السبت, 19 تشرين1/أكتوير 2019  
19. صفر 1441

تحليلات و ملفات ساخنة

 عندما يكون الأدب في خدمة الصهيونية

 

 

 

 

 

 

المنشاوي الورداني

 

 

 

 

 

 

لعلها من عجائب الزمان، وغرائب التاريخ والأيام: أن تجد الشخصية الإنسانية تقتل وتدمر، وكذلك تحرق وتسرق، ثم تسوِّق لنفسها في سوق الدعاية بأنها الحَمَل الوديع، هذه الغرائب السُّود هي ما تجنيه الصِّهْيَوْنِيَّةُ العالمية من جرائم في شتى بقاع الأرض، خاصة في فلسطين، ثم تُسَخِّر الأدب من خلال الكتَّاب والقاصِّين - أو إن شئت قل: بالمطبلين والمزمرين بالدعاية الرخيصة للشخصية اليهودية - بأنها الشخصية الرقيقة المتكاملة الإنسانية، كما تتمادى في غيها بتصوير الشخصية العربية مناقضة للإنسانية اليهودية؛ إذ إنها حسب الكتابات الأدبية التي تخدم المشروع الصهيونيَّ شخصيةٌ عدائية متخلفة تتلذذ بالقتل والتدمير!

 

 

 

في إبريل عام 1982، وفي مجلة "النمسا اليوم" كتب المؤلف الصهيوني النمساوي (جوزيف توتش) Josef toch قصة قصيرة باللغة الانجليزية عنوانها: "إوزة نيكولزبرج"، وبجانبها مقدمة لمحرر تلك المجلة، تكشفان مكر العقلية الصهيونية في التخطيط والدعاية، وتؤكدان نفوذ الصهيونية المتغلغل في مجالات النشر والتوزيع والإعلام والصحافة في أنحاء العالم، خاصة العالم الغربي، ويؤكد هذا المسلك من جديد الخطر الأكبر للغزو الثقافي الذي قد يكون أشد إيلامًا وضررًا من احتلال الأراضي.

 

 

لقد صوَّرت القصة الخداعة شخصية الرجل اليهودي بأنه ليس بخيلًا أو متعصبًا كما يشاع! فها هو الرجل في القصة زاهدٌ في جمع المال، بل يعطي بلا حدود، "بقلب مؤمن عطُوف رقيق مفتوح للجميع"[1]، وقد اتخذ المؤلف الكاذب من (حفل عيد الميلاد) مناسبة لحدث يوعز بأنه "فعل يهودي إنساني عظيم نبيل"[2]، وقد تعمد كاتبها الصهيوني الخبيث أن يجيء هذا الحدث في يوم الجمعة، لعله بذلك يلعب أيضًا بعواطف القارئ المسلم الساذج؛ إذ إن يوم الجمعة خير الأيام عند المسلمين، وهو عشية يوم السبت!

 

 

 

ولنقتبس شيئًا من سطور القصة:

 

إذا وجد على الأرض رجل محنك بارع في فن البذل والعطاء، فهو جدي، كان تاجرًا يهوديًّا ذا دخل متواضع، وكان جديرًا بأن نصِفه بالإنسان الحكيم العظيم المحب للخير ... كان جوابه دائمًا: "ليس من الخير جمع المال"، وكان جدي يرى أن خير ما يفعله هو أن يصون نفسه من شهوة حب المال، ويحافظ على طهرها ونقائها! وكان يتمسك بهدفين في هذا السبيل، لم يكن يسمح - أولاً - لأحد أبنائه أن يعمل من أجله، وهي طريقة يستخدمها الفقراء في جمع المال، كما كان يضع - ثانيًا - نصب عينيه أن يتعلم أبناؤه بالمدارس الثانوية، ثم دراسة الطب والمحاماة في الجامعات، وعندما فرغ من مسؤولية تنشئتهم وإعالتهم، راح يساعد الآخرين ويغيثهم، بل فتح أبواب بيته، حجرة طعامه، لتلاميذ المدارس الثانوية من أبناء الأُسر الفقيرة بالمدينة"[3].

 

ولعل في طول القصة عبارات على هذا النحو الرقيق الذي يحاول به الكاتب تلبيس الحق بالباطل، ناسيًا شخصية اليهودي الحقيقية في مجتمع إسرائيل، والتي تقوم على المذابح والكذب والتضليل، وعلى اللعب بالعواطف من خلال "ثقافة مغرضة" و"آداب وفنون كاذبة ومفتعلة".

 

 

وفي عصرنا الحالي ازدادت الثقة بالوثيقة الأدبية وجدارتها، واتجهت مجموعات من الباحثين في أوضاع المجتمعات الحديثة والمعاصرة إلى الاعتماد على الظاهرة الأدبية في الكشف عن مختلف الأوضاع في هذه المجتمعات، ومع مرور الوقت تطور هذا الاعتماد وتبلور عنه اتجاه نحو دراسة المجتمعات المعادية، والتعرف إليها عبر الوثيقة الأدبية[4].

