تكاد تكون فكرة المخلِّص موجودة في جميع الأديان والمذاهب والثقافات.. وقد يختلف البعض على إمكانية وجود هذه الفكرة أو غيابها .. لكن الكل يتفق على أنها ممكنة الحدوث، ويظل هاجس الانتظار ملازماً لدى من يقول بوجود المخلص، إن لم يكن مسكوناً به، ونسياً منسياً لدى من يقول بإمكانية وجوده في حينه.

إن هذه الشخصية قد أضافت إليها الأساطير ما يجعلها كذلك، لتجسدها في الأوساط المستضعفة والحالمة بغد أفضل، وظاهرة انوجاد هذه الشخصية واضحة جداً في الأدب العربي منذ القرن الثالث الهجري وحتى اليوم، وستمتد هذه الظاهرة في الأدب إلى أن يأتي المخلص استجابة للنداءات التي امتلأ بها الشعر العربي .

ما يحضرني الآن من النماذج التي أودُّ الاستشهاد بها للتأكيد على تفشي هذه الظاهرة في الأدب المعاصر، قصيدة بعنوان "الرجل الأخير" لسميح القاسم، يتحدث فيها عن بعض تفاصيل هذا المخلص في ديوان "جهات الروح"، أيضاً نجد شوقي بزيع في ديوانه "عناوين سريعة لوطن مقتول" يتحدث عن هذا المخلِّص في قصيدة " الطواف في رحاب صاحب العصر"، وقد وضع لها توطئة من أقوال ابن خلدون كتدليل على ذلك أو كهروب لإظهار عدم اقتناعه بهذه الفكرة، لتبقى الفكرة لمجرد الكتابة، والواقع عند شوقي بزيع عكس ذلك تماماً، وإنما للتـُّقية فقط، إذ أنه أطلق على قصيدته عنواناً يحمل كنية هذا المخلِّص الذي تسميه إحدى الفرق بـ "صاحب العصر"، وقصيدة شوقي تشبه إلى حد بعيد قصيدة "مدينة الغد" للبردوني، في تفاصيلها المثيرة.

مصطفى

منذ أن كتب البردوني قصيدة "مصطفى" في 1986م ذهب النقاد في تأويلها كل مذهب، منهم من ذهب إلى أن البردوني يتحدث فيها عن نفسه، وأن المقصود لا يتعدى الشاعر بعينه، في حين أن القلة من هؤلاء النقاد قالوا إن البردوني يقصد بها أحد الزعماء_رجماً بالغيب_، رغم أن كل هذه التأويلات متناقضة مع الإشارات الصريحة التي حفلت بها قصيدة "مصطفى".

لقد حمَلَت قصيدة مصطفى ملامح هذا المخلص، وسأجعلها في قراءتي هذه القصيدة الأمَّ التي جسَّد البردوني فيها شخصية المخلِّص، وسأرجع إليها كل استشهاد أورده من قصائد أخرى _ سواء كتبت قبلها أم بعدها _ لتحقيق القصد من خلال التناص الدلالي والصفات التي تطابقت من قصيدة إلى أخرى.

وتجعلك ملامح هذا المخلص، الطاغية على بعض قصائد البردوني، تشك في أنها كانت فكرة لمجرد الكتابة والحلم الفردي فقط، فالدلائل والصفات التي وردت في الآثار الإسلامية والتاريخية وغيرها شكلت مرجعية لدى البردوني، فقام بتجسيد هذا المخلص وحواره وانتظاره، منطلقاً من الحلم به ثم التبشير به، ثم الاعتقاد بوجوده، ثم انتظاره.

· بدأ البردوني بوضع بذور هذه الفكرة ابتداء من ديوانه "مدينة الغد"، الذي جاءت تسميته محاكاة للمدينة الفاضلة، وما جعل البردوني يتوسع في رسم ملامح المدينة الفاضلة هو الحلم الذي كان مسكوناً به، ابتداءً بالفجر المنشود في ديوانه الثاني " في طريق الفجر"، وهو فجر الثورة اليمنية الذي هتف به البردوني فتحقق له يوم أن أفاق على فجر يوم صبي، لكن تحقق هذا الحلم أضاف إلى مخيلته حلماً آخر، أشمل وأوسع، فبدأ البردوني ينتقل من الخاص إلى العام، إنه الحلم بالمدينة الفاضلة التي برزت ملامحها جلية في قصيدة "مدينة الغد"، ولن يتحقق وجود مثل هذه المدينة إلا في عصر ظهور المخلِّص.

