الجمعة, 15 تشرين2/نوفمبر 2019  
17. ربيع الأول 1441  Jumu'ah

تحليلات و ملفات ساخنة

 

جدلية الذات والموضوع في مجموعة (دوائر الماء) للقاصة سلمى الخيواني

 

 

 

 

 

 

د. أحمد صالح النهمي

 

 

 

 

 

 

ليس غريبا أن تحصد جائزة رئيس الجمهورية للشباب قبل أسابيع في الفن القصصي الأديبتان الذماريتان سلمى الخيواني وحفصة مجلي بالمناصفة، فمدينة ذمار تشهد منذ مطلع الألفية الثانية حراكا قصصيا فاعلا يقوده القاص الرائد محمد الغربي عمران، وقد كان من ثمار هذا الحراك تألق بعض الأقلام السردية واتساع مداراتها الإبداعية، فبالإضافة إلى القاصتين الفائزتين،ثمة أقلام منها سلمى المصري ونبات السماوي ونجمة الأضرعي وأسماء المصري وعفاف صلاح ومحمد إبراهيم الغرباني ونبيهة محضور وشورى حسن وحامد الفقيه...

 

وغيرهم من كُتَّاب القصة الذين استطاعوا بما قدموا من إبداعات فنية متفاوتة أن يجعلوا مدينة ذمار حاضنة السرد، وسيدة حكاياته، بعد أن ظل الشعر هو فنها الأثير الذي أثرى الساحة الأدبية في عصرنا الحاضر بقامات شعرية سامقة تجاوزت بعضها حدود المحلية إلى آفاق إنسانية عالمية رحبة أمثال عبدالله البردوني وزيد الموشكي وأحمد عبد الوهاب الوريث وإبراهيم الحضراني وعباس الديلمي وإسماعيل الوريث وعبد الوهاب الحراسي وغيرهم. وجدير بالإشارة ونحن نتحدث ذمار وينابيعها الفنية أن نشيد بمكتبة البردوني العامة ودورها في احتضان المواهب الشابة وتحفيز طاقاتها الفنية وصقل مواهبها الإبداعية ورفد المشهد الإبداعي بباقة جميلة من الإصدارات الأدبية، منها هذه المجموعة القصصية الرائعة المعنونة بــ(دوائر الماء) للقاصة سلمى الخيواني التي صدرت في عام 2010م عن مركز عبادي للدراسات والنشر وتقع في 113 صفحة من القطع الصغير، وتحتوي بين دفتيها على 20 قصة قصيرة وسبع دوائر قصيرة جدا.

 

 

 

نصوص مجموعة (دوائر الماء) القصصية تكتنز رؤى فكرية طريفة وتقنيات سردية مدهشة تعكس أصداء الذات الساردة وأحزانها العميقة، وأنساق الواقع المثقل بهموم المجتمع اليمني وقضايا المرأة على وجه خاص، ولعل أبرز ما يمكن أن يلاحظه المتلقي لهذه النصوص هو أن الشخصية الرئيسية فيها جاءت في الغالب امرأة تهيمن الذات المتكلمة على صوتها، ويتشخص ذلك عبر حضور ضمير المتكلم إلى درجة يشعر معها القارئ أن المادة الأولية لهذه النصوص قد تكون تجارب ذاتية خاضتها الساردة في الواقع قبل أن تشذبها من حرفيته المباشرة، وتضفي عليها ظلالا سردية ولمسات جمالية وفرت لها إمكانات مهمّة؛ للتعبير عن هواجسها المختلفة في صراعها الجدلي مع نفسها أو مع الموضوع/ الواقع من حولها، ولا سيما في قصص (النملة السوداء، اضربني بعنف، سلام، حلوى بالحليب، تاريخ الجينز المعاصر، دخيلة، غرفة الغسيل، أنستازية لا تعرفني)، بيد أن هذا التمركُز حول كيان الذات المبدعة وهواجسها لم يلغ التفات القاصّة إلى محن الواقع المجتمعي وإحنه، وما يعانيه من اختلالات وهموم تدور في الغالب حول قضايا المرأة وما يجري في فلكها من زواج وطلاق، وتنظيرات ترسم أحلاما منطلقة وواقع مزرٍ يقيد الحركة ويجنح للسكون، وقضايا الفقر والجهل وما ينتج عنهما من اسئثار طبقي، وتهميش اجتماعي، وضياع للحقوق، واستغلال للآخر، وسوى ذلك من الهموم الاجتماعية التي غلبت في هذه المجموعة على الهموم الأخرى .

