الخميس, 14 تشرين2/نوفمبر 2019  
16. ربيع الأول 1441

تحليلات و ملفات ساخنة

الرواية البوليفونية أو الرواية المتعددة الأصوات

 

 

 

 

 

د. جميل حمداوي

 

 

 

 

 

 

 

توطـئة:

 

 

تعد الرواية الكلاسيكية أو الرواية الفنية ذات البناء التقليدي رواية الصوت الواحد. لذا، سماها نقاد الرواية بالرواية المنولوجية. في حين، لم تظهر الرواية البوليفونية المتعددة الأصوات إلا مع دويستفسكي - حسب المنظر الروسي ميخائيل باختين (Mikhail Bakhtine ). بمعنى أن الرواية البوليفونية هي التي تعتمد على تعدد المواقف الفكرية، واختلاف الرؤى الإيدولوجية، وترتكز كذلك على كثرة الشخصيات والرواة والسراد والمتقبلين، وتستند إلى تنوع الصيغ والأساليب، واستعمال فضاء العتبة، و توظيف الكرونوطوب(وحدة الزمان والمكان)، وتشغيل الفضاءات الشعبية الكرنفالية. وبتعبير آخر، تسعى الرواية التقليدية إلى الإكثار من السرد على حساب الحوار والمناجاة والأسلوب غير المباشر الحر، مع الانطلاق من رؤية إيديولوجية معينة، يتم ترجيحها سردا وتحبيكا وتخطيبا. في حين، تتضاءل الإيديولوجيات الأخرى، حيث يتم تبخيسها فكريا ، والانتقاص منها عمدا ؛ وذلك لوجود السارد العارف المطلق الذي يتحكم في دواليب السرد والحكي، بغية التأثير على المتلقي المفترض. أما الرواية البوليفونية ، فهي رواية قائمة على تعدد الأصوات، والشخصيات، واللغات، والأساليب، والمواقف، والمنظورات السردية. ويعني هذا أنها رواية ديمقراطية، تستدمج كل القراء المفترضين، ليدلوا بآرائهم بكل حرية وتلقائية، فيختاروا مايشاؤون من المواقف والإيديولوجيات المناسبة. في حين، نجد الرواية التقليدية رواية أحادية الصوت، يتحكم فيها الراوي المطلق والسارد العارف بكل شيء.

 

 

 

إذاً، ماهي الرواية البوليفونية؟ وماهي خلفياتها النظرية؟ وماهي مكوناتها الدلالية والفنية والمرجعية؟ وما هي أهم النماذج الروائية العربية التي استفادت بشكل من الأشكال من الرواية البوليفونية؟

 

 

 

• مفهوم الرواية البوليفونية:

يقصد بالبوليفونية (Poliphonie/poliphony) لغة تعدد الأصوات، وقد أخذ هذا المصطلح من عالم الموسيقى، ليتم نقله إلى حقل الأدب والنقد. ومن ثم، فالمقصود بالرواية البوليفونية تلك الرواية التي تتعدد فيها الشخصيات المتحاورة، وتتعدد فيها وجهات النظر، وتختلف فيها الرؤى الإيديولوجية. بمعنى أنها رواية حوارية تعددية، تنحى المنحى الديمقراطي، حيث تتحرر بشكل من الأشكال من سلطة الراوي المطلق، وتتخلص أيضا من أحادية المنظور واللغة والأسلوب. وبتعبير آخر، يتم الحديث في هذه الرواية المتعددة الأصوات والمنظورات عن حرية البطل النسبية ، واستقلالية الشخصية في التعبير عن مواقفها بكل حرية وصراحة، ولو كانت هذه المواقف بحال من الأحوال مخالفة لرأي الكاتب. وللتوضيح أكثر، تسرد كل شخصية الحدث الروائي بطريقتها الخاصة، وذلك بواسطة منظورها الشخصي، ومن زاوية نظرها الفردية، وبأسلوبها الفردي الخاص. بمعنى، أن الرواية تقدم عصارتها الإبداعية وأطروحتها المرجعية عبرأصوات متعددة؛ وهذا ما يجعل القارىء الضمني الواعي يختار بكل حرية الموقف المناسب، ويرتضي المنظور الإيديولوجي الذي يلائمه ويوافقه ، دون أن يكون المتلقي في ذلك مستلبا أو مخدوعا من قبل السارد أو الكاتب أو الشخصية على حد سواء. ويعني كل هذا أن الرواية البوليفونية مختلفة أيما اختلاف عن الرواية المنولوجية الأحادية الراوي والموقف، واللغة، والأسلوب، والمنظور، وذلك بوجود تعددية حوارية حقيقية على مستوى السراد، والصيغ، والشخصيات، والقراء، والمواقف الإيديولوجية .

 

ومن أهم النصوص الروائية الممكنة في هذا المجال، نذكر: رواية :"إلواز الجديدة" (La Nouvelle Héloise)" لجان جاك روسو (J.J. Rousseau)، ورواية:" العلاقات الخطيرة (Les Liaisons Dangereuses)" لكوديرلوس دي لاكلو (Choderlos de Laclos)، وروايات دويستفكسي، وخاصة روايته الذائعة الصيت:" الجريمة والعقاب"... ومن أهم الروايات العربية التي سارت على هذا النحو، نذكر على سبيل المثال: رواية:" لعبة النسيان" للمبدع المغربي محمد برادة[1]...

 

هذا، ويعرف ميخائيل باختين الرواية البوليفونية بقوله:" إن الرواية المتعددة الأصوات ذات طابع حواري على نطاق واسع. وبين جميع عناصر البنية الروائية، توجد دائما علاقات حوارية.أي: إن هذه العناصر جرى وضع بعضها في مواجهة البعض الآخر، مثلما يحدث عند المزج بين مختلف الألحان في عمل موسيقي.حقا إن العلاقات الحوارية هي ظاهرة أكثر انتشارا بكثير من العلاقات بين الردود الخاصة بالحوار الذي يجري التعبير عنه خلال التكوين، إنها ظاهرة شاملة تقريبا، تتخلل كل الحديث البشري وكل علاقات وظواهر الحياة الإنسانية، تتخلل تقريبا كل ماله فكرة ومعنى."[2]

 

وتأسيسا على ماسبق، فالرواية البوليفونية في الحقيقة تعبير عن صورة الإنسان، وتصوير لتنوع الحياة، وتعبير صادق عن تعقد المعاناة البشرية. كما أنها كفاح :" ضد تشييء الإنسان، ضد تشييء العلاقات الإنسانية وكل القيم الإنسانية في ظل النظام الرأسمالي"[3]. ويعني هذا أن رؤية كاتب الرواية البوليفونية رؤية إنسانية، ترفض - بشكل قطعي- تحويل القيم المعنوية أوالكيفية إلى قيم مادية وكمية، وذلك باسم اقتصاد تبادل البضائع والسلع الذي شيأ العلاقات الإنسانية. زد على ذلك، فقد استندت الرواية البوليفونية ، وذلك على المستوى الإبستمولوجي، إلى الفلسفة النسبية، التي شككت في المطلق واليقين والثابت والكوني منذ منتصف القرن التاسع عشر، وبالضبط مع الفيزيائي الألماني إينشتاين.

 

• الرواية البوليفونية والرواية المنولوجية:

إذا كانت الرواية المنولوجية ذات صوت إيديولوجي واحد، تعتمد على السارد المطلق العارف بكل شيء، وتستند إلى سارد واحد، ورؤية سردية واحدة، ولغة واحدة، وأسلوب واحد، وإيديولوجية واحدة، فإن الرواية البوليفونية رواية متعددة الأصوات على مستوى اللغة والأساليب والمنظور السردي والإيديولوجي، وكذلك من حيث الشخصيات، وتطرح أفكارا متناقضة جدليا، وتعطي المتلقي هامشا من الحرية والاستقلالية، لكي يختار الموقف المناسب الذي يتلاءم مع قناعاته وثقافته ومعتقده. وغالبا ما تتحدد بوليفونية الرواية من خلال وجود تنوع في المنظور الإيدولوجي.لذا، يرى أوسبنسكي (Uspenski) بأن الرواية البوليفونية تمتاز بمجموعة من الشروط، وهي:

 

1- عندما تتواجد عدة منظورات مستقلة داخل العمل.

 

2- يجب أن ينتمي المنظور مباشرة إلى شخصية ما من الشخصيات المشتركة في الحدث.أي بعبارة أخرى، ألا يكون موقفا إيديولوجيا مجردا من خارج كيان الشخصيات النفسي.

 

3- أن يتضح التعدد المبرز على المستوى الإيديولوجي فقط، ويبرز ذلك في الطريقة التي تقيم بها الشخصية العالم المحيط بها."[4]

 

وعلى هذا، فقد تخلصت الرواية الحديثة من أحادية المنظور ، وانزاحت كذلك عن اليقين المطلق الثابت، وذلك باسم النسبية والمعرفة الاحتمالية: " إن سيطرة أحادية الراوي العالم بكل شيء أصبحت غير محتملة في العصر الحديث مع التطور الثقافي العريض للعقل البشري، بينما أصبحت النسبية المتشبعة في النص القصصي أكثر ملاءمة"[5]

 

وبناء على ما سبق، تنبني الرواية البوليفونية على تعدد المنظورات السردية ووجهات النظر(الرؤية من الخلف- الرؤية الداخلية - الرؤية من الخارج)، بالإضافة إلى تعدد الضمائر السردية (ضمير المتكلم- ضمير المخاطب- ضمير الغائب)، وتعدد الرواة والسراد الذين يعبرون عن اختلاف المواقف الفكرية، وتعدد المواقف الإيديولوجية، واختلاف وجهات النظر تواصلا وتبليغا واقتناعا. بمعنى أن كل قصة نووية يسردها سراد مختلفون، كل سارد له رؤيته الخاصة إلى زاوية الموضوع. أي :يعطي المؤلف للشخوص الحرية والديمقراطية في التعبير عن وجهات نظرها، دون تدخل سافر من المؤلف لترجيح موقف على حساب موقف آخر، بل يترك كل شخص يدلي برأيه بكل صراحة وشفافية، فيعلن منظوره تجاه الحدث والموقف بكل صدق وإخلاص، ثم يعبر عن نظره وإيديولوجيته بكل مصداقية، دون زيف أو مواربة أو تغيير لكلامه. كأن تعبر شخصية ما عن رؤيتها الإسلامية، وتعبر شخصية أخرى عن رؤيتها الاشتراكية، وشخصية ثالثة عن الرؤية الشيوعية، وشخصية رابعة عن رؤية أرستقراطية، وهكذا دواليك، ولكن للقارىء الحق الكامل في اختيار الرؤية التي يراها مقنعة ووجيهة، دون أن يفرض عليه الكاتب أو المؤلف أو السارد المطلق رؤية معينة ، وذلك عبر مجموعة من الآليات كترجيح وجهة نظر شخصية معينة، وتسفيه آراء الشخصيات الأخرى ، وذلك عن طريق التقويم الذاتي والانفعالي، وإصدار أحكام القيمة.

