الإثنين, 09 كانون1/ديسمبر 2019  
11. ربيع الآخر 1441

تحليلات و ملفات ساخنة

 

رحلة الصين: طريق الحرير.. طريق الحوار

 

 

 

 

 

 

هشام علي

 

 

 

 

 

في العاشر من سبتمبر 2014م انعقد في بكين منتدى وزراء الثقافة العرب ووزير الثقافة الصيني.. وكان الموضوع الرئيسي للمنتدى هو التبادل الثقافي والحوار الحضاري بين الصين والعالم العربي، ودور طريق الحرير في تحقيق هذا التبادل منذ أكثر من ألفي عام.

 

وفي كلمة افتتاح المنتدى، طرح وزير الثقافة الصيني، السيد تساي وو بعض القضايا المهمة التي يسعى المنتدى لتحقيقها ومناقشتها، مشيراً إلى أهمية طريق الحرير ودوره التاريخي في تحقيق التواصل والحوار بين الصين والعالم العربي.

 

يتجذر تاريخ الحوار الحضاري والتبادل الثقافي بين الصين والعالم العربي في أعماق الزمان, حيث أسهم طريق الحرير في تعزيز التبادلات التجارية والإنسانية والثقافية بين الجانبين كما أثر في انتشار علوم التقويم والرياضيات والطب العربي في الصين.

 

وذكر الوزير الصيني أهمية الآداب العربية التي انتقلت إلى الصين واستوعبتها الثقافة الصينية، فكتاب ألف ليلة وليلة مثلاً أشهر من أن يوصف لدى كل عائلة صينية، كذلك نقلت الحضارة الصينية أهم إنجازاتها الثقافية والعلمية إلى القارة الأوروبية عبر المنطقة العربية.

 

وتحدث الوزير عن المشروع الكبير الذي طرحه الرئيس الصيني شي جينبنغ المتمثل في العمل المشترك لإنشاء (الحزام الاقتصادي لطريق الحرير) و(طريق الحرير البحري في القرن الواحد والعشرين) وهو مشروع استراتيجي كبير يهدف إلى تحقيق التنمية والنهوض للبلدان التي تقع على طريق الحرير التاريخي، ويلعب التعاون والتبادل الثقافي دوراً رائداً في بناء (الحزام والطريق) بين الصين والدول العربية, حيث يساهم هذا التبادل الثقافي في دفع الاستفادة المتبادلة والتنمية بين الحضارتين الصينية والعربية، كما يساهم في توطيد وتقوية الروابط بين الشعوب العربية والشعب الصيني.

 

ويساهم هذا التبادل الثقافي في تعزيزالتفرد الدولي للصين والدول العربية، ويبرز مكانة الثقافة ودورها في تنافس القدرات الوطنية، ويبرز مكانة الثقافة ودورها في تنافس القدرات الوطنية الشاملة في العالم الراهن.

وفي ختام كلمته، طرح الوزير الصيني عدداً من المقترحات العملية لتعزيز وتطوير التعاون الثقافي بين الصين والبلدان العربية:

 

أولاً: الارتقاء والتمتع ببعد النظر وإنشاء آليات التعاون، ووضع خطة تنفيذية ثقافية وإنشاء لجنة مشتركة لمتابعة تنفيذ خطط التعاون الثقافي.

 

ثانياً: تثبيت خطوات للإبداع وإنتاج الرموز الثقافية وإقامة المهرجانات الثقافية والرحلات الإبداعية للفنانين العرب تحت عنوان (الإحساس بروح الصين) وخطة المنتدى الثقافي لطريق الحرير.

ثالثاً: الانفتاح والإبداع والسعي لتحقيق الحلم.

 

تتمتع الصين والعالم العربي بحضارة عريقة ساهمت في تطور الحضارة الإنسانية، وفي الوقت الراهن، حيث يسود تعدد الأقطاب والعولمة، فإن الصين تعمل على إنجاز تعميق الإصلاح الشامل وتحقيق الحلم الصيني المتمثل في النهضة العظيمة للأمة الصينية، بينما تستكشف الدول العربية سبل التغيير والإصلاح بإرادتها المستقلة من أجل نهضة الأمة العربية.

 

ومع عملية التطور المستمر للتعددية الثقافية والمعلوماتية، يجب على التطور الثقافي مواكبة روح العصر، حيث تعمل الصين بقوة على تطوير الصناعة الثقافية والتجارة الثقافية وتستعد لتعزيز التعاون مع الدول العربية على أساس المصالح المتبادلة بما يضفي حيوية جديدة على (طريق الحرير العريق( ويثري التنوع الثقافي العالمي إلى حد كبير.

 

وقد تمت وقائع هذا المنتدى في المتحف الوطني في (بيجبن) الذي يحتل مساحة كبيرة، وهو واحد من أكبر المتاحف في العالم.

 

ويحتوي المتحف على أكثر من مليون ومائتي ألف قطعة أثرية.