لم تكن فكرة المخلص عند البردوني لمجرد فكرة للكتابة فقط وتصوير الاعتمالات التي ستنعكس لدى ظهوره، بل كان المخلص معروفاً عند البردوني كشخص محدد يقصده هو لا سواه، وإلا فما جدوى هذه الفكرة التي انتشرت ملء قصائده؟

· إن فكرة المخلص موجودة _ كما أسلفنا_ في جميع الأديان والثقافات اوالمذاهب، وإذا ما بحثنا عنه في المذاهب بشكل خاص فسنجد أن لكل مذهب مخلصاً معيناً، فمذهب يقول إن المخلص سيأتي في آخر الزمان، ومذهب ثانٍ يقول بوجوده وولادته في سنة 255 هجرية، وفرقة تقول باختفائه في جبل رضوى، وأخرى تقول بمجيئه من عامة الناس بعيداً عن انحداره من نسل معين..

ترى أي مخلص من هؤلاء كان يقصده البردوني؟

بشرتُ أنك قادمٌ فتضاحَكَت... أمِّي وجارتنا، فكن مصداقي

- لم يبقَ لي غير انتظارك طالعاً... أو نازلاً من أي نجم راقِ

أو فاجئاً من خلف وهم تصوري... أو بازغاً كالقمح من أعراقي

- أو آتياً من آخر الآتي على... كتفيك منه حدائق وسواقِ

من أي ناحية بأية هيئةٍ أقبل .. وقل: بعد الفراق تلاقِ

· في هذا المقطع من قصيدة "أشواق_ديوان رواغ المصابيح" يتجلى التبشير الواضح بقدوم المخلص والعكوف على انتظاره، في آن واحد، ونرى البردوني يدلل على وجوده بالفراق، ولذلك جاءت المناشدة بمجيئه في أي هيئة يريد، ليتم التلاقي بعد الفراق.

أيضاً يبشر به في قصيدة "وردة المستهل _ ديوان رجعة الحكيم بن زايد" قائلاً:

إليكم خير تهنئةٍ ... نجا المهدي من الموتين

أمات؟ وأين؟ كيف وما... أتمَّ صياغة الشرقين؟

كان تبشير البردوني بقدوم هذا الغائب مليئاً باليقين والتساؤلات ومناشدته الإسراع في القدوم.

في قصيدة "ليليَّات قيس اليماني- ديوان كائنات الشوق الآخر" يقول:

إلى الآتي هناك..له بلادٌ... ستبزغ ذات يوم لا محالة

- لماذا لا تشع كما أُرجِّي؟ ... :أليس الدهر حالاً بعد حالة؟

يشمُّ لوعدها قلباً شموخاً ... ووجهاً مثل طهر البرتقالة

يراها وهي أخفى عنه لكن... وعود الخير غامضة الدلالة

· من هذا المقطع الفردي في مخاطبته ينتقل من الخاص إلى العام مصوراً ابتهاج الكون بظهور هذا المُخلص الذي سيعيد_ بغموض دلالته وخيرية وعوده - صياغة ما أفسدته الحضارة ويرسم على هذه الأرض ملامح المدينة الفاضلة.

ويستمر التبشير بقدوم المخلص في قصيدة "علامات العالم المستحيل - ديوان ترجمة رملية لأعراس الغبار":

قالت الشمس: ذات يوم سيهمي

قالت الريح : شاهدته سرابا

- فأجاب الغراب : يبيضُّ لوني

قبل أن يبتدي، يحثُّ الركابا

قال سرب القطا: أظن الثريا

أوشكت أن تحلَّ عنه النقابا

· هذه نماذج قليلة تحمل في طياتها مدلولات صريحة تبشر بقدوم هذا المخلص الذي يحمل على عاتقه مهمة استثنائية تعلقت عليها الآمال والمنى الآدمية كافة، كما يقول في قصيدة "المهمة - ديوان رواغ المصابيح":

تجيئ من كل نبضٍ... تثور قبل المُطِمَّة

لكل صبحٍ تغني... تحمي الغصون المُكِمَّة

تأتمُّ بالشعب حتى ... يُرى إمام الأئمة

إليه منهى النواهي... لقبضتيه الأزمَّة

كذلك في قصيدة "علامات بزوغ المحجوب- نفس الديوان":

لأن إليك القضية... ومنهى المُنى الآدمية

تغاوي مسوخاً لها... ألوف العيون الذكية

من خارج التقويم

· الوجود قبل الخلق .. أو المجيئ من اللاوقت .. جانب من جوانب هذه الشخصية المنتظرة، أغرق البردوني في الإشارة إليه حيناً، واستغرب مندهشاً وموقناً بكيفية مجيئه المغايرة، وأيضاً بالعمر الطويل الذي يتمتع به المخلص المنتظر، وربما أنه استند إلى إيمانه هذا بحديث نبوي يقول: (كنت نبياً وآدم بين الماء والطين) و(كنت نبياً قبل أن يخلق الله السماوات والأرض) .. هذا بالنسبة للنبي صلى الله عليه وآله وسلم .. وهناك من الفرق والمذاهب من يقول بحديث يفيد العموم : (كنا- أي النبي وأهل بيته – أشباحاً نورانيه قبل أن يخلق الله السماء والأرض).