 

وعليه، فمازالت الرواية الغربية والعربية على حد سواء ، ولا سيما التقليدية منها، رواية منولوجية بامتياز، يسيطر عليها الصوت الواحد، والمنظور المطلق، والخطاب المسرود. بيد أن الرواية الجديدة ورواية ما بعد الحداثة ، قد تخلصتا- بشكل من الأشكال- من هذا المنظور المطلق الأحادي، واستبدلتاه بالرؤية البوليفونية القائمة على فلسفة النسبية، وفلسفة الاحتمال.

 

• دراسات حول الرواية البوليفونية:

يعد ميخائيل باختين من أهم الدارسين الغربيين للرواية البوليفونية ، فقد خصصها بمجموعة من الدراسات الأدبية والنقدية، ومن أهم ما وصل إلينا من ذلك، نذكر:" شعرية دويستفسكي" [6]، وكتاب:"إستيتيقا الرواية ونظريتها"[7]، و" الماركسية وفلسفة اللغة"[8]. بيد أن ثمة دراسات أخرى أشارت إلى البوليفونية بشكل من الأشكال. ومن بين هذه الدراسات ما كتبه تشيتشرين في دراسته المطولة تحت عنوان:" الأفكار والأسلوب، دراسة في الفن الروائي ولغته"[9]، وف. ف. فينوغرادوف في كتابه:" حول لغة الأدب الفني" الصادر في مسوكو سنة 1959م[10]، ول.جروسمان في كتابه:" طريق دويستفسكي" [11]، وأوتو كاوس في كتابه:" دويستفسكي ومصيره"[12]، وف.كوماروفيتش في كتابه:" رواية دويستفسكي (المراهق) بوصفها وحدة فنية"[13]، وب.م.إنجلجاردت في كتابه:" رواية دويستفسكي الإيديولوجية"[14]، وف.لوناجارسكي في مقاله:" حول تعددية الأصوات عند دويستفسكي"[15]، وف. كيربوتين في :"ف.م.دوستويفسكي"[16] ، وب.ف.شكلوفسكي في كتابه:" مع وضد.ملاحظات حول دويستفسكي."[17]، وب.أوسبنسكي في كتابه:"شعرية التأليف"، حيث يقول عن البوليفونية الإيديولوجية:" عندما نتحدث عن المنظور الإيديولوجي لانعني منظور الكاتب بصفة عامة منفصلا عن عمله، ولكن نعني المنظور الذي يتبناه في صياغة عمل محدد، وبالإضافة إلى هذه الحقيقة يجب أن نذكر أن الكاتب قد يختار الحديث بصوت مخالف لصوته، وقد يغير منظوره- في عمل واحد- أكثر من مرة، وقد يقيم (بتشديد الياء) من خلال أكثر من منظور."[18]

 

ومن أهم الدراسات الغربية الحديثة حول البوليفونية ما كتبه تزتيفان تودوروف (T.Todorov) تحت عنوان:"ميخائيل باختين والمبدأ الحواري"[19]، وماكتبته أيضا جوليا كريستيفا من دراسات تشير فيها إلى التناص الحواري، كما في كتابها:" السيميوطيقا"[20]...

 

وإذا انتقلنا إلى الدراسات العربية في مجال أسلوبية الرواية ، فنستدعي في هذا الصدد دراسة حميد لحمداني تحت عنوان:" أسلوبية الرواية"[21]، ودراسة سيزا قاسم :" بناء الرواية" [22]، ومحمد برادة في كتابه:" أسئلة الرواية وأسئلة النقد"[23]، وعبد الحميد عقار في كتابه:" الرواية المغاربية: تحولات اللغة والخطاب"[24]، وعبد الله حامدي في كتابه:" الرواية العربية والتراث: قراءة في خصوصية الكتابة"[25]، والحبيب الدائم ربي في كتابه:" الكتابة والتناص في الرواية العربية"[26]...

 

• نظرية الرواية عند ميخائيل باختين:

إذا كانت الرواية ملحمة بورجوازية عند هيجل وجورج لوكاش ولوسيان كولدمان، فإن الرواية عند ميخائيل باختين ذات أصول شعبية ، تتمثل في الحوارات السقراطية ، والهجاءات المنيبية، والروح الكرنفالية. ويعني هذا أن الرواية قد تفرعت عن أجناس شعبية سفلى تحيل على الطبقة الاجتماعية العامة. بمعنى أنه إذا كانت الملحمة ، باعتبارها أدبا جادا، وراء نشأة الرواية، فإن الأدب المضحك والساخر كان وراء نشأة الرواية حسب ميخائيل باختين. ويذهب باختين كذلك إلى أن نشأة الرواية تفرعت عن أجناس أدبية ثلاثة، وهي: الملحمة، والخطابة، والكرنفال. والآتي، أن هناك مجموعة من المفكرين والفلاسفة الذين كتبوا الحوار السقراطي كأفلاطون، وكسينوفون، وأنتيسثينيس، وفيدون، وأقليديس، والكسامين، وجلاوكون، وسيميوس، وكراتون، وغيرهم.ومن بين هذه الحوارات التي وصلتنا، نذكر منها: حورات أفلاطون وكسينوفون فقط، أما الحوارات الأخرى فنعرفها عن طريق الروايات والمقاطع القليلة التي بقيت منها. ومن ثم، فالحوار السقراطي:" ليس صنفا بيانيا متكلفا، إنه ينمو بالاستناد إلى أساس كرنفالي شعبي، وهو مفعم بعمق بالموقف الكرنفالي من العالم، خصوصا في مرحلة تطور السقراطية الشفاهية..."[27]

 

هذا، وقد تحول الحوار السقراطي إلى صنف أدبي محدد، لكنه لم يعمر طويلا، ولكن" خلال عملية انحلاله تكونت هناك أصناف حوارية أخرى. بما في ذلك " الهجائية المنيبية". ولكن لايجوز النظر إليها، طبعا، وكأنها ثمرة خالصة من ثمار انحلال الحوار السقراطي(كما يفعلون أحيانا)، وذلك نظرا لأن جذورها تغور مباشرة في الفلكلور الكرنفالي، الذي يعد تأثيره الحاسم هنا أرجح بكثير مانجده في الحوار السقراطي."[28]

 

وترجع أصول الهجائية المنيبية إلى الفيلسوف مينيب من غادار (Gadar)، وهو من فلاسفة القرن الثالث قبل الميلاد، استطاع أن يعطي هذا الصنف الأدبي شكله الكلاسيكي. على أن المصطلح نفسه الدال على صنف أدبي بعينه كان قد أطلق لأول مرة من قبل العالم الروماني فارون، من القرن الأول قبل الميلاد، الذي سمى هجائياته (Sturae Menippeae). وقد تطورت الهجائيات المنيبية إلى أن اقتربت جدا من حدود الرواية، وحتى رواية :" الحمار الذهبي" لأبوليوس هو نوع من الهجائية المنيبية المتطورة. كما يتسم هذا النوع الأدبي بالروح الكرنفالية،والهجائية الساخرة، وهيمنة عنصر الضحك، والميل إلى حرية الخلق والإبداع والخيال، وانتشار روح المغامرة، وانبثاق الخيال الجامح ، والأخذ بالجرأة، والخارق، والرمزية، واستفزاز الحقيقة واختبارها، والانطلاق من الفكرة الفلسفية...وبهذا المعنى، يمكننا القول: " إن مضمون المنيبية يتكون من مغامرات الفكرة أو الحقيقة في العالم: على الأرض أو في الجحيم أو في أعالي الأولمب."[29]

 

ومن هنا، فقد كانت نشأة الرواية نشأة شعبية عادية كما يدل على ذلك الحوار السقراطي، والهجاء المنيبي، والكرنفال الاحتفالي الجماهيري. وتشترك هذه الأجناس كلها في المحاكاة، والضحك، والسخرية، والهزل،والشعبية، والحوارية... في مقابل تلك النظرية التي ترى أن الرواية أصلها ملحمة بورجوازية قائمة على تصدع الذات في علاقتها بالموضوع. ومن ثم، تحن الرواية دائما إلى عصر الملحمة، حيث الوحدة الكلية والمطلقة بين الذات والموضوع.