 

وينبغي الإشارة هنا إلى ميزة مهمة لهذا المتحف، التي تجعله مختلفاً عن المتاحف الكبرى في أوروبا وأميركا والتي تمتلئ قاعاتها بالقطع الأثرية المسروقة من بلدان العالم الثالث، وقد تم نهب هذه الآثار أثناء المرحلة الاستعمارية ورغم وجود قرار من الأمم المتحدة بإعادة هذه الآثار إلى بلدانها الأصلية، لكنه قرار لا يجد أي استجابة لتنفيذه، ولا تزال متاحف الغرب تعرض هذه القطع الأثرية ضاربة عرض الحائط، بقرارات الأمم المتحدة وكذلك بمطالبة الدول باستعادة آثارها المنهوبة.

 

يختلف الوضع في المتحف الصيني، إذ لا يحتوي هذا المتحف على أية آثار منهوبة، كما تختلف الصين عن الدول الغربية، فهي لا تنتمي إلى الدول الاستعمارية، بل أنها عانت من الاستعمار البريطاني في مرحلة من مراحل تاريخها الحديث، وتعتبر علاقاتها ببلدان العالم الثالث نموذجاً للصداقة والتعاون القائم على احترام الآخر، وتقدم العلاقات اليمنية ـ الصينية مثالاً ونموذجاً لهذه العلاقة التي تمتد لأكثر من ستة عقود.

 

نعود بحديثنا إلى طريق الحرير، الذي كان مناسبة لهذا المنتدى والذي سرنا على دروبه ومسالكه في ثلاث مقاطعات، اشتهرت كل منها بدور خاص في هذا الطريق التاريخي الذي يمتد على الأرض لمسافة تزيد على ثمانية آلاف ميل، وتنطلق من مدينة (شنغهاي) على المحيط الهادي، لتصل إلى مدينة (قادش) في أسبانيا على سواحل المحيط الأطلسي، وقد عرف هذا الطريق منذ القرن الثاني قبل الميلاد وكانت عملية قطعه تمتد إلى نحو ثمانية أعوام، اشتهر الطريق بنقل البضائع والمعادن الثمينة بين الشرق والغرب، وعلى مساراته المتعددة، قامت كثير من المدن والمراكز التجارية، وقد اكتسبت تسميته (طريق الحرير) بسبب ما تثيره مادة الحرير من أثر جمالي وقوة مادية لهذا النسيج المتميز الذي اشتهرت الصين بتجارته، وبواسطة هذا الطريق انتقلت الأفكار والأديان والفنون، ووصلت إلى الصين أديان متعددة مثل البوذية والمجوسية واليهودية والمسيحية والإسلامية.

 

وقد ذكر الرحالة والجغرافيون العرب والمسلمون هذا الطريق في كتبهم، وتحدثوا عن أهميته ووصفوا المدن التي نشأت على مساراته كما أبرزوا الدور التاريخي الذي لعبه هذا الطريق لإثراء الحوار والتبادل الثقافي بين الشعوب والوظيفة التجارية والثقافية التي كان يؤديها.

 

وقد أشار ابن خرداذية في كتابه (المسالك والممالك) إلى عدد من البضائع التي كانت تنقلها القوافل على هذا الطريق ويأتي بها القادمون من الصين والهند من عود وكافور وذهب وحرير وقرنفل وحجارة كريمة، وذكر المسعودي في (مروج الذهب) ما ارتصف على هذا الطريق من مراكز العمران الكبيرة والجميلة، وقام الأدريسي في كتابه (نزهة المشتاق في اختراق الآفاق) بوصف عدد من المدن، مثل مدينة بخاري التي (تزهى على المحاسن نظراً، فرجة الأرجاء والجهات وكثيرة الأشجار والثمرات) وسمرقند وهي مدينة كبيرة على جنوب وادي الصفد فيها شوارع وقصور سامية وفنادق وحمامات رائعة.

 

وقد بنيت في مرحلة قديمة وتعرضت للخراب أثناء هجمات المغول ثم أعيد إعمارها بعد ذلك.

إن طريق الحرير التاريخي يمثل اليوم خارطة طريق لحوار الثقافات وانتقالها بين الشرق والغرب، وهو الدور ذاته الذي كان في الماضي، وكان للحضارة العربية الإسلامية دور بارز ومهم في مرحلة من مراحل تاريخ هذه البلاد التي امتدت من بغداد إلى الصين شرقاً، انشأت خلالها كثيراً من المدن والمعالم، وظهر فيها العديد من المفكرين والادباء والعلماء المسلمين، الذين شكلوا التراث العربي الاسلامي بمختلف المعارف، من الطب والفلك إلى الفلسفة والصوفية والشعر، هذا التراث الحضاري العربي الاسلامي الذي تشكل على هذه الطريق يطرح على العرب المعاصرين مهمة حضارية جديدة، أشار إليها وزير الثقافة الصيني في حديثه عن النهضة الحضارية وتعميق الاصلاح في الصين، والاصلاح والنهضة في العالم العربي الذي ينطلق من إرادة العرب ويعبر عنها، وقد احسنت جامعة الدول العربية صنعاً حين اتجهت لتوسيع آفاق الاتصال والحوار مع العالم من حولنا، و تحررت من عقدة الغرب (اميركا الشمالية وأوروبا) هكذا بدأت هذا المشروع، الحوار الثقافي والحضاري مع الصين والمنتدى الاقتصادي وقادت مشروعا حواريا مماثلا مع بلدان أميركا الجنوبية، وقد كتبت سابقاً عن هذا المشروع في مقال عن الاجتماع الثالث لوزراء الثقافة العرب مع نظرائهم في أميركا الجنوبية الذي انعقد في الرياض.

