل من الخاص إلى العام أو العكس في صياغة جديدة.

 

وقد تأتي الموافقة مع نوع من التوسيع  بعرض معنى البيت السابق بصورة أكثر اتساعا في بيتين أو أكثر، ومن أمثلة ذلك:

معارضة البارودي التي قول فيها:

رضيتُ من الدنيا بما لا أودُّه

ُ وأيُّ امرئ يقوى على الدهر زَنْدُهُ

 

حيث يعارض المتنبي في قوله:

أودّ من الأيام ما لا تودّهُ

وأشكو إليها بيننا وهي جُنْدُهُ

 

يمثل بيتا البارودي توسيعا لبيت المتنبي،الذي يكاد يهضم بيتيه هضما،وكأن الأخير يقوم بعملية نشر لبيت سابقه،موضحا أن مغبة مخالفة الزمن لذا كان الرضا أمرا ضروريا،وقد فقد بيتي البارودي الهمة البادية في بيت المتنبي،وهي همة قد تعلم مآلها لكن لا بد منها لذا جاء فعلي (أود،وأشكو) أكثر فاعلية،في حين كثرت مثبطات الهمة في بيتي البارودي بفضل التقرير في الشطر الأول،ثم الاستفهام الذي يحمل معاني النفي والاستبعاد في الشطر الثاني.

 

ويتشابه النصان في المقدمة الغزلية. ولكنهما يختلفان في ما عدا ذلك ففي حين يصف المتنبي ارتحال الظعائن، ويطلب المجد ينتهي بمدح كافور (وهو غرض الأساسي) فإن البارودي يشكو الهوى والشيب والأصحاب، لينتهي إلى الفخر الذاتي (وهو غرض قصيدته) فلم يبق له إلا أن ينظم في الموضوعات الأثيرة لديها،المرتبطة بتربته الحياتيه المعمقة وما عاناه من غدر الأصدقاء،ومع اختلاف غرضي القصيدتين يلاحظ أن هناك حوار داخلى في المناطق المشتركة بينهما على نحو ما نراه في قول البارودي:

أطالبُ أيامى بما ليسَ عندَها

وَمَنْ طَلَبَ الْمَعْدُومَ أَعْيَاهُ وُجْدُهُ

 

فهو صدى لقول المتنبي:

وأتعب خلق الله من زاد همه

وقصر عما تشتهي النفس وجده

 

ثم يعود الباروي للفخر الذاتي مستعينا بالاقتباس الصريح من النص الغائب:

وما أنا بالمغلوبِ دونَ مرامهِ

ولكنَّهُ قد يخذلُ المرءَ جهدهُ

وما أبتُ بالحرمانِ إلاَّ لأنَّنى

"أَوَدُّ مِنَ الأَيَّامِ ما لا تَوَدُّهُ»

 

وإذا كان المتنبي يلح في قصيدته على أهمية المال ودوره في بناء مجد الإنسان حيث لا مجد لمن قل ماله كتمهيد لمديح كافور، فإن تسامي البارودي يظهر في نأيه المطلق عن حديث المال، مع التركيز على ذاتيته فخرا وشكوى بصورة تبرز  شخصيته في القصيدة.

 

وينبغي ملاحظة أن التحول في الصيغ والتراكيب أمر أساسي سواء أكان المعنى في البيت المعارض موافق أم مخالف لسابقه،إذ عليها المعول في التمييز بين البيتين،لذلك وجدنا حرصا من المعارضين على أن يبدءوا قصائدهم في كثير من الأحيان بأساليب وصياغات مخالفة لتلك التي في قصائد سابقيهم، ويظهر ذلك بصورة جلية في معارضات البارودي.لذلك كانت التراكيب والصيغ أقل مظاهر الاشتراك في نص المعارضة،ومن ذلك قول شوقي:

لك الله من مطعونة بقنا النوى

شهيدة حرب لم تقارف لها إثما

 

معارضا لقول المتنبي:

لك الله من مفجوعة بحبيبها

قتيلة شوق غير ملحقها وصما

 

فبيت شوقي السابق يذكرنا بما ضربه عبد القاهر في دلائله مثلا للسلخ،وذلك إذا عمد عامد إلى بيت شعر فوضع مكان كل لفظة لفظا في معناه،كمثل أن يقول في قوله:

دع المكارم لا ترحل لبغيتها

واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي

ذر المآثر لا تذهب لمطلبها

واجلس فإنك أنت الآكل اللابس"[30]

 

برغم اختلاف ظرف الفقيدتين في القصيدتين، نلحظ أن الاشتراك في التراكيب هو الذي أظهر بيت وقي بهذه الصورة من التقليد الخالي من روح الشعر،وربما ارتبط ذلك بطبيعة نظرته للتراث باعتباره رصيدا جماعيا مشترك له الحق في الإفادة منه بطريقته.