 

• مقومات الرواية البوليفونية:

تمتاز الرواية البوليفونية أو الرواية الحوارية أو الرواية الديالوجية بمجموعة من المقومات والمكونات والسمات الدلالية والفنية والجمالية، و يمكن حصرها في العناصر التالية:

 

1- التعددية في الأطروحات الفكرية:

تتضمن الرواية المنولوجية – كما هو معلوم – فكرة واحدة أو موقفا إيديولوجيا واحدا. وغالبا ما تكون تلك الفكرة هي فكرة الكاتب المهيمنة، كما نجد ذلك واضحا في الروايات الواقعية أو الروايات الطبيعية الكلاسيكية. ويعني هذا أن فكرة الكاتب هي التي تحدد مسار الرواية من البداية حتى النهاية، حيث يتقمص البطل روح هذه الفكرة، فيناضل من أجلها، ثم يتدخل السارد لتثبيت هذه الفكرة، ومناصرتها بجميع الوسائل الفنية ، وذلك عن طريق الوصف والتقويم والتلفظ ، فتصبح هذه الفكرة المهيمنة هي المفضلة، وعلى القارىء أن يتمثلها بأي حال من الأحوال على أنها الأمثل والأحسن. وفي هذا السياق، يقول باختين:" إن فكرة المؤلف المقبولة والكاملة القيمة يمكنها أن تضطلع ، في عمل أدبي من النمط المنولوجي، بثلاث وظائف: أولا، إنها تعتبر الأساس الذي تستند إليه الرؤيا نفسها وتصوير العالم، المبدأ الذي يعتمد عليه في اختيار المادة وتوحيدها، المبدأ الذي يقرر النبرة الأحادية الإيديولوجية لجميع عناصر العمل الأدبي.ثانيا، يمكن تقديم الفكرة على اعتبارها استنتاجا واضحا بهذه الدرجة أو تلك، أو واعيا مستخلصا من المادة التي يجري تصويرها. ثالثا وأخيرا، فإن فكرة المؤلف يمكن أن تكتسب تعبيرا مباشرا داخل الموقف الإيديولوجي للبطل الرئيس.

 

الفكرة بوصفها مبدأ في التصوير، تندمج مع الشكل. إنها تحدد كل النبرات الشكلية، وكل تلك الأحكام الإيديولوجية التي تصوغ الوحدة الشكلية للأسلوب الفني والنغمة الوحيدة للعمل الأدبي.

 

إن الطبقات الدفينة لهذه الإيديولوجيا التي تتحكم بصياغة الشكل، الطبقات التي تحدد الخصائص الأساسية في الأصناف الأدبية، تحمل طابعا تقليديا، وهي تتراكم وتتطور عبر العصور، إلى هذه الطبقات الدفينة الخاصة بالشكل ينتمي حتى الاتجاه المونولوجي الفني الذي وقع اختيارنا عليه."[30]

 

هذا، وتتضمن الرواية البوليفونية تعددا في الأطروحات الفكرية؛ مما يجعلها رواية أطروحة بامتياز، ولكن رواية أطروحة حوارية وديمقراطية قائمة على الأفكارالمتعددة، والمواقف الجدلية ، واختلاف وجهات النظر، وتباين المنظورات الإيديولوجية. بمعنى ليس هناك موقف واحد أو فكرة واحدة داخل المحكي الروائي. وغالبا ما تكون هذه الفكرة المهيمنة ، كما في الرواية المنولوجية أو الرواية الاعتيادية، فكرة المؤلف أو السارد الرئيس، بل توجد في الرواية البوليفونية مواقف متعددة وأطروحات جدلية متعددة. ويعني هذا أن الرواية البوليفونية تتناول فكرة أو أطروحة معينة، وترد تلك الفكرة على لسان البطل أو الشخصيات المحورية في الرواية، وهذه الفكرة هي التي تحدد علاقة البطل بالعالم الذي يعيش فيه، إن تلك الفكرة هي التي تحدد رؤية الشخصية إلى العالم، وموقف البطل من عالمه ومصيره. لذا، فالرواية البوليفونية هي جماع الأفكار المتعارضة بقوة، حيث تتصارع وتتناقض جدليا. ومن هنا، فالمهم ليس هو الأبطال أو الشخصيات، بل المهم الأفكار التي تتقابل وتتآلف وتتعارض مع موقف الكاتب أو السارد الرئيس.

 

وعليه، " تتمتع الفكرة بحياتها المستقلة داخل وعي البطل: إن الذي يحيا، بصورة خاصة، لا البطل، بل الفكرة، والكاتب الروائي يقدم وصفا لالحياة البطل ، بل وصفا لحياة الفكرة فيه...ومن هنا بالذات، ينبع التحديد الصنفي لرواية دويستفكسي بوصفها رواية إيديولوجية."[31]

 

ويتبين لنا ، مما سبق ، بأن الرواية البوليفونية هي التي تقوم على الفكرة الأطروحة، ونقصد بها بطبيعة الحال الإيديولوجيا. وللتوضيح أكثر، قد تقدم الرواية مجموعة من الأفكار على لسان شخصياتها إيديولوجيا، كأن تكون شخصية ما إسلامية، أو تكون شخصية ملحدة، أو شخصية اشتراكية، أو شخصية شيوعية، أو شخصية ليبرالية، أو شخصية وطنية، أو شخصية خائنة، وهلم جرا... فكل شخصية تقدم فكرتها، وتستعرض أطروحتها، ويمكن للكاتب أن يشارك بفكرته وأطروحته الإيديولوجية إلى جانب الأفكار الأساسية الأخرى لشخصياته، ولكن بشرط واحد ألا يرجح كفة أطروحته على باقي الأطروحات الأخرى، كما هو الحال في الروايات المنولوجية أو العادية. ومن هنا، فالفكرة هي التي تسيطر على الشخصيات، ثم تحدد مصير البطل، ثم تبرز موقفه النهائي من العالم، وهي كذلك المادة الأساسية في بناء الرواية، ويتم عبرها تقسيم العالم الروائي إلى عوالم الأبطال أو الشخصيات.والآتي، "أن وجهة النظر تلك التي ينظر بها البطل إلى هذا العالم هي التي تشكل الفكرة الأساسية لدى تصوير الواقع من حوله. لقد قدم العالم الخاص بكل بطل، من زاوية خاصة يتم تصويره وبناؤه في ضوئها تماما."[32]

 

ومن ثم، تتحول هذه الأفكار إلى تيمات وموضوعات وبرامج سردية ورؤى للعالم ، يمكن رصدها نقديا إن فهما وإن تفسيرا، أو يمكن تشريحها إن تفكيكا وإن تركيبا.

 

2- تعدد الشخصيات أو تعدد الأصوات:

تحوي الرواية البوليفونية مجموعة من الشخصيات أو الأصوات التي تتصارع فيما بينها فكريا وإيديولوجيا. وبالتالي، تملك أنماطا من الوعي المختلف عن وعي الكاتب وإيديولوجيته الشخصية. ويعني هذا أن الشخصيات في الرواية البوليفونية تتمتع باستقلال نسبي، ولها الحرية الكاملة في التعبير عن عوالمها الداخلية والموضوعية، ولها الحق في الكلمة الحقة والصريحة التي قد تتعارض ، وذلك بشكل من الأشكال، مع كلمة المؤلف أو السارد أو البطل الموجه من قبل الكاتب. وبهذا، يكون دويستفسكي هو:" خالق الرواية المتعددة الأصوات (Polyphone)، لقد أوجد صنفا روائيا جديدا بصورة جوهرية. وبهذا السبب بالذات، فإن أعماله الإبداعية لايمكن حشرها داخل أطر محددة من أي نوع، وهي لاتذعن لأي من تلك القوالب الأدبية التي وجدت عبر التاريخ ، واعتدنا تطبيقها على مختلف ظواهر الرواية الأوربية. ففي أعماله يظهر البطل الذي بنى صوته بطريقة تشبه بناء صوت المؤلف نفسه في رواية ذات نمط اعتيادي.إن كلمة يتلفظ بها البطل حول نفسه هو بالذات، وحول العالم تكون هي الأخرى كاملة الأهمية تماما مثل كلمة المؤلف الاعتيادية.إنها لاتخضع للصورة الموضوعية الخاصة بالبطل بوصفها سمة من سماته، كذلك هي لاتصلح أن تكون بوقا لصوت المؤلف.هذه الكلمة تتمتع باستقلالية استثنائية داخل بنية العمل الأدبي، إن أصداءها تتردد جنبا إلى جنب مع كلمة المؤلف ، وتقترن بها اقترانا فريدا من نوعه، كما تقترن مع الأصوات الكبيرة القيمة، الخاصة بالأبطال الآخرين."[33]

 

ومايلاحظ على شخصيات الرواية البوليفونية أنها شخصيات غيرية مستقلة عن شخصية السارد أو المؤلف أو الشخصية التي تمثل الكاتب نفسه، كما أنها شخصيات حرة. وهنا، ليست الحرية مطلقة ، بل هي حرية نسبية. وفي هذا النطاق، يقول ميخائيل باختين:" لقد تم التوصل إلى الاستقلالية الداخلية المدهشة لأبطال دويستفسكي.

 

هذه الاستقلالية التي لاحظها أسكولدوف، بوسائل فنية محددة.ولقد تمثل ذلك، بالدرجة الأولى، في حريتهم واستقلاليتهم نفسها داخل بنية الرواية، تجاه المؤلف، أو بكلمة أدق تجاه تحديدات المؤلف الاعتيادية والإظهارية والإنجازية.إن هذا لايعني طبعا، إن البطل يسقط من خطة المؤلف.كلا، إن هذه الاستقلالية والحرية للبطل تدخلان تماما في خطة المؤلف. إن هذه الخطة تبدو وكأنها تهيء البطل مقدما للحرية النسبية طبعا وتدخله، بالشكل الذي هو عليه، ضمن الخطة الصارمة المحسوبة للعمل بعامة."[34]

 

وهكذا، تظهر الشخصيات في الرواية البوليفونية باعتبارها وجهات نظر تجاه العالم، أو باعتبارها أقنعة رمزية وإيديولوجية. ومن ثم، فالشخصية الروائية في هذا النوع من الرواية تتسم بثلاث خاصيات: تتمثل في حرية البطل النسبية، واستقلاليته، وعلاقة ذلك بصوته في ضوء خطة تعدد الأصوات. ولابد أن تكون وجهة نظر الشخصية بمثابة موقف فكري وتقويم يتخذه إنسان تجاه نفسه بالذات، وتجاه الواقع الذي يحيط به." فالمهم بالنسبة لدويستفسكي – يقول باختين- لامن يكونه بطله في العالم، بل بالدرجة الأولى مالذي يكونه العالم بالنسبة للبطل، ومالذي يكونه هو بالنسبة لنفسه ذاتها."[35]

 

ومن جهة أخرى، يتحدث ميخائيل باختين عن الشخصية غير المنجزة، وهي الشخصية التي تعيش حالة اللاإنجاز واللاكتمال واللاحزم داخل المسار السردي الروائي. ويعني هذا أن الشخصية غير المنجزة هي تلك الشخصية القلقة التي تعيش المعاناة، وتواجه تعقد الحياة، وهي كذلك شخصية غير مستقرة ، تلك الشخصية التي تعاني داخليا، وتعيش فضاء العتبة، أو فضاء الأزمات والمواقف والأفكار. وقد ترتكب هذه الشخصية جنحا وجنايات للتعبير عن أفكارها، أو للتخلص من أعدائها الآخرين. وبتعبير آخر، الشخصية غير المنجزة هي الشخصية المهووسة والمريضة نفسانيا.