 

 

"النملة السوداء ": فاتحة نصوص المجموعة تحكي جدلية الصراع بين الفطرة والثقافة، بين الأصيل والوافد، والطبيعي والمصطنع، وتبدو فيها (علا) الفتاة الجامعية القادمة من الريف متباينة بصراحتها وعفويتها عن بقية زميلاتها اللواتي سخرن من تصرفاتها"بدا تجوالها في الممر مثيرا للضحك بين زميلاتها اللواتي يحاولن كتم ضحكاتهن الخافتة خوفا من جرح مشاعرها ومن لسانها السليط..لقد اعتادت التصرف بشقاوة الأطفال وعفوية القرويين ولا تنطق إلا بالصدق" ص11، وعندما قررت (علا) أن تتخلى عن أصالتها الريفية وتنتهج نظام النمل الأسود وتمشي الهوينا، بعد حوار مع زميلتها في قسم الفنون (مها) انصدمت بأستاذ اللغة/الديكتاتور الذي تصفه الساردة بطريقة ساخرة موضحة كرشه المتهدل وشاربه الكثيف وشفتيه المقلوبتين، فقد منعها من الدخول إلى القاعة، وأوصد الباب في وجهها"إنه دكتاتور حقا!! ــ فعلا هو كذلك...أما أنا فنملة سوداء بدينة، لا أستطيع الدخول حتى من ثقب الباب، وتابعت قائلة: والآن هل تجدينني فتاة متحضرة تجيد التصرف حسب أعراف المكان"ص15. وواضح أن القاصة في هذا النص تنتصر للشخصية المتوازنة التي لا تستلب للموروث ولا تغترب في الوافد .

 

 

 

,وتتناول القاصة في نص (سلام) مشكلة الزواج القهري الناتج عن استغلال العجوز الثري لحاجة اسرة (سلام) الفقيرة فيتزوج بها، وقد نفذت الساردة من خلال هذا النص إلى تصوير بعض العادات والتقاليد التي تصاحب زواج المرأة اليمنية مثل اجتماع النساء والصبايا في منزل والد العروسة من قرب العصر حتى المغرب على مدار أسبوع(التغفرة)، وما يدور في ساعات اليوم من نميمة وثرثرة وتناول القات ورقص وغناء، وقد ظهرت (سلام) في هذا الطقس كراقصة أجادت الساردة رسم صورة بصرية متحركة لرقصها من خلال تتابع الأفعال وتلاحقها المتواتر (حيث بدأت الشابة تهز أعضاءها المكتنزة بحيوية، وخفة، تنثني، وتقفز، تلتف، وتتمايل يمينا وشمالا..."ص17 وفيما كان رقص (سلام) الجريء مادة للمتعة والمشاركة لبعض النساء والصبايا، وللتقول عنها بالسوء عند أخريات، فقد كان بالنسبة لها وسيلتها للخلاص من زوجها العجوز، وقد اختتمت القاصة نصها بطريقة المفاجآت السينمائية، فالراقصتان (سلام) و(نسيم) اللتان اشتد بينهما التنافس، وصار لكل منهما فريقها المشجع يظهران في خاتمة القصة قريبتين متفقتين على الرقص كوسيلة لتحرير (سلام) من زوجها العجوز.