وبغضِّ النظر عن مدى صحة الحديث إلا أن البردوني انطلق من هذه الخاصية الخارقة..

يقول البردوني عن هذه الخاصية التي ينفرد بها المخلص المنتظر في قصيدة "مصطفى- ديوان كائنات الشوق الآخر":

تسابق الوقت، يعيا وأنت لا تتوقف

فتسحب الشمس ذيلاً وتلبس الليل معطف

- كفجأة الغيب تهمي وكالبراكين تزحف

وفي قصيدة "صياد البروق_ديوان وجوه دخانية في مرايا الليل" التي تتشابه مدلولاتها إلى حد بعيد مع قصيدة "مصطفى":

وحدي نعم، كالبحر وحدي مني ولي جزري ومدي

وحدي وآلاف الربى تحتي وكل الدهر عندي

- من لا متى آتي أعود مضيعاً قبلي وبعدي

· في هذه الأبيات إشارة واضحة إلى وجود المخلِّص من قبل بدء الخلق، كفكرة ربما تميل إلى الاعتقاد بتناسخ الأرواح، ونراه يزيد من تأكيده على هذه الخاصية في قصيدة "الوجه السبئي وبزوغه الجديد - ديوان وجوه دخانية في مرايا الليل":

يقولون: قبل النجوم ابتديتْ تضيئ وتجتاز لولا وليتْ

ربما أنه أطلق عليه صفة "السبئي" مستنداً إلى حديث يقول بخروج المخلص من قرية يمنية تسمى "كرعة" بخولان..

ويعلن دعوته من مكة:

نادتك الكعبة وانتظرت ودعاك الأقصى، بل حرَّضْ

- صحنا: يا مهدي يا وطراً قلبياً أنت له المنبضْ

" على باب المهدي المنتظر - ديوان جواب العصور"

· أيضاً نجد نفس الوصف الخرافي في قصيدة " آخر الصمت - ديوان كائنات الشوق الآخر ":

تبتدي كل نجمة فيه من آخر العدم

ومرة أخرى في قصيدة "علامات بزوغ المحجوب - ديوان رواغ المصابيح" يتحدث عن هذه الخاصية ويختم القصيدة كبقية قصائده التي تصب في هذا الموضوع:

كبدء من المنتهى ومن قبل بدء البرية

وفي قصيدة "علامات العالم المستحيل - ديوان ترجمة رملية لأعراس الغبار ":

قيل : من خارج التقاويم يأتي

من وراء الحساب يلغي الحسابا

أما في قصيدة "باب في آخر الليل - ديوان رواغ المصابيح" نجد التناص الواضح في قوله:

من خارج التقويم جاء الذي

ما شمَّ ريـَّاهُ خيالُ الخيالْ

وفي قصيدة "الحقيقي - ديوان كائنات الشوق الآخر " يضيف إليه بعض الملامح التي كان يكتفي بذكرها في قصيدة ما ليضع ملامح إضافية في قصيدة أخرى:

يجيء بلا وقت وبالوقت يلتقي

أيغدو، أيسري، أي وقتيه يتـَّقي

- أيا من تـُسمى الوقت: من أين جئتني

وهل أنت إلا دفقة من تدفقي ؟

وكل كنت في نسغي قبيل تفتحي

وهل أنت من بعد التفتـُّح مُغلقي؟

- لأني حقيقيٌّ فأنت مغايري

لأني زمان أنت صنعي ومئزقي

إذن لست مني، إنما منك أقتني

مَشمَّاً لإبراقي ولوناً لبيرقي

· إن فكرة المخلص لو كانت حلماً أو فكرة لمجرد الكتابة لدى البردوني فهل من المتوقع أن تكون بمثل تلك الصلة الوجدانية، ومن هنا تأتي أهمية الانتظار.!!

استخدم البردوني الكثير من المفردات التي تعكس سمات هذا المخلص، استمد بعضها من الأحاديث المتضمنة لأمارات الساعة، وبعضها من المرويات والأساطير وما تقتضيه الضرورة الفنية للبناء الشعري، فنرى امتلاء قصائده ببعض المفردات التي نلاحظ مدى وضوح دلالتها في الإشارة إلى المخلِّص المنتظر.