 

3- التعددية في أنماط الوعي:

تعبر الشخصيات البوليفونية عن أنماط عدة من الوعي، ولاسيما الوعي الإيديولوجي منه. فهناك من يملك وعيا زائفا، وهناك من له وعي واقعي عن العالم الذي يعيش فيه، وثمة شخصيات أخرى لها وعي ممكن أوتصورات مستقبلية إيجابية مبنية على تغيير الواقع ، واستبداله بواقع أفضل. بمعنى أن وعي الشخصيات قد يكون وعيا سلبيا أو وعيا إيجابيا، ويتعدد هذا الوعي بتعدد الشخصيات، وتنوع مصادر ثقافتها، واختلاف منظوراتها السياسية والحزبية والنقابية والاجتماعية والإيديولوجية. لذلك، تتعدد أنماط الوعي داخل الرواية البوليفونية، بينما تختفي لصالح وعي الكاتب المهيمن ، أو لصالح وعي السارد المطلق، أو لصالح وعي الشخصية البطلة التي تدافع عن وجهة نظر الكاتب، كما يتضح ذلك جليا في الرواية المنولوجية، أو الرواية ذات الصوت الواحد.

 

وانطلاقا مما سبق، يقول ميخائيل باختين:" إن كثرة الأصوات وأشكال الوعي المستقلة، وغير الممتزجة ببعضها، وتعددية الأصوات الأصلية للشخصيات الكاملة القيمة- كل ذلك يعتبر بحق الخاصية الأساسية لروايات دويستفسكي. ليس كثرة الشخصيات والمصائر داخل العالم الموضوعي الواحد، وفي ضوء وعي موحد عند المؤلف هو مايجري تطويره في أعمال دويستفسكي، بل تعدد أشكال الوعي المتساوية الحقوق مع ما لها من عوالم، هو مايجري الجمع بينه – هنا- بالضبط، في الوقت نفسه تحافظ فيه على عدم اندماجها مع بعضها، من خلال حادثة ما بالفعل، فإن الأبطال الرئيسيين عند دويستفسكي داخل وعي الفنان ليسوا مجرد موضوعات لكلمات الفنان، بل إن لهم كلماتهم الشخصية ذات القيمة الدلالية الكاملة. ولهذا السبب، فإن الكلمة التي ينطق بها البطل لا تستنفد هنا أبدا بواسطة الأوصاف الاعتيادية والوظائف ذات الدوافع العملية والحياتية، إلا أنها لاتعتبر في الوقت نفسه تعبيرا عن الموقف الإيديولوجي الخاص بالمؤلف (مثلما هو الحال عند بايرون).إن وعي البطل يقدم هنا بوصفه وعيا غيريا، وعيا آخر، إلا أنه في الوقت نفسه غير محدد، ولايجري التستر عليه، كذلك فإنه لايصبح مجرد موضوع بسيط لوعي المؤلف. وبهذا المعنى ، فالبطل عند دويستفسكي لايعتبر صورة موضوعية اعتيادية للبطل في الرواية التقليدية."[36]

 

ويعني هذا أن كل شخصية في الرواية البوليفونية لها حرية كاملة ومطلقة في امتلاك وعي مستقل، يعبر عن كينونتها وهويتها وطريقة تفكيرها، ومنفصلة عن طريقة تفكير الكاتب. وهذا مايقرب الرواية البوليفونية من الرواية الأطروحة ذات الطبيعة الديمقراطية القائمة على الحوارية الذهنية ، والتعددية الإيديولوجية.

 

4- التعددية في المواقف الإيديولوجية:

تستند الرواية البوليفونية إلى تعدد الشخصيات التي تتمتع بنوع من الاستقلالية النسبية في التعبير عن أفكارها، والإفصاح عن مشاعرها الوجدانية، كما تدافع هذه الشخصيات عن معتقداتها الشخصية بكل حرية ، فتعرض أطروحتها الإيديولوجية التي قد تكون مخالفة لإيديولوجية الكاتب، ومتعارضة معها بشكل كلي. وتعد روايات دويستفسكي نماذج تمثيلية لهذا النوع ، حيث يرى ميخائيل باختين بأنه :" من الناحية الإيديولوجية، يتمتع البطل باستقلاليته ونفوذه المعنوي.وينظر إليه بوصفه خالقا لمفهوم ايديولوجي خاص وكامل القيمة، لابوصفه موضوعا لرؤيا دويستفسكي الفنية المتكاملة."[37]

 

ومن هنا، فالشخصيات الروائية - كما قلنا سابقا - هي بمثابة وجهات نظر فكرية، وأقنعة رمزية وإيديولوجية. ومن ثم ، فبطل دويستفسكي - مثلا - حسب ميخائيل باختين:" ليس مجرد كلمة حول نفسه هو بالذات، وحول الوسط الذي يحيط به مباشر، بل هو بالإضافة إلى ذلك كلمة حول العالم: إنه ليس ممارسا للوعي فحسب، بل هو صاحب مذهب إيديولوجي."[38]

 

وعليه، فالرواية البوليفونية هي التي تتضمن مجموعة من المواقف الإيديولوجية والآراء الفكرية المتعارضة والمتناطحة ، ويتم ذلك عبر الشخصيات السردية التي تصبح رموزا وأقنعة ورؤى للعالم.

 

5- تعدد اللغات والأساليب:

تستند الرواية البوليفونية ، وذلك على مستوى صورة اللغة، إلى مجموعة من الأساليب التي تشكل البعد التعددي، أو ما يسمى أيضا بالصياغة الحوارية أو الديالوجية. وثمة لسانيات خاصة تتولى دراسة هذه الحوارية اللغوية، وهي: الميتالسانيات أو  اللسانيات الخارجية أوأسلوبية الرواية. ومن أهم الظواهر الفنية التي تنبني عليها الرواية البوليفونية، نستحضر: الأسلبة (تقليد الأساليب/ stylization)، والمحاكاة الساخرة أو مايسمى كذلك بالباروديا (Parody)، والحوار (Dialogue)، والتهجين (Hybridation)، والتناص (Intertextuality)، والتنضيد، والعبارات المسكوكة، والأجناس المتخللة...

 

هذا، وإن الكلمة في الرواية البوليفونية ليست أحادية كما في الرواية التقليدية المنولوجية العادية، بل هي كلمة حوارية غيرية ومزدوجة الصوت. وللتنضيد علاقة كبيرة باللغة الحوارية (الديالوجية).بمعنى أن اللغة الأدبية ليست لغة وحيدة ، بل هي:" لغة منضذة طبقات، ومتعددة لسانيا بمظهرها الملموس الذي هو دلالي وتعبيري في نظر الغير. ويكون ذلك التنضيد له علاقة وثيقة بالأجناس الأدبية (تنضيد اللغة إلى أجناس)، فيكون الحديث عن اللغة الشعرية، واللغة المقالية، واللغة الصحفية،....وهناك تنضيد آخر نسميه التنضيد اللغوي المهني(تنضيد اللغة إلى مهن)، كأن نشير – مثلا- إلى لغة المحامي، ولغة الطبيب، ولغة السلطان، ولغة الفقيه، ولغة التاجر، ولغة السياسي، ولغة المعلم...إلخ.

 

وهكذا، فجميع:" لغات التعدد اللساني، مهما تكن الطريقة التي فردت بها، هي وجهات نظر نوعية حول العالم، وأشكال لتأويله اللفظي، ومنظورات غيرية دلالية وخلافية. بهذه الصفة، يمكنها جميعا أن تتجابه، وأن تستعمل بمثابة تكملة متبادلة، وأن تدخل في علائق حوارية.بهذه الصفة، تلتقي وتتعايش داخل وعي الناس، وقبل كل شيء داخل وعي الفنان- الروائي الخلاق.وبهذه الصفة أيضا، تعيش حقيقة، وتصارع، وتتطور داخل التعدد اللساني الاجتماعي.ولأجل ذلك، تستطيع جميع اللغات أن تتخذ موضعا لها على صعيد الرواية الفريد الذي يمكنه أن يجمع الأسلبات البارودية للغات أجناس متنوعة، ومظاهر مختلفة من أسلبة وتقديم لغات مهنية ملتزمة، مع لغات أجيال تشتمل على لهجات اجتماعية وغير اجتماعية...جميع تلك اللغات يمكن أن يجتذبها الروائي لتنسيق تيماته، وتخفيف حدة التعبير (غير المباشر) عن نواياه وأحكامه القيمية. لأجل ذلك، نلح باستمرار، على المظهر اللغوي، الدلالي والتعبيري. أي: القصدي، لأنه القوة التي تنضد وتنوع اللغة الأدبية، ولا نولي نفس الاهتمام للعلامات اللسانية (زخارف المفردات، وتناغمات المعنى، إلخ...) في لغات الأجناس والرطانات المهنية وغيرها، لأنها، إذا جاز القول، رواسب متحجرة عن سيرورة النوايا، وعن العلامات التي أهملها العمل الحي الذي تنجزه النية المؤولة للأشكال اللسانية المشتركة.إن تلك العلامات الخارجية، ملحوظة ومثبتة من وجهة النظر اللسانية، لايمكن فهمها ودراستها بدون فهم تأويلها المقصدي."[39]

 

وعلى أي حال، يعبر التنضيد اللغوي عن التعدد الطبقي، والتنوع الهرمي الاجتماعي، فيحدد رؤى الشخصيات إلى العالم، ثم يبرز اختلافها فيما بينها اجتماعيا وطبقيا وإيديولوجيا.