 

 

يشير الأستاذ حسين محمد حسنين في بحثه الذي يحمل عنوان: (تأثير الاحتلال على أدب الأطفال) إلى أن الصهيونية في الأراضي المحتلة وخارجها تعمل من خلال مرتكزات علمية مدروسة لاستغلال وتسخير كل القنوات الموصلة للفكر والأدب والثقافة والتعليم الموجه للأطفال، استغلالاً وتسخيرًا بشِعًا؛ بُغية خدمة الصهيونية وسلطاتها وأدواتها؛ لتنمية الوعي الصهيوني لدى الأطفال، وغرس المبادئ، وخلق الولاءات الدائمة لهذا الكيان، ويرافق ذلك زرع الحقد والغل والكراهية وغيرها من الصور البشعة، والنظرة الفوقية ضد العرب، وتعميق مفاهيم القوة والعداوة، واستمرار تحقيق الانتصارات الدائمة على العرب[5].

 

 

وحين دعا ناحوم جولد مان إلى الاهتمام بالعملية النفسية والتوجه إلى الأطفال، استجاب الصهاينة لهذه التوصيات؛ إذ إن "كتب الأطفال الموجهة للأطفال اليهود مكتوبة باللغة العبرية، وفي متناول أيدي الأطفال اليهود، وتلاقي دعمًا حكوميًّا كبيرًا من قِبل وزارة الثقافة والتعليم في حكومة العدو؛ في نشرها وتوزيعها وطباعتها، وهي موجودة في المدارس والمكتبات العامة والخاصة، وبأسعار في متناول يد الجميع، وتركز على موضوع واحد، هو تصوير الأطفال اليهود على أنهم جبابرة عظماء لا يُقهَرون، وهم يهزمون أعداءهم العرب الأغبياء بسهولة ويسر؛ لأنهم يريدون قتل اليهود من أجل المتعة الذاتية فقط!"[6].

 

 

وقد أشار نعمان هادي الهيتي إلى أن الكتابات الصهيونية للطفل تختلق نماذج وصورًا من الانتصارات، محاوِلةً بذلك تنميةَ الشعور بالمسؤولية لدى الأطفال في القضاء على العدو العربي من جهة، وإزالة أسباب التوتر والخوف لدى الأطفال اليهود من جهة ثانية.

 

 

وحين تستعرض التاريخ بين العرب واليهود فإنها تُصوره عداءً دائمًا، وأن هذا العداء الطويل لا يمكن له أن يزول؛ لأن اليهود لم يثأروا حتى اليوم، على الرغم من مضي الأحقاب الطويلة! وعليه فإن في أعناق الأطفال مسؤولية إكمال الثأر الناجز[7].

 

 

وينشأ الطفل اليهودي على هذه المعاني؛ ليكون جندي المستقبل الذي يذبح العرب الدخلاء المتخلفين، الذين يريدون إخراجه من أرض الميعاد، وفرض تخلُّفهم عليه!

 

 

وليس هذا الطرح مستغربًا؛ لأن التأليف في هذا المجال أسند إلى خبرات عسكرية ونفسية وتربوية، وقد اتضح - كما تقول صحيفة "هارتس" الإسرائيلية 20/ 9/ 1974 - أن (عيدان ستر) ليس إلا (حزاي لوف مان) رئيس تحرير مجلة الجيش الإسرائيلي سابقًا! وأن (أون سريغ) عضو منظمة (ليحي) سابقًا، واسمه الحقيقي (شارنما غفتي)، وكتبهما من أوسع الكتب انتشارًا، وكذلك (هازي لابين) كان محاربًا في صفوف (البالماخ) عام 1948[8].

 

 

فماذا تقول هذه الكتب؟

وماذا تعلم منها الطفل الصهيوني؟

 

 

هذا ما تجيب عنه بعض النماذج:

1- (قصة حسمبة ولصوص الخيل) للكاتب الإسرائيلي (إيجال موسينزون) تروي أنه عندما كان (مصطفى) يتسلل إلى داخل إحدى المغارات للسرقة، انقض عليه (منشه) أحد أبطال القصة، وفي أثناء التحقيق قال مصطفى بعبرية ركيكة: أنا لا يوجد خيل، أنا لا يوجد أعرف شيء، لقد جاءت الخيل من تلقاء نفسها، إنني أبحث عن سحالي، إن جدتي مريضة للغاية، وعندما تضع عشرين سحلية على ظهرها فإنها تنهض من سريرها!

 

 

ومن الواضح أن هذه القصة تترك في نفس الطفل الإسرائيلي شعورًا بأن العدو الذي تحاربه إسرائيل يتبنى قيمًا وعادات متخلفة، ويشعر بأن بلده لا يحتل أرض الآخرين، ولا يضطهد سكانها، وإنما يعمل على تخليص سكان هذه الأراضي من حالة التخلف الاقتصادي والحضاري التي يعيشون فيها[9].