 

وفي معارضته لأبي تمام نرى بعض التراكيب المكررة نصا من النص المعارض مثل "الدم السرب،الريح الأربع،القنا السلب،جحفل لجب....."وكلها من قبيل النعت وترتبط بنهايات الأبيات. وقس على ذلك قوله: إلى حيث آباء الفتى يذهب الفتى.

 

وقول المتنبي:إلى مثل ما كان الفتى مرجع الفتى.

 

مع ملاحظة أن الحركة الاسترجاعية في قول شوقي حركة خطية، في حين أنها دائرية في قول المتنبي، ومن ثم فهي أكثر دلالة على التكرار والمعاودة.

 

ثانيا على المستوى الثاني  للمعاني(معنى المعنى)

من المعروف أن عبد القاهر في نظريته للمعنى جعل الكلام على ضربين:" ضرب تصل منه إلى الغرض بدلالة اللفظ وحده،...ثم تجد لذلك المعنى دلالة ثانية تصل بها إلى الغرض ومدار  هذا الأمر على الكناية والاستعارة والتمثيل "[31]،وقد أطلق على الضرب الأول مصطلح المعنى أو المعاني الأوائل وعلى الضرب الثاني معنى المعنى، وهو المقصود في هذا المستوى للنظر في مدى تعامل النص المعارض مع سابقه على مستوى معنى المعني أو التخييل. وتتمثل أهمية هذا المستوى في أنه أخص خصوصيات المبدع وبها يتم تميزه،لذا لا يستطيع النص المعارض الاستعانة بصورة ما من نص سابق بغير تصرف ما يحدثه في الصورة.ويمكننا لأن نتوقف عند بعض ظواهر التداخل التخييلي بين نص المعارضة باعتباره وسيلة من وسائل المعنى ولكن بصورة تجاوزية بالتركيز على المعنى لا على الوسيلة المنتجة له:

ومن ذلك ما نراه في معارضة البارودي للمتنبي:

أودّ من الأيام ما لا تودّهُ

وأشكو إليها بيننا وهي جُنْدُهُ

 

نجد أن تشخيص الأيام في بيت المتنبي أعطى الفاعلية لها بصورة تبرز مدى تضادها معه،وهو ما لا يتوافر في بيت البارودي:

رضيتُ من الدنيا بما لا أودُّه

ُ وأيُّ امرئ يقوى على الدهر زَنْدُهُ

 

فقد قام بتفريغ البيت المعارض من حيويته بإسناد الفعل لذاته في الشطر الأول وإن كان قد اصطنع صورة أخرى في الشطر الثاني،محدثا تنوعا في شطري البيت الذين يقومان على الخبر والإنشاء بخلاف بيت المتنبي القائم على العطف بصورة تبرز استمرارية مجابهة الأيام له.

 

فمن المعروف أن بناء لغة الشعر يقوم على الانحراف الذي يمثل الشرط الضروري لكل شعر،والشعر لا يحتفل بمجر أداء المعنى بل بشكل المعنى،فما بالك بمن نزع عن الشعر رداءه وأعادة إلى العادي من المعاني والأساليب.

 

وفي قول شوقي:

ومكانُ الكتابِ يُغريك ريّا

وردِِه غائبا،فتدنو للمسِ

 

نجد أن ظلال الصورة مستمدة من قول البحتري:

يَغْتَلى فِيهِم ارتيابيَ حَتَّى

تتقرَّاهُمُ يدايَ بِلَمْسِ

 

مع فارق كبير لصالح البحتري الذي حاول أن يستنفر جُماع أحاسيسه باللون والصوت والحركة واللمس.. ليُعيد إنتاج "الشكل" الإيقوني المادي لمعركة أنطاكية عبر تشكيل بَصَري- لفظي.مسندا التجربة لذاته، في حين كان انفصال شوقي عن التجربة باسناده الضمير للمخاطب جعله من فصلا عن التجربة بصورة توضح الفارق بين نص يقوم على تجربة واقعية وآخر يقوم على تجربة لغوية معارضة.