 

 

 

وكثيرا ما تجمع القاصة في نصوصها بين الذات والموضوع/ الواقع، فتتجلى مواقفها من خلال تصوير الواقع واستعراض تناقضاته، كما في نص (شيكولاته بالحليب). لقد عمدت القاصة في هذا النص إلى انتقاد الواقع الصحي في المجتمع اليمني انتقادا ساخرا يتكئ على لغة التعريض والتلويح والفضح والسخرية والتهكم والمفارقة. فكشفت صورا كثيرة من اختلالات الخدمة الصحية وتحولها إلى أسلوب تجاري يحظى به الموسرون، ويحرم منه الفقراء والمعدمون، ويمكن ملاحظة موقف الساردة في هذا النص من خلال شخصية البطلة التي أولت الطفل المريض بالسكر رعايتها وتكفلت بثمن علاجه، فأعادت بذلك الاعتبار للقيم الإنسانية النبيلة أمام القيم المادية المسيطرة على عقلية كادر المجنمع الطبي.

 

 

 

ويعد النص القصصي (تاريخ الجينز المعاصر) مِن أنْجَح نصوص المجموعة، وأكثرها براعةً في التعبير عن الذات وصراعها مع واقعها المجتمعي، فقد تناولت الساردة ــ بمفهوم المخالفة ـــ أهمية فهم الدين على الوجه الصحيح في نشر قيم المحبة والتسامح والتفاعل الإيجابي مع حركة التطور، وحذرت من كارثية قصور أفهام بعض أدعياء الفقه والشريعة على السلم الاجتماعي والتفاعل الإيجابي مع حركة الرقي والتطور الإنساني "استطرد القيِّم في خطابه قائلا :

 

 

ــ والله..لقد ظهرت علامات الساعة الصغرى، وإني أرى الكاسيات العاريات يجبن بلاد الإيمان، وإني لأنبئكم عن الجنز ((made in America يلتهم أجسادكم، ويمضغ أطرافكم، يلون جلودكم بلون النيلة الزرقاء"ص46، ولأن سعدية بطلة القصة كانت ترتدي هذا النوع من السراويل فقد "انقض عليها رهط من النساء العجائز، أمطن ستائرهن وكشفن عن (مطالقهن) قامت إحداهن بحل (محشتها) من على خاصرتها وتبعنها الأخريات، أقمن ستائرهن كالصوان وحجبن الرؤيا، تبخرت سعدية بين عبارات السب واللعن والتعوذب، أظهرت مقاومة ضئيلة مقارنة بتلك الأيدي الجلفة والقلوب القاسية...فقدت سعدية وعيها بعد أن أعياها الخوف والوجع، قامت العجائز بحل بنطالها وقدمنه إلى (القيم) الذي تهلل وجهه، وقد رأى نبوءته تتحقق وأنظار الخلق تفيض بالشكر والامتنان لأنه خلصهم من آفة العصر ولعنة الزمان (الجينز) فقام بوضعه على درج الصومعة وطلب من الناس أن يبصقوا عليه كلما مروا من أمامه ويسبوا صانعيه ولابسيه معاً". وفي هذا النص تكسر القاصة أفق التوقع في توظيف الأرقام التاريخية التي ترصد حركة سعدية منذ خروجها من منزلها متنكرة بملابس جدتها صباح الأربعاء 5/5/2005م، حتى غرقت بعد عشرين عاما وهي تجوب الأسواق في أحد أحواض المدرسة الشمسية عام 1987م. فالزمن هنا يجري إلى الخلف، ويتقدم إلى الوراء مفارقا حركته الطبيعية التي تسير إلى الأمام ، وبذلك كسرت الساردة أفق التوقع عند المتلقي وأثارت في ذهنه بعض التساؤلات عن سر تجاوز منطق الحركة الزمنية بين التاريخين وعلاقة ذلك باعتباطية الفن من جهة، وتراجع القيم في عالم الواقع من جهة أخرى، وعلاقة الرقم التاريخي 1987م كعام فارق في حياة الساردة بين مرحلتي العدم والوجود.

 

 

 

هذا، وتنتقد الساردة في نصوصها الأخرى فساد الضمائر وغياب القيم الأصيلة والأخلاق السامية وتفكك الروابط الاجتماعية وسوى ذلك من الهموم التي تؤرق الإنسان اليمني .