· من هذه المفردات : الوعد - القبر - الميلاد- الربيع- الاخضرار- الحقول- البروق- الغيب- الولادة- الغناء- الخصب- الرعد- الغيم- المطر- النضارة- الصمت- السرداب- المهمة- الغرابة- الكتاب- الزمان- المجيء- النبض- النماء.. إلخ.

إضافة إلى عناوين القصائد التي أوردنا بعضاً منها، فإنها تكفي للتدليل على أنها كذلك وليست رموزاً أو معميات كما يـُظَنّ.

جنينٌ في رحم القبر

* الموت.. القبر.. الميلاد.. المهد.. الخروج.. هذه المفردات كان البردوني يستخدمها للغيبة وإمكانية المجيء، فقد رمز إلى الغياب بالموت، والى العودة بالخروج من القبر/ المهد.. كأنه يستهل البداية من الخاتمة، فجاء الموت رمزاً معنوياً للغياب المحسوس، لأن المخلص ميت في نظر من لا يؤمنون به، وسيبزغ من هذا الموت.

يقول البردوني في قصيدة "مصطفى":

يخشون إمكان موتٍ وأنت للموت أألفْ

وبالخطورات أغرى وبالقرارات أشغفْ

- لأن موتك أحيا من عمر مليون مُترفْ

- سيتلفون ويزكو فيك الذي ليس يتلفْ

· لقد اعتاد على الغياب حتى صُنـِّف في قائمة الموتى، ويعود البردوني ليطل من نافذة التفاؤل، متحدثاً بلسان صاحبه المخلص في قصيدة "صياد البروق- ديوان وجوه دخانية في مرايا الليل"، قائلاً :

ستصير يا هذا الذي أدعوه قبري الآن مهدي

· ولنا أن نلاحظ التورية التي تضمنتها القافية، لنجد المعنى ذاته في قصيدة " جدلية الموت والقتل - ديوان ترجمة رملية لأعراس الغبار":

عنوان قبري في يدي مهدي على طرف اشتباهي

أيضاً في قصيدة " زامر الأحجار - نفس الديوان"

موطني أدعوك من تحت الخناجرْ

وإلى زنديك من موتي أسافرْ

هنا تتفق لفظة الخناجر ومدلولها مع "مغني تحت السكاكين"، عنوان قصيدة في ديوان " وجوه دخانية في مرايا الليل"، حملت نفس التفاصيل التي اختصرها البردوني ولم يسهب في الإلماح إلى بعض الجوانب، ونجد نفس المعنى في قوله:

بعينيه حلم الصبايا وفي حناياه مقبرة مستريحة

- فيولد في قلبه كل يوم ويحمل في شفتيه ضريحهْ

وتكرار هذا المعنى نجده في قصيدة "عشرون مهدياً- ديوان رجعة الحكيم بن زايد " تاركاً عنان الخطاب للمخلص:

كلُّ قبر نزلت أصبى احتضاني

يا قبوري: متى سأبلغ رشدي؟

هنا يتمثل الرشد في حالة الظهور، كما هي في قصيدة " صياد البروق":

مثلي ركبتُ ذرى المشيب وما وصلتُ سفوح رشدي

ويدرك البردوني أن المخلص لن يبلغ رشده إلا بعد أن يصل إلى مرحلة معينة تتطلب شروطاً لخروجه .. فتارةً يستبطئه، وتارة يستحثه على الخروج، طارقاً بابه بكل إلحاح، فيجيبه المخلص متسائلاً في قصيدة " على باب المهدي المنتظر - ديوان جواب العصور":

من يدعو، هل زمني أومضْ؟

نهض الدجال، سدىً تنهضْ

نادتك الكعبة وانتظرت

ودعاك الأقصى، بل حرَّضْ

- صِحنا: يا مهدي، يا وَطَرَاً

قلبياً، أنت له المنبضْ

ثم يعود البردوني إليه متسائلاً ومستجدياً وهو يخفي كل أشواقه في صيغة تساؤلية تفيد العموم في قصيدة "علامات بزوغ المحجوب- ديوان رواغ المصابيح":

أكنت انتظاراً أتى أهذي هي المهدوية؟

أأنت الذي عللوا به كل نفس شقية؟

- أتمَّت شروط الخروج أجب يا اكتمال الرزيـَّة؟

· في البيت الأخير دلالة واضحة على اليقين بوجود المخلص المحجوب الذي يمثل الرقم الأخير الذي ختم رزايا سابقيه بالغياب بعد أن قضوا مقتولين ومسمومين، ولم يشر البردوني، في أي من قصائده التي اختص بها هذا المخلص، إلى هذا الغرض سوى في هذه القصيدة التي يكاد جلاؤها يغني عن الخوض في تفاصيلها، بدءاً من العنوان وانتهاء بالبيت الأخير.