 

أما التهجين (Hybridation) الروائي، فقد يكون إراديا وغير إرادي. وبالتالي، فهو:" مزج لغتين اجتماعيتين داخل ملفوظ واحد، وهو أيضا التقاء وعيين لسانيين مفصولين بحقبة زمنية، وبفارق اجتماعي، أو بهما معا، داخل ساحة ذلك الملفوظ.

 

وهذا المزيج من لغتين داخل الملفوظ نفسه، هو طريقة أدبية قصدية (بدقة أكثر، نسق من الطرائق).لكن التهجين الاإرادي واللاواعي هو إحدى الصيغ الهامة للوجود التاريخي ولصيرورة اللغات. ويمكن القول بوضوح بأن الكلام واللغات، إجمالا، يتغيران تاريخيا عن طريق التشعب لنفس المجموعة اللغوية أو لعدة مجموعات سواء في الماضي التاريخي للغات أو في ماضيهم الإحاثي، ودائما يقوم الملفوظ بدور المرجل في المزج."[40]

 

وللتمثيل، يمكن للروائي البوليفوني أن يستعمل لغتين داخل ملفوظه السردي، كأن يستعمل حوارا داخليا مثلا يتحدث فيه المتكلم المشخص الرئيس ، ولكنه في الوقت نفسه، يرد فيه على شخص أو وعي آخر يستحضره داخل الملفوظ نفسه. بمعنى أن يكون هناك وعي مشخص (بكسر الصاد) ، ووعي مشخص (بفتح الصاد) داخل ملفوظ سردي واحد. بتعبير آخر، لابد أن يحمل ذلك الملفوظ هجنة قصدية واعية ، تحيل على صراع القيم والإيديولوجيات، واختلاف الأفكار، وتباين وجهات النظر.

 

وبعبارة أخرى، يستند التهجين إلى الجدل الخفي، والخلط بين حوارين أحدهما: حوار صريح ، والآخر حوار خفي، يشكلان معا جدلا بين شخصيتين: شخصية حاضرة مشخصة (بكسر الصاد)، وشخصية غائبة مشخصة (بفتح الصاد)، كما يتجلى ذلك واضحا في هذا الحوار الداخلي الذي يرد في شكل جدل خفي:" خضنا منذ أيام حديثا خاصا مع يغستافي إيفانوفيتش، يقال: إن أهم فضيلة في هذا البلد- أن تعرف كيف تجمع النقود.قالوا ذلك على سبيل النكتة(وأنا أعرف أنها نكتة)، الموعظة الأخلاقية هنا هي أنه لايتعين عليك أن تكون عالة على أحد، وأنا من ناحيتي لست عالة على أحد! لدي كسرتي من الخبز الذي آكله، صحيح أنها كسرة خبز بائسة، وأحيانا حتى تكون يابسة، ولكنها موجودة، حصلت عليها بعرقي، واستعملها بطريقة قانونية لاعيب فيها.على كل ما العمل! وأنا نفسي أعرف أنه ليس مما سيبعث على الاعتزاز أن يعمل المرء نساخا أجل، ومع ذلك فأنا فخور بذلك، فأنا أعمل، وأريق عرقي. ولكن ماهو المعيب، في الواقع، في أني استنسخ!وهل يرتكب المرء إثما إذا عمل في الاستنساخ؟" إنه، يزعمون يعمل نساخا!..."

 

أجل، وما المخجل في ذلك؟... على الأقل إني بهذه الطريقة أعي الآن بأني مهم، وأن هناك من هو بحاجة إلي، وأنه ليس في هذا مايبرر إزعاج الإنسان بمثل هذه السخافات، على كل، دعهم يقولون إني جرذ.إذا كانوا قد وجدوا هناك شبها.إن هذا الجزء ضروري، إنه يقدم مايفيد، ثم إنهم يتمسكون بهذا الجرذ، وإنهم ينعمون على هذا الجرذ بمكافأة.هل رأيت أي جرذ هذا!بالمناسبة لقد تحدثنا كثيرا حول هذه المسألة ياعزيزتي.لا أخفي عليك، إني لم يكن في نيتي أن أحدثك حول هذه المسألة غير أني تحمست قليلا.مع ذلك، فإن المرء يشعر بالراحة، وهو ينصف نفسه من وقت لآخر"[41]

 

يلاحظ المتلقي بأن هناك نوعا من التهجين والخلط بين الحوارات والأساليب داخل هذا الكلام الذي ورد في صيغة الأسلوب غير المباشر الحر. كأني بالشخصية المتحاورة تدافع عن نفسها، وترد على الآخرين، وتستحضر كلام الغير، فتفنده بالحجة والدليل والبرهان. ويعني هذا أن كلام الغير حاضر ، ولكن صاحبه غائب. ومن ثم، يبدو أن هذا الحوار هو نوع من الجدل الخفي.

 

أما الأسلبة الروائية، فتقوم على تقليد الأساليب أو الجمع بين لغة مباشرة (أ)، من خلال لغة ضمنية (ب) في ملفوظ واحد[42]، أو الجمع بين أسلوبين : أسلوب معاصر وأسلوب تراثي داخل ملفوظ كلامي واحد، كما نجد ذلك في الكثير من الروايات العربية الحداثية ذات البعد التراثي، كروايتي: " مجنون الحكم"[43] و" العلامة"[44] لبنسالم حميش، ورواية:" الزيني بركات" لجمال الغيطاني[45]، ورواية"جارات أبي موسى" لأحمد توفيق[46]، حيث يقلد هؤلاء الكتاب أساليب السرد التراثي، من أجل تحقيق وظائف فنية وجمالية ودلالية... ومن الأمثلة على ذلك مقطع من رواية:" زمن بين الولادة والحلم" للمبدع المغربي أحمد المديني:" ...وقف الرجل، وأوقف، وبكى واستبكى، وكان موقفا جليلا مهيبا.سيرفع الكرب، يرخى اللجام، ترفع عقيرة مولانا الإمام...وبخ بخ: بلغني، فيما بلغني، وبلغت فيما بلغت، ولقد أبلغت وبلغ لي، وعن السلف الصالح، وغار حراء، وبحار المعرفة السبع، وصلنا أنه ياسيد الرجال، لابد من...(ويغضي من مهابته)...لابد من بناء سور من حديد على الجدران، فتنفس القوم الصعداء..عداء...داء وقام بعدها سيد الناس ليفاجىء الناس: لنشرب الليلة نخب معرفة حكمة الإمام...مام...مام."[47]

 

في حين، تستند الباروديا أو المحاكاة الساخرة :" إلى الحديث بواسطة كلمة الآخرين.ولكنه- بعكس مايفعله في تقليد الأساليب- يدخل في هذه الكلمة اتجاها دلاليا يتعارض تماما مع النزعة الغيرية.إن الصوت الثاني الذي استقر في الكلمة الغيرية.

 

يتصادم هنا بضراوة مع سيد الدار الأصلي، ويجبره على خدمة أهداف تتعارض مع الأهداف الأصلية تماما، الكلمة تتحول إلى ساحة لصراع صوتين اثنين.ولذلك، ففي المحاكاة الساخرة يتعذر امتزاج صوتين، بينما يكون ذلك ممكنا في تقليد الأساليب...من الممكن محاكاة أسلوب الغير محاكاة ساخرة باتجاهات مختلفة، وأن تدخل إليه نبرات جديدة، أما تقليده أسلوبيا فيكون ممكنا، في الحقيقة، في اتجاه واحد فقط- باتجاه وظيفته الخاصة.

 

إن كلمة المحاكاة الساخرة يمكن أن تكون متنوعة لدرجة كبيرة يمكن أن نحاكي محاكاة ساخرة أسلوب الغير بوصفه أسلوبا. يمكن أن نحاكي محاكاة ساخرة طريقة نموذجية على المستوى الاجتماعي أو شخصية على المستوى الفردي، طريقة في الرؤية، في التفكير، في الكلام. بالإضافة إلى ذلك، فإن المحاكاة الساخرة تكون عميقة ، بهذه الدرجة أو تلك، يمكن أن تقتصر المحاكاة الساخرة على الأشكال اللفظية السطحية ، غير أن الممكن كذلك أن تغور هذه المحاكاة الساخرة لتصل إلى المبادىء والأسس العميقة لكلمة الغير.إضافة إلى ذلك، فإن كلمة المحاكاة الساخرة يمكن أن تستخدم من جانب المؤلف بصورة مختلفة: المحاكاة الساخرة تستطيع أن تكون هدفا بذاتها..."[48]

 

ويعني هذا أن المحاكاة الساخرة هي طريقة أسلوبية قائمة على إيراد أساليب الآخرين تضمينا وتناصا وحوارا، ومحاكاتها بطريقة ساخرة قوامها: التناقض، و التضاد ، والسخرية، والكروتيسك، والروح الكرنفالية...وهذا النوع من الأساليب توجد بكثرة في الروايات العربية التراثية الساخرة كرواية:" الزيني بركات" لجمال الغيطاني، ورواية:" مجنون الحكم" لبنسالم حميش...

 

أما الحوار أو الديالوغ البوليفوني، فهو بمثابة حوار مباشر خارجي، يستلزم تعدد الشخصيات، واختلاف المواقف والأفكار، وتصارع الإيديولوجيات.وفي المقابل، يتم الحديث عن الحوار الداخلي (المنولوج)، والحوار الصامت الدال على الصمت والسكوت والحذف والإضمار.