 

 

ومن الناحية الفنية تمتاز نصوص (دوائر الماء) بخصائص أسلوبية كثيرة استطاعت الساردة أن توظفها في الارتقاء بعملها الإبداعي، وترجمة إحساسات الذات وهواجسها وتصوير الواقع الحياتي وإبداء موقفها منه، مثل اللغة التصويرية والحبكة السردية القائمة على البداية والعقدة والانفراج، والاسترجاع والتكثيف والإضمار والاختزال وسوى ذلك من جماليات القصة وتقنيات السرد، ولعل اللغة التصويرية أو كما يسميها بعضهم السرد التصويري من أبرز الخصائص الأسلوبية وأكثرها حضورا في نصوص (دوائر الماء)، فقد استثمرت القاصة هذه الخاصية وما فيها من طاقات جمالية في نقل المفردات من دوائرها المعجمية المحدودة إلى عوالم الفن ومدارج الإبداع بالاتكاء على تقنيتي التجسيد والتشخيص، فالصمت في نص (رذاذ الحب) يستحيل كائنا إنسانيا، والإسفلت يفارق دائرته الجمادية ليتأنسن، أما الهلوسات فتتجسد في سكاكين جارحة، "لاذا بالصمت لبرهة، أخذ الإسفلت يستحم في الوحل الجاري، ويغسل في حركة مرتدة قدميهما، كرر مطيع محاولة اغتيال الصمت المسيطر عليهما ...لم يعلق فهو يجيد التغاضي عن هلوساتها الجارجة" ص73، ويتجلى الاسترجاع كتقنية سردية تمتاز بحضور ملفت في نصوص (دوائر الماء)، فقد استثمرت القاصة هذه التقنية في قصة (الأرجوحة) للربط بين أحداث الماضي والحاضر، حيث تعيش بطلة القصة وسط الأحداث الراهنة ولكنها استرجعت مقاطع من ماضي حياتها بأسلوب"الخطف خلفاً" "انتقلت فجأة إلى عالمي الخاص...تجسدت أمامي ذكرى لموقف مماثل حدث لي قبل بضع سنوات، حينها انتابتني نوبة ضحك هستيرية، لم أستطع تفسير ما حدث لي. يومها كنت فتاة في السابعة عشرة، نظر إلي ذلك الرجل الأربعيني نظرة لؤم، حاول أن يلتهم بها أجزائي..كانت ملامحه وقحة، أثارت لدي شعوراً سيئا. انقطع بث تلك الصورة البشعة من الماضي، وعدت مجددا إلى حيث أجلس مع ذلك الصديق الطيب"ص50، ولا يخفى ما تحمله نقطتا الحذف في هذا المقطع من دلالات غائبة تدفع المتلقي إلى تشغيل خياله لاستحضارها في قراءة النص.

 

 

 

أما دوائرها الصغيرة جدا، فقد صاغتها الساردة بطريقة مغايرة لبقية نصوص المجموعة ، حيث توسلت في كتابتها التكثيف والاختزال والمفارقة ، فاقتربت بذلك من قصيدة النثر ، كما يتجلى ذلك في نص (عقدة) "عندما أصبحت ثلاجة مطبخي تكتظ بالأطعمة، كنت قد اعتدت النوم وبطني خاوية"ص111، وفي نص اعوجاج "لو لم أكن ذلك الضلع الأعوج لمارست الانحناء والانثناء حتى تعوج أضلاعي وتنبعج أنسجتي..."ص112.

 

 

 

وخلاصة القول إن النص القصصي في مجموعة (دوائر الماء) للقاصة سلمى الخيواني استطاع الكشف عن أحزان الذات الساردة وهمومها وملامَسَة كثير من اختلالات واقع المجتمع اليمني وسلبيات الحياة العامة بلغة فنية مفعمة بتقنيات السرد وخصائص التعبير، كما يكشف أننا إزاء ساردة تمتلك مقومات فنية تمكنها من تجاوز المحلية إلى آفاق إبداعية رحبة .

 

 

 

 

 

- الثورة

صحيفة الأمة " PDF "

روح الشعر

 

  عبدالحفيظ حسن الخزان   أنا طفلٌ يمنيٌ ظامي...
  معاذ الجنيد   البرُّ والبحرُ والأجواءُ...

فكر و نقد

فنون و تشكيل

لقاءات و استطلاعات ثقافية

عرض كتاب