ضرورة الأسطورة

· لا بد للحياة من أسطورة تنظِّم صعوبات غير قليلة، مطلوبة وغير مطلوبة، أسطورة قد تلقى وقعاً لإشباع الرغاب الباطنة..إذاً، فهناك تخيل مكنون في معظم قصائد البردوني، و"هذا التخيل لا يعني إذكاء جانب فوق العقل أو محاولة خلق أسطورة في جو صعب لا يسلس ولا يلين".

لذلك لا بد من تجاوز التعامل السطحي مع القصيدة الرمزية، وعدم حصرها في قالب جامد لا يقبل بتعدد الأوجه، وبالمعنى الأشمل كما يقول عبد القاهر الجرجاني في " أسرار البلاغة": " والمعنى الجامع في سبب الغرابة أن يكون الشبه المقصود من الشيء مما لا ينزع إليه الخاطر، ولا يقع في الوهم عند بديهة النظر إلى نظيره الذي يشبه به، بل بعد تثبت وتذكر وقِلَىً للنفس عن الصورة التي تعرفها، وتحريك الوهم في استعراض ذلك واستحضار ما غاب ".

هذا الكلام يعني أننا نكدُّ أنفسنا بحثاً عن مطلب غائب لا يتحقق وبنا شوق إليه، والبردوني لا يملُّ من ذكر العالم المغاير والغربة والغرابة والزمن الأنقى الآتي من خارج التقويم، كما هو جلي في قصائده، فهو تائقٌ إلى عالم غير العالم، عالم يتبادر إلى ذهنك أنك تعرف شيئاً عنه، ثم لا تلبث أن تراه غريباً.. ومن البديهي أن" الإنسان عدو ما يجهل".

· إن البردوني يبحث عن أشياء جديدة مبرأة من ملامسة الأذهان التي لا تؤمن إلا بكل ما يطفو على السطح.. أشياء لم تخطر على بال البحور الخليلية .. أشياء لم ترها عين أو تسمعها أذن، وإنما تكتشفها البصيرة ويجسدها العقل الباطن.

إذاً .. لابد من اللجوء إلى أسطرة الواقع ووضع تصاوير ظاهرة اللفظ، باطنة المدلول بحسب ما تمليه فلسفة العقل عند البردوني.

الأخضر المغمور

· لا خلاف على أن الآثار الإسلامية أخبرت عن امتلاء الدنيا عدلاً ورخاءً في عصر الظهور.. ولأن البردوني كان يحلم بعالم آخر أكثر نقاءً فقد جنح به الخيال إلى رسم صورة لهذا العالم الذي لا تعرف طقوسه شيئاً اسمه الشتاء .. عالم أخضر يرفل في ربيع دائم وعيد لا ينتهي بغروب الشمس.

ينطلق في قصيدة "مصطفى" واصفاً هذا المخلص الذي ستلبس الأرض ثوبها الأخضر على يديه قائلاً:

كفجأة الغيب تهمي وكالبراكين تزحفْ

تنثال عيداً، ربيعاً تمتد مشتىً ومصْيـَفْ

نسغاً إلى كل جذرٍ نبضاً إلى كل مِعْزفْ

طالما يجد البردوني في نفسه رغبة جامحة إلى تحويل بعض ما هو أسطوري، مكتفياً بواقعيته في قرارة نفسه.

في قصيدة "زامر القفر العامر - ديوان وجوه دخانية في مرايا الليل" نجد توسعاً في إسباغاته صفة الاخضرار الملازمة للمخلص بصيغ شتى وطرائق متعددة:

وسوف تغني إلى أن يرفَّ صداكَ ربيعاً ويهمي حَمَامْ

تزمِّرُ للسهل كي يشرئبَّ وللسفح كي يخلع الاحتشامْ

وللمنحنى كي يمد يدي ويعلي ذوائبه لليمامْ

وللبيدر المنطفي كي يشعَّ ويورق في المنجل الابتسامْ

لأن بقلبك صوم الحقول تغني لتسودَّ صُفر الغمامْ

هنا يعمد البردوني إلى الأسطورة بوضع تصوير سحري فريد يجعل الحصيف يقف مندهشاً أمامه، إذ أنه أسقط على المخلص صفة المهيج وحركات الهنود الذين يستنهضون الأفاعي فتشرئب أعناقها طرباً لمزاميرهم، غير أن أولئك يزمرون للأفاعي وهذا للأرض، أولئك لزرع الخوف، وهذا لتعميم الأمان.