 

وهناك أيضا ما يسمى بالعبارات المسكوكة (les expressions figées)، ويقصد بها تلك العبارات التراثية المأثورة والمتوارثة جيلا عن جيل، كالأمثال والحكم والعبارات المسنونة بدقة وإحكام ، مثل:" مات حتف أنفه"، و" من جد وجد ومن زرع حصد". ومن هنا، " يحتوي التراث على مجموعة من التراكيب المسكوكة.أي: بنيات لغوية ثابتة ذات قوالب مستقرة.وتوجد التراكيب المسكوكة التي يطلق عليها أحيانا مصطلح العبارة الجاهزة (Ready mode expressions) في اللغة، مثل: صيغة التعجب، أو في اقتران بعض الكلمات بعضها ببعض.ويطلق عليها أحيانا اسم الكليشيه، فتكون مضافا ومضافا إليه، مثل قولك: "سخرية القدر"، أو فعلا ومفعولا، مثل: "ولاه دبره" أو فعلا وشبه جملة، مثل: "أسقطه من حسابه"، وهلم جرا. غير أن هناك نوعية أخرى من التراكيب المسكوكة النابعة من النصوص الأدبية، والتي انتشرت بين الناطقين باللغة.وهي مجموعة من الكلمات تدخل في علاقات سياقية ثابتة لايجوز تغييرها أو تبديلها، فإن القالب أو الشكل الذي تأتي عليه، هو الطابع المميز لها، فإذا استقلت الوحدات، فقد التركيب المسكوك طابعه المميز.لأن خبرة القارىء بهذه التراكيب المسكوكة خبرة تعرف لاخبرة معرفة.ويقول ميكائيل ريفاتير :إن صفة الكليشيه الأساسية أنه يثير في القارىء الإحساس بأنه شاهد من قبل.إنه ممضوغ.إنه متحجر.ومن هذا الإحساس يستخلص ريفاتير أن كل كلمة على حدة لا تعني شيئا."[49]

 

زد على ذلك، فللعبارات المسكوكة وظائف عدة: جمالية، ونفسية، وأخلاقية، وتأثيرية، وتناصية...ومن ثم، تثير التراكيب المسكوكة حسب ميكائيل ريفاتير:" ردود فعل جمالية وخلقية وتأثيرية في نفس القارىء، تتميز هذه التراكيب بمميزات الظاهرة الأسلوبية، من حيث إنها تسترعي انتباه القارىء في لحظة تعرفه عليها، غير أنها تدخل أيضا، في كثير من الأحيان، في نسق بلاغي، مثل التمثيل أو الاستعارة أو المبالغة او المفارقة.أما من حيث تفاعلها داخل السياق، فإنها تدخل في علاقة تضاد مع السياق، من حيث إنها مستعارة من كتاب معاصرين للكاتب."[50]

 

وهناك ظاهرة الأجناس التعبيرية المتخللة، ويعني هذا أن الرواية قد تتخلها أجناس أدبية صغرى أو كبرى، كالحكاية الشعبية، أو الخرافة، أو الأسطورة، أو الأمثال، أو الشعر، أو المسرح، أو الرحلة، أو الرسالة، أو الخطبة، أو قصصات الصحافة والإعلام...إلخ

 

وعليه، فاللسانيات الخارجية هي التي تنصب على الحوارية بالدرس والفحص والتمحيص؛ لأن اللغة حسب باختين ذات طابع مادي حواري. ومن ثم، فالخطاب المعروض في الخطاب الروائي قد يكون عبارة عن حوار مباشر (أحادي الصوت) ، أو يكون خطابا بوليفونيا متعدد الأصوات.

 

6- تعدد المنظورات السردية:

تتعدد المنظورات السردية في الرواية البوليفونية، حيث ينتقل الكاتب من وجة نظر إلى أخرى، حيث ينطلق من الرؤية من الخلف ليمر إلى الرؤية الداخلية. وبعد ذلك، يستعمل الرؤية من الخارج. كما ينوع الضمائر السردية، حيث يشغل ضمير الغائب، فضمير المتكلم، ثم ضمير المخاطب. أو ينتقل من السارد الواحد إلى السارد المتعدد، كما ينتقل من السارد المطلق إلى السارد النسبي والسارد الشاهد، أو يتأرجح بين سارد حاضر وسارد غائب، أو بين سارد مشارك وسارد محايد. وكلما تعددت وجهات النظر، واختلفت المنظورات السردية، وتعددت الضمائر ، وتنوع الرواة والسراد، كانت الرواية أقرب إلى الرواية الحوارية منها إلى الرواية التقليدية ذات الصوت الواحد.

 

ومن النماذج الروائية التي انشغلت كثيرا بتقنية تعدد الرواة والسراد نذكر رواية:" لعبة النسيان" لمحمد برادة، حيث يقول على لسان راوي الرواة:" لعلني تسرعت في الإفضاء بتأملاتي هذه حول ما حكاه لنا رواة هذا الفصل.وقد لايكون ذلك هو ماقصد إليه الكاتب لأن التعليقات التي أثبتها على الهوامش، تلح كثيرا على أن الزمان لايوقر أحدا، وأنه غير مطمئن إلى الطريقة التي تصور بها علاقة الطايع بالهادي. وفي رأيه- إذا جاز لي أن أغامر بالاستخلاص-أن استقصاء الحالات وتشخيصها، عملية لاتقف عند حد: فكلما توخينا الدقة، كلما اتسعت الدائرة، وبرزت عناصر أخرى لاتخلو من تأثير.فتتوالد افتراضات تتقاطع مع الأولى.من ثم، فإن أوراق ملحقة، تشتمل على بلاغات وخطب وقصاصات صحف، وربورتاجات مستنسخة عن الإذاعة... فوجدتني محتارا عند الاختيار.لذلك، آثرت أن أكتفي، هنا، بإيراد عينة فقط من تلك الأوراق الملحقة..."[51]

 

ويعني هذا أن محمد برادة في روايته:" لعبة النسيان" يوظف أنواعا عدة من الرواة كراوي الرواة ، والرواة الفرعيين، والسراد، وكل ذلك من أجل خلق رواية بوليفونية حقيقية.

 

6- البناء المركب:

يقترن البناء المركب بظاهرة الأجناس التعبيرية المتخللة، ويعني هذا أن الرواية قد تتخلها أجناس أدبية صغرى أو كبرى، كالحكاية الشعبية، أو الخرافة، أو الأسطورة، أو الأمثال، أو الشعر، أو المسرح، أو الرحلة، أو الرسالة، أو الخطبة، أو قصصات الصحافة والإعلام...إلخ

 

ومن ثم، يستند البناء في الرواية البوليفونية إلى دمج العناصر المتناقضة والمتنافرة جدليا داخل إطار سردي متكامل ذي وحدة موضوعية وعضوية. ويعني هذا أنه لابد من إيجاد تعددية سردية وفنية لتركيب العمل الروائي، كأن يستدمج هذا العمل – مثلا- مجموعة من الأجناس والأنواع والأنماط الأدبية وغير الأدبية ، فيصهرها داخل بوتقة فنية وجمالية متعددة الأصوات والبنى التركيبية. بالإضافة إلى ذلك، " فإن تركيب السرد نفسه - سواء قدم هذا السرد بواسطة المؤلف أو بواسطة الراوي أو بواسطة إحدى الشخصيات- يجب أن يكون التركيب مغايرا تماما لما هو عليه في الروايات ذات الطبيعة المونولوجية.إن ذلك الموقف الذي ينطلق منه القص أو يستند إليه التصوير، أو يصدر عنه الإخبار، هذه المواقف يجب أن تكون قد تحددت في ضوء الموقف من هذا العالم الجديد- عالم الذوات المتساوية الحقوق، لاعوالم الموضوعات. والكلمة التي تقص، وتصور، وتخبر، يجب أن تعالج علاقة ما جديدة تجاه مادتها.

 

وهكذا، فإن جميع عناصر البنية الروائية عند دويستفسكي ذات خصوصية كبيرة جدا. إنها تتحدد جميعها بتلك المهمة الفنية الجديدة التي استطاع دويستفسكي وحده أن يطرحها، ويحلها بكل ماتنطوي عليه من عمق وسعة: مهمة بناء عالم متعدد الأصوات، إلى جانب تحطيم الأشكال القائمة للرواية الأوروبية المونولوجية(المتجانسة) في الأصل."[52]

 

ويعني هذا أن جنس الرواية بالمفهوم البوليفوني يحوي مجموعة من الأجناس والأنواع والأنماط الفرعية التي تتخلل الجنس الرئيس تعضيدا وتركيبا وتأليفا وإنشاء وشعرية. وللتوضيح أكثر، كأن تتضمن الرواية قصائد شعرية، وأهازيج ، وموشحات، وحكايات، وأساطير، ونصوصا وصفية، وقصاصات الصحف، ومسرحيات، ولقطات سينمائية، ولوحات تشكيلية، ومقاطع نقدية، وخطبا، ورسائل، وطلاسم السحر والشعوذة، والمقالة، والتاريخ، كما يتجلى ذلك واضحا في رواية:" الزيني بركات" لجمال الغيطاني...ويسمى كل هذا بالأجناس التعبيرية المتخللة (بكسر اللام الأولى)

 

7- التناص الحواري:

إذا كانت جوليا كريستيفا (Julia kristeva) ، بمافيها جماعة تيل كيل (Tel Quel)، قد اهتمت كثيرا بالتناص (Intertextualité)، فإن الشكلانيين الروس هم الذين سبقوا إلى طرح هذا المفهوم، ولاسيما ميخائيل باختين الذي بلور ه في كتابه" شعرية دويستفسكي" بشكل جلي، وذلك ضمن حديثه عن الحوارية والباروديا والأسلبة ضمن تنظيره للرواية البوليفونية. وقد ربط باختين التناص بتداخل النصوص داخل ملفوظ حواري معين. لذا، استخدم مصطلحي " الحوارية" و" البوليفونية" للإحالة على مصطلح التناص الذي استخدمته جوليا كريستفا.