 

وينبغي الإشارة إلى أن الدكتور عمرو موسى الأمين العام السابق لجامعة الدول العربية، هو الذي اتخذ هذا القرار وبدأ مشروعا رائدا لفتح آفاق جديدة رائدة للثقافة العربية وتحقيق الحوار مع الصين ودول أميركا الجنوبية.

 

وقبل ذلك وضع عمرو موسى المشروع الثقافي في قلب العمل السياسي للجامعة العربية فقد أدرك أن العمل السياسي العربي لم يحقق أي تقدم يذكر، إذا لم نقل أن العمل السياسي العربي قد فشل تماماً، وأن غياب الثقافة عن المشروع السياسي العربي هو سبب الاخفاق والفشل، فالسياسة بدون ثقافة وبدون فكر، هي عملية حراثة في البحر أو بناء على الرمال، غير ان السيد عمرو موسى لم يصل إلى اكتشاف هذه الحقيقة إلا في السنتين الأخيرتين من عمله في الجامعة العربية، كأن تجربته السياسية في وزارة الخارجية المصرية، وسنوات عملة في الجامعة لم تكن كافية لاكتشاف هذه الحقيقة رغم وضوحها، فالسياسة التي لا تقرأ ولا تفكر وتعقل تنتهي دائما إلى النكسة والانكسار وليس موضوعنا الآن الحديث عن قضية الثقافة والسياسة في الجامعة العربية ولكني أعود إلى طريق الحرير وإلى هذا المشروع الصيني العربي للحوار بين الثقافة والمشروع الحزام الاقتصادي لطريق الحرير الذي اعلنه الرئيس الصيني معلناً التجاور بين التجارة والثقافة في القرن الواحد والعشرين، وينبغي لنا أن نتأمل مشروع طريق الحرير على أساس هذا التجاور والتلاقي بين التجارة والثقافة.

 

إن الحرير مادة جميلة ناعمة، وهي كذلك قوية ومتينة، الثقافة ايضا قوة ناعمة حسب ما أصبحت توصف في هذه الأيام، فقد خرجت الثقافة من كتب البديع والبلاغة وعلم الجمال، لتنفتح على المجتمع والنشاط الإنساني وتنسج خيوطاً بقوة الحرير تقيم الروابط بين الشعوب والثقافات.

 

وهذا ما خلص إلى قوله إعلان بكين الذي صدر في ختام اجتماع وزراء الثقافة العرب ووزير الثقافة الصيني، الذي بين أنه تم الاتفاق على أن السلام والتنمية هما القضيتان الأساسيتان في العالم المعاصر، كما تم التفاهم على أن الاقتراحات الاستراتيجية التي طرحتها الحكومة الصينية بشأن بناء مشترك للحزام الاقتصادي لطريق الحرير وطريق الحرير البحري في القرن الواحد والعشرين وأن الدول العربية والصين باعتبارها من الدول المهمة الواقعة على طريق الحرير وهم شركاء طبيعيون في الاهتمام بعملية البناء المشترك بـ(الحزام والطريق) بفضل التواصل الشعبي العربي الصيني المتين.

 

وسوف نقوم في مقال لاحق بمناقشة تفاصيل هذا المشروع الحواري الكبير، وما يتضمن من إضافات في تنوع الثقافات وحوارها، وما يحمل من مشروعات للتنمية والنهضة، وكذلك ما يطرحه من أسئلة جدية أمام العالم العربي، للاستفادة من خارطة الطريق التي يضعها هذا المشروع الصيني ويفتحها أمام العرب للاستفادة منه.

 

هل نحن جاهزون لنضع الخطوة الأولى في طريق الحرير، ولنتذكر ما يقوله المثل الصيني: إن طريق الألف ميل يبدأ بخطوة واحدة.

 

 

 

صحيفة الأمة " PDF "

روح الشعر

 

  عبدالحفيظ حسن الخزان   أنا طفلٌ يمنيٌ ظامي...
  معاذ الجنيد   البرُّ والبحرُ والأجواءُ...

فكر و نقد

فنون و تشكيل

لقاءات و استطلاعات ثقافية

عرض كتاب