· ثم ينتقل من مخاطبة المخلص إلى التحدث عنه في قصيدة " الأخضر المغمور" نفس الديوان :

لكي يـُنبت الأشجارَ يمتدُّ تربة

لكي يُصبح الأشجار والخصب والثرى

- لأن دم "الخضراء" فيه مُعلبٌ

يذوب ندىً، يمشي حقولاً إلى القرى

لأن خطاه تنبت الوردَ في الصَّفا

وفي الرمل أضحى يعشقُ الحسنَ أحمرا

- لأن به سرَّ الحقول تحسُّه

يشعُّ ويندى, لا تعي كيف أزهرا

- لأن خطاه برعَمَتْ شهوة الحصى

لأن هواه في دم البذر أقمرا

ترى ما اسمه؟ لا تعرف الناس ما اسمه

وسوف تسمِّيه العناقيد أخضرا

يستند البردوني في هذه الأبيات- وبالأخص الثالث والخامس منها- إلى أسطورة سارية في بعض الأرياف اليمنية , ففي حال وجود وادٍ يكتظ بالأشجار ويتسربل بالخضرة يكون تعليل القرويين لهذا الاخضرار بأن (المهدي مرَّ من هذا الوادي).

· ونجد هذه الخطى التي تنبت الورد في الصفا في قصيدة "ابن ناقية – ديوان جوَّاب العصور":

 

يمرُّ فيرمي الطريق السكون

وتحكي الرُّبا : مدَّ أعناقيهْ

وتومي الثريا: اغتصب مِقطفي

سأدعوك :أجمل سُرَّاقيهْ

- فحال كروماً وورداً وقمحاً

وقال :اتـَّحدتُ بعشاقيهْ

في هذا الجانب من شخصية المخلِّص يسود التوافق والتلازم بين الخطى والاخضرار, ومرة أخرى نجد هذا التلازم في قصيدة "اليوم قبل الأخير – ديوان رجعة الحكيم بن زايد".

ومن العبث الخوض في تأكيد إيمان البردوني بالنهاية السعيدة في عصر ظهور المُخلص مع وجود عنوان القصيدة المختزل لكل ما أود قوله:

كما تبغت البشرى سرى أخضر الخطى

على منكبي شوق له أعين القطا

تليه روابٍ من نبوءات بارق

كما ماج صيفٌ بالخزامى تحوَّطا

وإذا تتبعنا هذه الخطى التي تترك آثاراً للخضرة والخصب والنماء، فسنجدها أيضاً في قصيدة "الحقيقي_ديوان كائنات الشوق الآخر":

يقول الحصى: من ذلك الطالع الذي

تقول خطاهُ للمراعي: تعمْلَقي

- تهس الروابي: من أتى؟ إنه الذي

إلى فجر عينيه تَنَادَى تحرُّقي

يمرُّ ويفضي للشجيرات مثلما

يقول الشذى للريح: لُمـِّي تفرُّقي

- لقد جاء هذا ياليالي لتـُشمسي

ويا أرض كي ترمي السعال وتعشقي

أما في قصيدة "مدينة الغد" نجد هذه الخطى تنـُثُّ عبيراً, وهنا يتجلَّى التصوير المعنوي لإثبات الأثر المادي الذي تتركه هذه الخطى :

لخطاه عبير نيسان أو أشــذى لتحديقه أجدُّ إنارة

إنه يتحدث عن عالم مستحيل، إلا أن له علامات ربما شكلت النواة الأولى لإمكانية تحققه، ومن هنا بطلت الاستحالة، وكم كان البردوني دقيقاً ومغايراً في تركيبه لهذا العنوان "علامات العالم المستحيل- ديوان ترجمة رملية لأعراس الغبار"، ومن هذه العلامات :

قيل: من أبعد الغرابات يبدو

يعجن الضوء والندى والترابا

يغزل البيد برتقالاً وورداً

يحمل البحر في يديه كتابا

يدخل الشعب، يركض العشق فيها

يستحيل الهبا غصوناً كِعَاباً

ويتكرر التلازم بين الخطى والاخضرار في قصيدة "زائر الأغوار - ديوان رواغ المصابيح":

وحَكَت مشمشة: أرغدني من جمجمتي حتى كعبيْ

وأجاب الوادي: حيـَّاني فأعادت خطرته خصبيْ

· يطول حديث البردوني عن الربيع الشامل وهجس الأعشاب ونثيث الخضرة, كتبشير وحلم بمجيء هذا المخلص الذي سيأتي من فجأة الغيب، ففي قصيدة "مدينة الغد" يتجلى سر تأنيث الخطاب في قصديَّة واضحة للمدينة الفاضلة، حيث يقول:

من دهورٍ وأنتِ سحر العبارة وانتظار المنى وحلم الإشارة

كنتِ بنت الغيوب دهراً فنمَّت عن تجليكِ حشرجات الحضارة

- سوف تأتين كالنبوءات كالأمطار كالصيف كانثيال الغضارة

تملئين الوجود عدلاً رخيَّاً بعد جورٍ مدجج بالحقارة

- وتصوغين عالماً تثمر الكثبان فيه، ترف حتى الحجارة

أما في قصيدة "توابيت الهزيع الثالث- ديوان جواب العصور" فإنه يحيل المجاز حقيقة في طلوع الكروم من الصخر:

ويطلعُ كرمة من كل صخرٍ تضاحكها النسائم أو تؤرجحْ

ينث تهاجس الأعشاب عنه ويخفقُ مثل أجنحةٍ تلوِّحْ

· ويعود الحديث في صورة شاخصة، مطلقاً العنان للسان صاحبه المخلص، وكأنه قد أتى، ولذلك كان عنوان هذه القصيدة - التي سأجتزئ بيتين منها - "وصول- ديوان رواغ المصابيح":

وكالبذر الدفين أنثُّ وجدي لوجدي، لا أنوح ولا أغني

بكل قرارة أنسلُّ دفقاً ربيعياً، يوشِّي أو يحنـِّي

· قبل أن أنتهي من هذه الاستشهادات المبعثرة- في بعض قصائد البردوني- التي تنمُّ عن عالم أخضر وربيع يشمل حتى الحجارة في عصر المخلص، أود إيراد أبيات قليلة من قصيدة "الآتية – ديوان كائنات الشوق الآخر"، إذ أن هذه القصيدة تحمل نفس القصديـَّة التي تحملها قصيدة "مدينة الغد" في تأنيث الخطاب، إلا أنه خطاب عن مدينة غائبة ما زالت في طور الإتيان، بعكس الخطاب الحاضر في " مدينة الغد".. إنها المدينة الفاضلة التي تبدي غموض الأحجية:

من آخر المرسى تهادت أغنية تجتاز أودية وتحمل أودية

كسريرةٍ ما شمَّ فاها كاهنٌ كصبيحةٍ ما شاهدتها الأهوية

كحديقة لا تحتويها بقعة كحقيقة أعـْيَتْ فنونَ التغطية

كفـُجاءة كانت تهمُّ وتنثني كجليةٍ تبدي غموض الأحجية

 

* ولأن القاموس اللفظي لدى البردوني مليء بمفردة " الأغنية " في قصائده التي تتضمن بعض المقاطع من سيرة المخلص فقد جاءت قصيدة ((الآتية)) للإفصاح عن هذه الأغنية التي تحمل بين أبياتها ملامح المدينة الفاضلة، وقد أخذ المجاز منها بغيته.. فأيَّة مدينة هذه وأيَّة أغنية تلك التي تأتي كحقيقة تعجز فنون الصحافة والإعلام عن تغطيتها, وتأتي واضحة جلية تكشف غموض الأحجية وتفك طلاسم العقول.. إنها الأغنية التي ستخترع المستحيل.. كما يقول في قصيدة" أغنيات في انتظار المغني- ديوان زمان بلا نوعية" ولكن بصيغة الجمع:

نغني لنخترع المفزعات لنجتثَّ من دمنا الانهلاعْ

نغني لنخترع المستحيل لتخلقنا شهوة الاختراعْ

* إذاً لا بد من وجود الأسطورة لتنظيم صعوبات الحياة كما أسلفت, لكنها أسطورة يفلسفها البردوني ليصل إلى حقيقتها معتمداً على الشك في الحقيقة من أجل الوصول إليها.. ولنيل هذه الأسطورة أعلى مراتب الحقيقة لديه, فقد كانت القيمة الأسطورية لهذه الفكرة تكمن في حقيقتها أو العكس.

هذه الأسطرة التي تصوغ الخاتمة للعدم الموجود نجدها في قصيدة " ثوار والذين كانوا- ديوان جواب العصور" مسترسلاً في الخطاب الجمعي:

ننصبُّ في كل تلٍّ أعيناً ومنىً

نخضرُّ أودية ننهلُّ أمطارا

- من هجسنا تبدأ التاريخ نبدأها

نؤسطرُ السفحَ والبستان والغارا

نصوغ للعدم الموجود خاتمة

نأتي من الغائب المنشود أخبارا

· ولأن الأسطورة تختلف في مدلولها مع الخرافة.. إلا أن المزج بينهما كائن لتصبح الخرافة واقعاً محكياً لاستشفاف الغموض المستقبلي عبر تساؤلات قلقة في قصيدة" علامات بزوغ المحجوب – ديوان رواغ المصابيح":