 

وفي صورة أخرى رسم شوقي صورة لتنظيم الجيش في المعركة قائلا:

والناصر نور الخميس تحت الدرفس

 

ويقابها قول البحترى:

"وأنو شروان يزجي الصفوف تحت الدرفس "

 

والفارق في التصوير أيضا لصالح البحترى،لقد قام شوقي بمجرد المخالفة،فاستبدل الصفوف بكلمة أقل حيوية وتداولا (الخميس )،واستعان بالعلم (الناصر )في مقابل (أنو شروان) لكنه اكتفى بنعت القائد بأنه نور الجيش،وهو تشبيه مبتذل،لا يدنو بحال من الصورة الحركية التي رسمها البحترى للقائد وهو يزجي الصفوف.ومن ثم تظل الغلبة للنص الغائب الذي يمارس تأثيره على النص المعارض فلا يستطيع الفكاك منه،وتظل العلاقة بينهما شكلية لا تتجاوز حد التشابه الذي لم يوفر للبيت المعارض قدرا من الاستقلالية والتميز.

 

ومن مظاهر التصرف في التصوير ما نراه في قول شوقي:

تلك الشواهد تترى كل آونة

في الأعصر الغر،لا في الأعصر الدهم

 

ويقابله في ميمية البوصيري قوله:

وأحيت السنة الشهباء دعوته

حتى حكت غرّة في الأعصر الدهم

 

ويلاحظ في بيت شوقي أنه اكتفى بوصف الأعصر بالغر تارة وبالدهم تارة أخرى،في حين استعان البوصيري بالتشبيه التمثيلي حيث صور السنة الشهباء بالغرة البيضاء في الأعصر الدهم مبرزا عظمة هذه السنة وتأثيرها،وهو ما لا نجده في بيت شوقي الذي اكتفي الإثبات والنفي.

 

ولا تعني الأمثلة السابقة قصور في الطاقة التصويرية عند شوقي أو البارودي،بقدر ما تعني – فيما نرى – الرغبة في المخالفة التي قد توقعهم في تجريد بيت من صورته المميزة له والمحققة لشاعريته،وهو شرك يظهر أبياتهم المقابلة أقل تمييز وأكثر تبعية في تشكيل المعنى،وفي مقابل ذلك يظهر التميز والخصوصية فيما استحدثوه من صور قوامها الخصوصية والتميز،ويكفي لتدليل على ذلك ما نراه في معارضة شوقي للبحتري،حيث نجد تباينا واضحا بين نوعين من التصوير،الأول ينبع من التجربة الذاتية واللغة الخاصة المميزة،والثاني يمتح من منابع الإنشاء التراثي،يقول شوقي على سبيل المثال:

نفسي مرجل،وقلبي شراع

بهما في الدموع سيري وأرسي

 

فتتابع الصور السابقة يضعها في إطار مختلف تماما عن نمط الصور التراثية،فالصورة الثانية على وجه الخصوص (قلبي شراع ) "تنتمي إلى عالم الصورة الرومانسية أكثر مما تنتمي إلى عالم الصور النيوكلاسيكية أما الصورة المركبة (نفسي مرجل وقلبي شراع ) ودعوة ابنة اليم للمسير في الدمع فإنها تخرج خروجا واضحا عن الأطر التراثية السائدة "[32]،وفي مقابل التميز الذي يظهر على طرق التخييل في الجانب الذاتي من النص،نجد نكوصا في الصور التي تخضع لمنطق الصورة الشعرية في التراث وخير مثال على ذلك الصورة التي قدمها شوقي لكل من الأعمدة القرطبية،وبعض الصور في وصف قصور الحمراء كقوله:

وقباب من لازورد وتبر

كالربى الشم بين ظل وشمس

 

وغيره من الأبيات التي يرجع فيها شوقي تراثيا بمعنى انفصاله عن الواقع لصالح الماضي وطريقة إنتاجه للصور وضرورة مطابقتها للواقع أو الحقائق المادية في حياته دون الخروج عليها.وكيف يخارج وهو الذي ينكر على الشعراء ذلك الخروج البغيض عن المنطق في التخييل  " زعمت عصبة أن أحسن الشعر ما كان بواد والحقيقة بواد،فكلما كان بعيدا عن الواقع منحرفا عن المحسوس مجانبا للمحتمل كان أدنى في اعتقادهم إلى الخيال وأجمع للجلال والجمال،حتى نشأ عن ذلك الإغراق الثقيل على النفوس والغلو البغيض إلى العقول السليمة"[33] فالخيال عنده وعند غيره من شعراء الإحياء منتج عقلي أو متعقل بتعبير جابر عصفور حيث الحركة الخيالية بمثابة حركة لاحقة لمعنى اكتمل عقلا "[34].