 

هذا، وينبني التناص الحواري على التضمين، والاقتباس، والمعارضة، الاستشهاد، وتوظيف النص الغائب، واستحضار كلام الغير نقلا وامتصاصا وتفاعلا وحوارا...

 

8- الفضاء الكرونوطوبي:

يرتبط الفضاء الكرونوطوبي داخل الرواية البوليفونية بالباحث الروسي ميخائيل باختين (Mikhaïl Bakhtine)، ويعتمد على إدماج الزمان في المكان لتشكيل فضاء واحد يسمى بالفضاء الزمكاني .ويتسم هذا الفضاء بالوحدة والتناسق والتداخل العضوي، ومن الصعب بمكان الفصل بينهما كما كان يفعل علماء الطبيعة في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر الميلاديين .ومن ثم، يرى ميخائيل باختين بأن الكرونوطوب (Chronotope) :" يعين الوحدة الفنية للعمل الأدبي في علاقاته مع الحقيقة، كما يتضمن أيضا وباستمرار مكونا أساسيا، بحيث لايمكن عزله عن مجموعة " الكرونوطوب" الأدبي إلا بتحليل تجريدي، ذلك أنه في الفن والأدب عموما، كل التعريفات الزمكانية (Spatio-temporeles) هي غير منفصلة عن بعضها، وتحمل دائما قيمة انفعالية ، إن التفكير على مستوى التجريد يمكن بالتأكيد أن يتأمل الزمان والمكان منفصلين، ويقصي القيم الاستعمالية، إلا أن المتأمل الحي (الذي يعنى بالتأمل الرزين غير المجرد) في أي عمل فني، لا يجزىء شيئا، ولايقصي شيئا، إنه : أي التفكير الحي يضبط الكرونوطوب في كليته واكتماله.ذلك، أن الفن والأدب مشبعان بالقيم الكرونوطوبية في مختلف الدرجات والأبعاد، وكل باعث أو مكون أساسي في أي عمل فني ينبغي أن يقدم مثلما تقدم أي قيمة من قيمه."[53]

 

ويعني كل هذا أن الكرونوطوب يتحقق دائما في العمل الأدبي والفني، وذلك بحضور المؤشرات الزمانية والمكانية التي تحقق للنص أو الخطاب اتساقه العضوي وانسجامه الدلالي. ويرى الباحث المغربي محمد منيب البوريمي أن ميخائيل باختين أخذ مصطلح كرونوطوب من العلوم الصلبة كما في قوله: " لعل ميخائيل باختين، حين صاغ أو اقترض- من العلوم الصلبة- مصطلحه النقدي المشهور (كرونوطوب)، واستنبته في مجال النقد الأوروبي الحديث، قد ضمنه إلى جانب البعد المعجمي للكلمة (الحجم والكثافة)، مفهوم السيولة والاندلاق، الشيء الذي جعل الكلمة متصلا رباعي الأبعاد كما في تصور النظرية النسبية الخاصة التي تعتبر المكان والزمان غير قابلين للفصل موضوعيا."[54]

 

بيد أن ميخائيل باختين أخذ هذا المصطلح من علم الموسيقى ، ويعني الكرونوطوب في هذا الميدان تعدد الأصوات والأنغام. ومن ثم، استعمله في النقد الأدبي ليدل على تعدد الشخصيات، وتعدد الأطروحات الفكرية، وتعدد المواقف الإيديولوجية، وتعدد اللغات والأساليب.

 

6- فضاء العتبة:

من المعلوم أن فضاء العتبة (Seuil) في الرواية البوليفونية هو فضاء الصدمات والأزمات والمشاكل العضوية والنفسية. بمعنى أن الأماكن التي يعيش فيها البطل أو التي ينتقل عبرها هي أماكن موحشة وعدوانية، تثير الاشمئزاز والقلق والغثيان والموت. وبتعبير آخر، ففضاء العتبة هو فضاء الكوارث التي تعصف بالإنسان المقهور داخل مجتمع محبط ، تنعدم فيه القيم الأصيلة، وتهيمن عليه العلاقات التشييئية الرأسمالية، حيث تتحول القيم المعنوية أو الكيفية إلى قيم مادية واستعمالية قائمة على الغرضية والمنفعة والتبادل. وقد يكون هذا الفضاء عبارة عن فضاءات مفتوحة كالساحات أو الممرات أو العتبات الوسيطة التي تفصل الداخل عن الخارج. وترتبط بهذه الفضاءات أزمات خانقة تؤثر سلبا على حياة البطل، وتشكل موقفه الإيديولوجي من العالم، وتحدد مصيره في ضوء مصائر الآخرين الذين يعيشون معه في نفس العالم المحيط به.أما الزمان الذي يندغم فيه ذلك البطل المقهور، فهو زمن مشحون بالتوتر والقلق والسأم والتأزم والصراع التراجيدي. وهنا، نتحدث عن بطل يسمى بالشخصية غير المنجزة.أي : شخصية قلقة ومنهارة ومتضعضعة. وبالتالي، فهي غير منجزة حدثيا، وغير مستقرة في حياتها. وتعتبر روايات دويستفسكي ، كرواية : "الجريمة والعقاب"، ورواية:" الإخوة كرامازوف"، من الروايات المتعددة الأصوات (البوليفونية) التي سبقت إلى توظيف هذا النوع من الفضاء الإشكالي، كما يرد هذا النوع من الفضاء في الهجائيات المينيبية التي تأثر بها دويستفسكي كثيرا. وفي هذا الصدد، يقول ميخائيل باختين:" إنه، في الحقيقة، وصف صائب تماما للطريقة التكوينية لبناء المنيبية الخيالية.بالإضافة إلى ذلك، فإنه هذا الوصف يمكن أن يعم، باستثناء حالات قليلة، على كل المنهج الإبداعي عند دويستفسكي.إن دويستفسكي لايستخدم أبدا، تقريبا، في أعماله الزمن البيوغرافي التأريخي المستمر نسبيا. أي: الزمن الروائي بمعنى الكلمة.إنه يقفز من خلاله، إنه يركز الحدث في نقاط الأزمات، والانعطافات، والكوارث، حيث تصبح اللحظة معادلة من حيث قيمتها الداخلية لـ" بليون سنة".أي: إنها تفقد حدودها الزمانية.كذلك، إنه يقفز، في الحقيقة، عبر المسافة، ويركز الحدث فقط في نقطتين اثنتين: على العتبة (عند الباب، عند المدخل، عند السلم، في الممر إلى غير ذلك)، حيث تقع الأزمة والانعطاف، أو في الساحة، التي يستعاض عنها عادة بغرفة الاستقبال (صالة، مطعم)، حيث تقع الكارثة أو الخصومة.هكذا، هو بالضبط مفهومه الفني حول الزمان والمكان.إنه يقفز غالبا عبر حالة المماثلة للحقيقة، التجريبية والتفصيلية، وعبر المنطق العقلي. ولهذا، كان صنف المنيبية قريبا من نفسه."[55]

 

ونفهم من هذا أن دويستفسكي قد وظف فضاء العتبة ضمن رواياته البوليفونية أو المتعددة الأصوات، وتأثر في ذلك بالهيجائيات المينيبية. ومن ثم، فلم يكن دويستفسكي يلتزم في رواياته الواقعية أو النفسية بالتعاقب الزمني الكرونولوجي، أو يلتزم بالخط الزمني المتسلسل من الحاضر نحو المستقبل، بل كان يقفز على الزمن البيوغرافي، ويختار منه اللحظات الحاسمة المؤرقة للإنسان، ولاسيما اللحظات المأساوية المبنية على الأزمات و"العواصف" والكوارث والخصومات. كما يرتبط هذا الزمان التراجيدي بأمكنة عدوانية مفتوحة، تحدد جدلية الداخل والخارج، وجدلية الذات والموضوع، وجدلية الأنا والغير، وجدلية الكائن والممكن، وجدلية الانغلاف والانفتاح... ويعني هذا أن البطل يعيشه قلقه الوجودي بين الأمكنة المحاصرة، ويعيش ضياعه واغترابه الذاتي والمكاني في ساحات الصراع الذاتي والموضوعي ،بعيدا كل البعد عن الفضاءات الراقية المغلقة كالقصور والمطاعم وصالات الرقص.

 

وهكذا، يرى ميخائيل باختين:" بأن الفضاء الروائي يكتسي من خلال تداخل مكوناته- في أحيان كثيرة- طابعا رمزيا، فهناك الفضاء الخارجي، والفضاء الداخلي، وهناك الفضاء المغلق والفضاء المنفتح، والفضاء الحميمي والفضاء المعادي، بل إن باختين بعد دراسته القيمة لإنتاج دويستفسكي، لاحظ أنه استعمل في رواياته فضاء رمزيا خاصا، بعيدا عن الصالونات، وحجرات الأكل ، وقاعات الاحتفالات، وغرف النوم.هذا الفضاء الخاص الذي وظفه دويستفسكي في إنتاجه الروائي، سماه باختين : الفضاء العتبة le) seuil)، وهو فضاء يتمثل في المداخل والممرات والأبواب والنوافذ المشرعة على الشوارع، كما أنه فضاء يتمثل في الحانات والأكواخ والقناطر والخنادق والبواخر والسيارات والقطارات.وبعبارة أوضح: إن فضاء العتبة- كما يرى باختين- يمثل المواقف، والأفكار، والأشخاص الذين يعيشون بين/بين، كما أن الزمن الموجود في العتبة هو زمن أزمة (Temps des crises)؛ لأنه مشحون بالتوتر والقلق والاضطراب وطرح الأسئلة المصيرية."[56]

 

ومن هنا، يتأرجح فضاء العتبة بين الداخل والخارج، وبين المغلق والمنفتح. وبالتالي، يجسد تمزق الشخصية غير المنجزة، وتآكلها داخل فضاءات الأزمات الخانقة الوسيطة.