 

 

2- وأما قصة (تحيا الشجاعة) للكاتب الإسرائيلي (مناحم تلمي)، فتصوِّر وحشية الجنود العرب من خلال الحوار الذي دار بين القناصة العرب الذين كانوا يوجهون نيرانهم صوب مستوطنة (يعاربا)، وتباهى أحد القناصة قائلاً: طلقة واحدة وأنتهي! وقال آخر: إنهم لا يجرؤون على مغادرة بيوتهم ... وعندما شاهد أحد القناصة امرأة في المستوطنة قال للآخرين: إنها غنيمة لنا، وسوف آخذ بعض أبقارهم الحلوب، وأستولي على إحدى فتياتهم!

 

في هذه القصة وأمثالها تشويه لحقيقة الصراع وأهدافه، وهي تزرع في نفس الطفل الإسرائيلي الشعورَ بأن هزيمة إسرائيل في المعركة لن تؤدي إلى فقدان سيطرتها على الأراضي العربية فحسب؛ وإنما إلى العيش في حالة من الذل والاضطهاد .. هذا بالإضافة إلى الوقوع في أَسر العرب الذين يعيشون - كما تصفهم القصة - في حالة مطلَقة من التخلف[10].

 

 

3- (مغامرات أوزيا أوز) للإسرائيلي (هازي لابين)، بطَلُها طفل إسرائيلي يهاجم أعداءه العرب، وينتصر عليهم دائمًا! فهم جبناء مصاصو دماء، لا يتورعون عن فعل أي شيء لإشباع رغبتهم في القتل.

 

 

وفي أحد معارض الأطفال في إحدى دول أوروبا عرضت إسرائيل قصة كتكوت صغير يقف وحيدًا وسط عدد من الدِّيكة المتوحشة التي تلتفُّ حوله تريد الفتك به! وينادي الكتكوت: إنه لا يريد شيئًا، إنه يريد الحياة في سلام وسط الديكة المتوحشة المعتدية، وقد طبعت هذه القصة طباعة فاخرة مزدانة برسوم جميلة وكلمات بسيطة .. وستكون ثمرة هذه القصة أن الأطفال سيقفون إلى جانب الكتكوت (إسرائيل) ضد الديكة المتوحشة (العرب).

 

 

هذه الصورة البشعة التي يريدونها للعرب، سواء في الصورة الأدبية أو الإعلامية، هي الهدف المشترك للصهيونية العالمية، وتحاول أمريكا رعايتها في كافة الأوعية - الأدب أو الإعلام أو السينما - التي تمتلكها بكل قوة؛ حيث وضعت إسرائيل كالكتكوت المذعور المذكور في حجرها، وأخذت تشن حربها بكل الوسائل وعبر كل المنافذ؛ فسلَّطت هوليوود لتستغل كل الإمكانات في صناعة صورة بشعة للعربي والمسلم، وكان أول مَن تنبه لذلك باحث أمريكي من أصل عربي، يدعى: جاك شاهين؛ حيث قام بدراسة رائدة معروفة اسمها: "Reel Bad Arab"، وفي هذه الدراسة يستعرض خطورة الدور الذي لعبته هوليوود في هذا التشويه الخطير، ويحيلنا الدكتور أحمد بن راشد بن سعيد في دراسة له عن هذا الدور الإعلامي الخبيث إلى مصادر مهمة في هذا المجال، ذكر منها: [11]كتاب Media Are American، وكتابThe World Selling The American Culture To Propaganda.

 

 

إذًا لا عجب أن ترى بسبب هذه الترسانة القوية من الأسلحة الثقافية العربيَّ متوحشًا وبدائيًا، بل وإرهابيًّا، والآخرين يظهرون لنا عبر السطور أو من خلال الشريط السينمائي وهم في قمة الرقة والإنسانية، أو في صورة راعي البقر النبيل، وسوبر مان، وبات مان الشجاع، أو حتى الكتكوت المذعور!

 

 

[1] مجلة الأمة القطرية، العدد 32، شعبان 1403 / مايو 1983، ص 70.

[2] نفس المصدر، ص 71.

[3] نفس المصدر، ص72، نقلاً عن مجلة 4/ Austria Today  82، ترجمة حسني بدوي.

[4] مجلة منار الإسلام الإماراتية، العدد 362، صفر 1426 / مارس 2005، يحيى بشير حاج يحيى.

[5] أدب الأطفال في الأردن (واقع وتطلعات) ص 210.

[6] أدب الأطفال في الأردن (تأثير الاحتلال الصهيوني على أدب الأطفال) ص 224.

[7] مجلة منار الإسلام، العدد 362، ص 44.

[8] المصدر السابق.

[9] نفس المصدر ص 44، 45، نقلاً عن مجلة القاهرة، عدد 109، (أدب الأطفال المصري وعنصرية أدب الأطفال الصهيوني).

[10] أدب الأطفال في الأردن (واقع وتطلعات) ص 250.

[11] مجلة المنار الجديد، العدد 57، صفر 1433/ يناير 2012، ص 148، 149، القاهرة.

صحيفة الأمة " PDF "

روح الشعر

 

  عبدالحفيظ حسن الخزان   أنا طفلٌ يمنيٌ ظامي...
  معاذ الجنيد   البرُّ والبحرُ والأجواءُ...

فكر و نقد

فنون و تشكيل

لقاءات و استطلاعات ثقافية

عرض كتاب