الإثنين, 18 تشرين2/نوفمبر 2019  
20. ربيع الأول 1441

تحليلات و ملفات ساخنة

 المثقف.. وضرورة التحديث الذاتي

 

 

 

 

 

علي عبيد

 

 

 

 

هل يحتاج المثقف إلى عملية تحديث لمخزونه الثقافي بنوعيه الأصيل والمكتسَب؟ أم هو يختلف عن الآخرين ولا يحتاج إلى أن يجدّد رصيده المعلوماتي وقناعاته التي يرتكز عليها في طرح أفكاره وما شابه؟.

إذا قال المثقف إنه ليس بحاجة لعملية تحديث تشمل أفكاره وقناعاته ومعلوماته وغيرها، هذا يعني أنه اكتسب درجة الإشباع في هذا الجانب لدرجة أن قناعاته لم تعد قابلة للتغيير، وبذلك يكون قد ارتكن تماماً إلى قاعدته المعلوماتية والفكرية التي اكتسبها في الماضي مضافاً إليها قدراته الذاتية في هذا المجال.

ولكن هل يمكن أن يبقى المثقف حبيساً لمخزونه الماضي، وهل إن خطوة رفضه أو ابتعاده عن تحديث هذا المخزون بما يتوافق ومستجدات الراهن المتجدد أبداً، تصب في الاتجاه الصحيح؟.

 

 

إن المثقف هو ابن ثقافة المحيط ومحركها ومنتجها في آن، وطالما أن الثقافة ينبغي أن تتصف بالتحرك الحيوي الدائم بما يتواءم ومستجدات العصر، فلا بد أن يكون منتجها متصفاً بهذا الشرط، طالما إنه أحد عناصر إنتاج الثقافة وتحديثها في الوقت نفسه، بكلمة أخرى، لا يمكن الوصول إلى ثقافة متحركة من خلال منتج ساكن أو قارّ أو ينتسب إلى قاعة معلومات وقناعات وأفكار سالفة الحضور والفعل في ساحة الماضي.

 

 

وهكذا يكون الربط بين الثقافة والمثقف عضوياً قائماً على الترادف الدائم بين الطرفين، فالمثقف القار (المقتنع) سيسهم بثقافة مقتنعة ومعتدّة بذاتها وغالباً ما تكون رافضة للتحديث والتفاعل مع غيرها من الثقافات ويكون لديها من الحجج والتبريرات ما يكفي لدعم موقفها كالحفاظ على الهوية وما شابه، أما العكس (المثقف الحيوي) فإنه سيسهم في صناعة وتحديث ثقافة (حيوية) لها القدرة على التجدد والانفتاح والتفاعل المقترن بالحفاظ على الذات الثقافية التي تميزها عن غيرها لا من باب التفضيل المطلق، (فتصبح ثقافة متعالية ومعزولة) بل من باب التفرد المتكافئ مع الثقافات الأخرى.

 

 

ولكن يبقى السؤال قائماً، مَنْ من المثقفين أكثر قدرة من غيره على الإسهام في تحديث الثقافة ونقلها من حالة النكوص أو السبات أو الخمول (والاعتداد المتعصب بالذات) إلى حالة النمو والانفتاح والتحاور وإثبات الذات من خلال التحديث الإيجابي المتواصل لركائزها ومقوماتها كافة؟، بطبيعة الحال سيقع الاختيار على المثقف الحيوي الذي يقبل التحديث بل ويُقبل عليه ويبحث عنه من أجل أن يطوّر مخزونه وأدواته كافة لكي يكون مثقفاً معاصراً وبالتالي قادراً على الإسهام في بناء ثقافة معاصرة متطورة واثقة ومتفاعلة مع الثقافات الأخرى.

 

 

من هنا تبدو ضرورة التحديث الذاتي للمثقف بالغة الأهمية، والمقصود بالتحديث الذاتي، هو الجهد الفردي الذي ينبغي أن يبذله المثقف من أجل تطوير قناعاته ومعلوماته وركائزه الثقافية كافة، وينسحب هذا على وجوب الاطلاع المتواصل على طرق وآليات الاتصال الحديثة، كالإنترنت والطباعة وهضم معلومات الحاسبات وما يتعلق بذلك، ناهيك عن التواصل بصورة مباشرة مع العالم الآخر (الثقافات الأخرى) والاطلاع على سماتها ومقوماتها وقناعاتها أيضاً، ليس من أجل المقارنة بين ثقافة المثقف وتلك الثقافات فحسب وكشف نقاط الضمور وما شابه، بل من أجل العمل على فتح منافذ الاتصال والتحاور المتبادل بما يفيد الثقافات الإنسانية بعيداً عن لغة التسيّد الثقافي لثقافة دون غيرها.

 

 

كما تبرز هنا خطوات هامة أخرى تتعلق بالجهد الذي ينبغي أن يُبذل من لدن المعنيين (رسميين أو أهليين) في مجال التحديث الثقافي للفرد وللثقافة ذاتها، بمعنى أن الجهد الفردي للمثقف لن يكون بمقدوره تحريك الثقافة إلى أمام، بل يتطلب الأمر تعاضداً جماعياً (رسمياً) ممثلاً بالجهد الحكومي المخطط له سلفاً في هذا المجال مضافاً إليه الجهد الأهلي ممثلاً بالمنظمات والمؤسسات الثقافية التي لا تعتمد في أنشطتها وعموم حراكها على الدعم الحكومي، بل ثمة المنافذ التي تستطيع أن تغذيها بالموارد اللازمة والداعمة لعموم أنشطتها.

 

 

وبهذا فإن القول بضرورة التحديث الثقافي الذاتي للفرد المثقف سيصب في الطريق السليم لتحديث الثقافة ذاتها وجعلها أكثر قوة وحيوية وثباتاً.

 

 

 

 

صحيفة الأمة " PDF "

روح الشعر

 

  عبدالحفيظ حسن الخزان   أنا طفلٌ يمنيٌ ظامي...
  معاذ الجنيد   البرُّ والبحرُ والأجواءُ...

فكر و نقد

فنون و تشكيل

لقاءات و استطلاعات ثقافية

عرض كتاب