 

وقد توقف الطرابلسي أمام مظاهر تصرف شوقي في الصور ورآها تأخذ اتجاهين:    " اتجاه عني الشاعر فيه بفن الاخراج فقامت المعارضة عنده من هذه الناحية على فكّ مبهم أو توضيح غامض أو تيسير معتاص وهذا عمل على إحياء التراث،واتجاه عمد فيه الشاعر إلى نقل الصورة من باب إلى باب آخر فاكتست عنده المعارضة معنى الاستفادة من التراث باستغلال بعض إمكانياته في العطاء الشخصي.لكن ذلك كله لم يكن اختيارا منهجيا مطلقا،إنما كانت تمليه عليه في الغالب المقاطع المشتركة"[35]،وهو ما يكشف عن معضلة المعارضة،والتي تتوقف فيها قدرة الشاعر على بعث ألفاظ مستهلكة بعثا جديداوإعطائها طاقات إيحائية جديدة تجعل منها ألفاظا عذراء تفجر اللغة وتجدد شبابها،بمايصنعه فيها من انحرافات وانزياحات جديدة مدهشة.مع صعوبة ذلك في ظل رؤية ماضوية تغلف كثير من تجاربها.

 

كانت مهمة المعارضة في غاية الصعوبة والدقة معا، حيث سلطة النص الغائب وهو غالبا من مشهور النصوص تظل تمارس تأثيرها في النص المعارض،ولا تظهر شخصية الشاعر المتميزة إلا بابتعاده واقترابه المتوازن بين تجربتين سابقة وتالية بكل مكوناتهما.،ومن هنا تتبدى أزمة النص الإحيائي بصورة واضحة على "مستوى العلاقة بين الرؤيا التراثية أو الإنشاء التراثي وبين الذات الفردية وتجربتها،ذلك أن الذات الفردية تحاول أن تنبثق لتجسد تجربتها الخاصة المتميزة في لغة خاصة متميزة وتعاين الوجود في إطار معطيات تفاعلها الخاص معه، لكن غياب تصور جذري للعلاقة بين الذات والعالم نابع من معاينة فكرية جديدة لدور الإنسان لدور الإنسان في الوجود.سرعان ما يكبت انبثاق الذات ويسلمها إلى الإنشاء التراثي والرؤيا التراثية"[36].

 

ومن ثم يقف النص المعارض بين الاجترار والامتصاص في معظم الأحيان،وقليلا ما يدخل مع النص المعارض في علاقة حوار قائمة على نقد للنص الغائب، وتخريب لكلّ مفاهيمه المتخلّفة، وتفجير له، وإفراغه من بنياته المثالية.وطبيعة المعارضة القائمة على تكرار البنية الإيقاعية للنص،والتوقف عن حدود التشابه المضموني في التجربة.

 

[1] عبد المحسن طه بدر:التطور والتجديد في الشعر المصري المعاصر – الهيئة المصرية العامة للكتاب – القاهرة 2006- الصفحات( 184: 196).

[2] محمّد عزام: النص الغائب (تجليات التناص في الشعر العربي)- منشورات اتحاد الكتاب العرب - دمشق – 2001- ص142.(نسخة ألكترونية).

[3] محمد عابد  الجابري:أزمة الإبداع في الفكر العربي المعاصر (أزمة ثقافية..أم أزمة عقل ) – فصول – المجلد الرابع – العدد الثالث – القاهرة 1984- ص 108.

[4] عبد الله التطاوي: المعارضة الشعرية بين التقليد والإبداع – دار الثقافة للنشر والتوزيع – القاهرة 1988- ص 98.

[5] خليل الموسي: قراءات في الشعر العربي الحديث المعاصر – منشورات اتحاد الكتاب العرب – دمشق -1999(نسخة ألكترونية).