 

7- الفضاء الكرنفالي:

يمكن الحديث عن فضاء آخر توظفه الرواية المتعددة الأصوات (الرواية البوليفونية)، أو ما يسمة أيضا بالرواية الحوارية (الديالوجية)، كما يتضح ذلك جليا عند الروائي الروسي دويستفسكي، ويسمى هذا الفضاء بالفضاء الكرنفالي. ويقوم هذا الفضاء على الكروتيسك، والتشويه، والقبح، والجمع بين الأضداد والمتناقضات، والتأرجح بين الجد والهزل، والانطلاق من المحاكاة الساخرة، وتشغيل الباروديا والضحك، وتوظيف السخرية، والإكثار من النقد الهجائي، وتشغيل الأقنعة والرموز والعلامات الدالة، والتحرر من الطبقية والأعراف والقوانين والقواعد الرسمية، والانتقال من الكوميديا إلى التراجيديا، والعكس صحيح أيضا...

 

وغالبا مايرتبط الفضاء الكرنفالي - مكانيا - بالساحة الشعبية العمومية التي تتجمع في داخلها المتناقضات الاجتماعية (السامي والسافل، والغني والفقير، والراقي والمنحط، والمؤمن والمحلد...). ومن جهة أخرى، يرتبط الفضاء الكرنفالي – زمانيا- بالحفلات الدينية ومواسم الطقوس والشعائر والأسرار الدينية. كما يتسم الفضاء الكرنفالي بمجموعة من السمات والمقومات، مثل: الغرابة ، والشذوذ، والفنتازيا، والارتجال، والاحتفال، والحميمية، والإنسانية، والشعبية، والانفتاح، والغيرية، والحوارية، والجدلية، والتنكر، والمجون...

 

تركيب واستنتاج:

وعليه، يتبين لنا- مما سبق- بأن الرواية البوليفونية- حسب ميخائيل باختين- هي رواية متعددة الأصوات واللغات واللهجات والأساليب، كما أنها رواية منفتحة قائمة على التناص الحواري، وتعدد الخطابات، وتفاعل الأجناس الأدبية والفنية، وتلاقح اللغات واللهجات؛ مما يجعل هذه الرواية تستجمع جميع الأصوات واللغات واللهجات الاجتماعية، لتعبر بكل حرية وديمقراطية عن وجهات نظرها ، مع حضور المؤلف الوهمي الذي يتنازل بشكل من الأشكال عن سلطته لراوي الرواة، أويتنازل للسراد المتعددين، أو يتنازل للشخوص لتعبر عن عوالمها الداخلية ومواقفها تجاه الموضوع.

 

إذاً، تنبني الرواية البوليفونية على التعدد اللغوي والتجريب البوليفوني . وبهذا، تكون هذه الرواية مختلفة أيما اختلاف عن الرواية المنولوجية التي تستند إلى الأحادية في كل شيء: لغة، وأسلوبا، وفكرة، ومنظورا، وإيديولوجية، وضميرا، وصوتا... زد على ذلك، فقد استفادت الرواية العربية الجديدة سواء أكانت تجريبية أم تراثية بشكل من الأشكال من الرواية البوليفونية تصورا وصياغة ورؤية وتشكيلا.

 

[1] محمد برادة: لعبة النسيان، دار الأمان، الرباط، المغرب، طبعة2003م.

[2] ميخائيل باختين: شعرية دويستفسكي، ترجمة: الدكتور جميل نصيف التكريتي، دارتوبقال للنشر، الدار البيضاء، المغرب، الطبعة الأولى سنة 1986م، ص:59.

[3] ميخائيل باختين: شعرية دويستفسكي،ص:88.

[4] B.Uspenski: Poetics of composition, traduction.CL.Kahn, Poétique9, 1972, P.10

[5] R.Scholes and R.Kellog: The nature of narrative, Oxford University Press, 1966, P.276.

[6] ميخائيل باختين: شعرية دويستفسكي، ترجمة: الدكتور جميل نصيف التكريتي، دارتوبقال للنشر، الدار البيضاء، المغرب، الطبعة الأولى سنة 1986م.

[7] M.Bakhtine:Esthétique et théorie du roman,Gallimard,Paris,ED.1978.

[8] ميخائيل باختين: الماركسية وفلسفة اللغة، دارتوبقال للنشر، الدار البيضاء، المغرب، الطبعة الأولى سنة 1986م.

[9] أ.ف.تشيتشرين: الأفكار والأسلوب دراسة في الفن الروائي ولغته، ترجمة: د.حياة شرارة، منشورات وزارة الثقافة والفنون، العراق، طبعة 1978م.

[10] ميخائيل باختين: شعرية دويستفسكي، ص:396.

[11] ميخائيل باختين: شعرية دويستفسكي،ص:24.

[12] ميخائيل باختين: شعرية دويستفسكي،ص:27.

[13] ميخائيل باختين: شعرية دويستفسكي،ص:30.

[14] ميخائيل باختين: شعرية دويستفسكي،ص:32.

[15] ميخائيل باختين: شعرية دويستفسكي،ص:47.

[16] ميخائيل باختين: شعرية دويستفسكي،ص:54.

[17] ميخائيل باختين: شعرية دويستفسكي،ص:56.

[18] B.Uspenski: Poetics of composition, traduction.CL.Kahn, Poétique9, 1972, P.11.

[19] Tzvetan Todorov : Mikhail Bakhtine :Le Principe dialogique.Seuil.1981.

[20] Julia kristeva: Séméiotiké,pour une sémanalyse,Seuil,Paris,1969.

[21] د.حميد لحمداني: أسلوبية الرواية، منشورات دراسات سال، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، الطبعة الأولى سنة 1989م.

[22] د.سيزا قاسم: بناء الرواية، دار التننوير للطباعة والنشر، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى سنة 1985م، صص:177-194.

[23] محمد برادة: أسئلة الرواية وأسئلة النقد، شركة الرابطة، الدار البيضاء، الطبعة الأولى سنة 1996م.

[24] عبد الحميد عقار: الرواية المغاربية: تحولات اللغة والخطاب، شركة النشر والتوزيع،المدارس، الدار البيضاء، الطبعة الأولى 2000م.

[25] د.عبد الله حامدي: الرواية العربية والتراث: قراءة في خصوصية الكتابة، مؤسسة النخلة للكتاب، وجدة، الطبعة الأولى سنة 2003م.

[26] الحبيب الدائم ربي: الكتابة والتناص في الرواية العربية، منشورات اتحاد كتاب المغرب، الطبعة الأولى 2004م.

[27] ميخائيل باختين: شعرية دويستفسكي، ص:158-159.

[28] ميخائيل باختين: شعرية دويستفسكي، ص:163.

[29] ميخائيل باختين: شعرية دويستفسكي، ص:167.

[30] ميخائيل باختين: شعرية دويستفسكي،ص:117.

[31] ميخائيل باختين: شعرية دويستفسكي،ص:33.

[32] ميخائيل باختين: شعرية دويستفسكي،ص:34.

[33] ميخائيل باختين: شعرية دويستفسكي،ص:11.

[34] ميخائيل باختين: شعرية دويستفسكي،ص:19-20.

[35] ميخائيل باختين: نفس المرجع السابق،ص:67.

[36] ميخائيل باختين: نفس المرجع السابق، ص:10-11.

[37] ميخائيل باختين: نفس المرجع السابق، ص:9.

[38] ميخائيل باختين: نفس المرجع السابق ،ص:111.

[39] ميخائيل باختين: الخطاب الروائي، ترجمة: محمد برادة، دار الأمان، الرباط، المغرب، الطبعة الثانية سنة 1987م، ص:54.

[40] ميخائيل باختين: الخطاب الروائي، ص:108.

[41] ميخائيل باختين: نفس المرجع السابق ، ص:302-303.

[42] د.حميد لحمداني: أسلوبية الرواية، ص:88.

[43] بنسالم حميش: مجنون الحكم، دار رياض الريس، لندن، 1990م.

[44] بنسالم حميش: العلامة، دار الآداب، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى سنة 1997م.

[45] جمال الغيطاني: الزيني بركات،دار الشروق،الطبعة الرابعة ، 2009م.

[46] أحمد توفيق: جارات أبي موسى،منشورات دار القبة الزرقاء، الطبعة الثانية، سنة2000م.

[47] أحمد الميني: زمن بين الولادة والحلم، دار النشر المغربية، طبعة 1976م، ص:71.

[48]- ميخائيل باختين: نفس المرجع السابق ،ص:282-283.

[49] د.سيزا قاسم: روايات عربية، وروايات مقارنة، شركة الرابطة، الدار البيضاء، المغرب، الطبعة الأولى سنة 1997م، ص:20-21.

[50] د.سيزا قاسم: روايات عربية، وروايات مقارنة، ص:22.

[51] محمد برادة: لعبة النسيان، ص:80.

[52] ميخائيل باختين: نفس المرجع السابق ،ص:12.

[53] Mikhaïl Bakhtine: Esthétique et théorie du roman, Edition Gallimard1978,Paris,p:384.

[54] محمد منيب البوريمي: الفضاء الروائي في الرواية المغربية الحديثة، منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة محمد الأول، وجدة، رقم 52، سلسلة بحوث ودراسات، رقم:15، 40.

[55] ميخائيل باختين: نفس المرجع السابق ، 219-220.

[56] محمد منيب البوريمي: الفضاء الروائي في الغربة: الإطار والدلالة، ص:22-23.

 

 

 

صحيفة الأمة " PDF "

روح الشعر

 

  عبدالحفيظ حسن الخزان   أنا طفلٌ يمنيٌ ظامي...
  معاذ الجنيد   البرُّ والبحرُ والأجواءُ...

فكر و نقد

فنون و تشكيل

لقاءات و استطلاعات ثقافية

عرض كتاب