[6] طه حسين: حافظ وشوقي – المطابع الأميرية –القاهرة 1974- ص34.

[7] محمد بنيس:النص الغائب في شعر شوقي "القراءة والوعي " – فصول المجلد الثالث –   العدد الأول – 1982م.

[8] كمال أبو ديب: شوقي والذاكرة الشعرية "دراسة في بنية النص الإحيائي - فصول المجلد الثالث – العدد الأول 1982م.

[9] محمد عبد المطلب: قضايا الحداثة عند عبد القاهر الجرجاني – الشركة المصرية العالمية للنشر – لونجمان – القاهرة -1995م- ص152.

[10] محمد الهادي الطرابلسي: خصائص الأسلوب في الشوقيات – المجلس الأعلى للثقافة- القاهرة1996م- ص262.

[11] محمد الهادي الطرابلسي: بحوث في النص الأدبي – الدار العربية للكتاب تونس 1988- ص128.

[12] عبد القاهر الجرجاني:دلائل الإعجاز – قرأه وعلق عليه /محمود محمد

شاكر – مكتبة الخانجي – القاهرة 2000م- ص258.

[13] انظر تفصيل ذلك في: دلائل الإعجاز- ص407(فصل في أن الفصاحة والبلاغة للمعاني  )، قضايا الحداثة عند عبد القاهر الجرجاني – م س- ص 167 وما بعدها.

[14] ديوان النابغة.

[15] ديوان البارودي.

[16] محمد الهادي الطرابلسي: خصائص الأسلوب في الشوقيات – م س- ص 243.

[17] محمد الهادي الطرابلسي: ص 245.

[18] البحترى: ديوان البحتري –تحقيق حس كامل الصيرفي- دار المعارف بمصر ط2–    المجلد الثاني – ص 1152.

[19] أحمد شوقي:الشوقيات – مكتبة مصر – القاهرة 1993-الجزء الثاني – ص 44: 52.

[20] كمال أبو ديب: شوقي والذاكرة الشعرية " دراسة في بنية النص الإحيائي – م س   - ص 54.

[21] ناتالي ميلاس: الغنائية والمفارقة الزمانية البيداجوجيا التأريخية في شعر قسطنطين   كفافي – ت/ بشير السباعي – فصول – العدد67- خريف 2005- ص209.

[22] محمد الهادي الطرابلسي - ص 247.

[23] عبد الله التطاوي: المعارضة الشعرية بين التقليد والإبداع والتوزيع – مرجع سابق – ص 288.

[24] السابق:ص 249.

[25] ديوان عنترة.

[26] ديوان البارودي.

[27] د.خليل الموسى: من مصطلحات النقد الأدبي المعارضة - جريدة الأسبوع الأدبي -دمشق  العدد 776 تاريخ / 29/9/2001.(نسخة ألكترونية).

[28] ديوان المتنبي:تحقيق وتعليق /عبد الوهاب عزام – الهيئة العامة لقصور الثقافة –   القاهرة 1996- ص 160.

[29] ديوان أبي تمام.

[30] انظر دلائل الإعجاز:  ص471، والبيت الأول من شعر الحطيئة.

[31] دلائل الإعجاز:  ص 262.

[32] كمال أبو ديب: شوقي والذاكرة الشعرية "دراسة في بنية النص الإحيائي – مرجع  سابق.ص 104 وما بعدها.

[33] أحمد شوقي: الشوقيات – الجزء الأول –المقدمة – القاهرة 1898 – وقد أعادت مجلة فصول نشرها في العدد الخاص بشوقي وحافظ (ج 2) المجلد الثالث 1983م.

[34] جابر عصفور: قراءة التراث النقدي – الهيئة العامة للكتاب – القاهرة 2006- ص264.

[35] محمد الهادي الطرابلسي: خصائص الأسلوب في الشوقيات – ص 259.

[36] كمال أبو ديب: شوقي والذاكرة الشعرية "دراسة في بنية النص الإحيائي" – مرجع سابق. ص 106.

 

 

 

صحيفة الأمة " PDF "

روح الشعر

 

    ثلاثة مشاهد للحسين ثائراً _____    صلاح...
    ذبلتْ ضمائرهم الشاعر : عبدالقوي محب...

فكر و نقد

فنون و تشكيل

لقاءات و استطلاعات ثقافية

عرض كتاب