إلى الريح يحكي الشذى خرافاتك الواقعية

فيشتف شيب الربى غموض رباك الطرية

أغانيك غيبية وريَّاك مستقبلية

أكنت انتظاراً أتى؟ أهذي هي المهدوية ؟

فمن أي إيماضة ٍ طلعت وضيءَ السجية

كمعجزة من هدىً كأسطورة شاعرية

كمشروع قلب له على قلبه الأسبقية

كبدءٍ من المنتهى ومن قبل بدء البرية

 

· لقد اقتصر معظم النقاد على حصر غالبية قصائد البردوني في زاوية ضيقة، منطلقين من آراء جاهزة لا تحرك في نفس صاحبها قلق الاكتشاف لمعرفة ما وراء المعنى الذي لا قيمة لبقائه بوجهٍ واحد لا يكلفك حتى إماطة لثامه لرؤيتك إياه مسبقاً بعيون غيرك.

كيفية ٌلا تـُكيَّف

* ولأن هذا المخلِّص يحمل صفات ومزايا فريدة فلا بد أن يكون نموذجاً متفرداً لا يوجد من يضارعه أو يصل إلى مستوى ما وصل إليه من مراتب الكمال الإنساني في عصره.. فقد خلع عليه البردوني صفة" الفرادة" باختصاره لجميع الناس في شخصه, فهو الفرد, وهو الوحيد, وهو الكل في واحد, وليس ذلك بالمستحيل أو المُستنكَر كما قال أبو نواس:

وليس على الله بمستنكرٍ أن يجمع العالم في واحدِ

أما البردوني فقد أحجم عن تكييف هذه الكيفية العصيَّة على الفهم.. وربما أنه اكتفى بهذا التكييف لنفسه, ليضع القارئ على محكِّ التساؤل .. يقول في قصيدة" مصطفى":

لأنك الكل فرداً كيفيَّة لا تكيَّف

ويتواصل الخطاب مع المخلص في قصيدة" علامات بزوغ المحجوب- ديوان رواغ المصابيح":

توحِّد فيك الجموع وتعتمُّ بالمثنوية

وفي نفس الديوان من قصيدة" رابع الصبح" يواصل البردوني توجيه أسئلته:

أو يقولون لست فرداً , ولكن عالمٌ من خطورة في تهذُّبْ

ومن قصيدة" مهرجان الحصى – ديوان كائنات الشوق الآخر" نجد نفس الصيغة التساؤلية المملوءة بالدهشة:

يقول عنكَ الحصى ما لا يعي أحدٌ

ويدَّعي أنك الأزمانُ والسِّيرُ

فتكون إجابة المخلص وتأكيده على فرادته في قصيدة" صياد البروق- ديوان وجوه دخانية في مرايا الليل":

وحدي, نعم كالبحر وحدي مني ولي جزري ومديّ

وحدي وآلاف الرُّبى فوقي وكل الدهر عندي

من لا متى آتي أعود مُضيِّعاً قبلي وبعدي

ويكون آخر سؤال يرنو كمستغرب في قصيدة" آخر السؤال- ديوان جواب العصور":

وبين ذاك وهذا جمعٌ تلخص فردا

ومن التساؤلات الموجهة للمخلص يتجه إلى الحديث عنه وعن حكاياته, ففي قصيدة" مغني تحت السكاكين – نفس الديوان السابق":

يقول:

له وجهه الفرد لا يرتدي وجوهاً تغطي الوجوه القبيحة

يُعرِّي فضائح هذا الزمان ويعرى فيبدو كأنقى فضيحة

تعود هذه الفرادة في قصيدة" الأخضر المغمور" من نفس الديوان تأكيداً لتلخيص الكل في واحد:

حكاياته لون وضوء, عرفته

كشعبِ كبيرٍ وهو فردٌ من الورى

ويؤكد هذا التلخيص على لسان المخلص في قصيدة" عشرون مهدياً- ديوان رجعة الحكيم بن زايد":

ألأني بلا أنا في انفرادي كان أنتم وهن إجماع فردي

أخيــراً

" بعض الظواهر لا سبيل إلى تفسيرها على الإطلاق, فإذا كان وجودها لا يحتمل أي شك فالغموض التام يحيط بها من كل جانب وظهورها بالذات يتحدى المنطق ويفوق مستوى معرفتنا بالعالم الذي نعيش فيه, ولا يُنكر أن معظم الغوامض لابد لها- في يوم من الأيام – أن تنجلي, وبعضها قد تبقى مغلقة دائماً, فالكون غريب عجيب إلى حد أن المجهول وما لا يمكن معرفته سيظلان سائدين إلى ما شاء الله".

أو كما يقول آينشتاين: أروع عاطفة يتسنى للإنسان أن يشعر بها هي الإحساس بالغموض, لأنه ينبوع كل فن أصيل وكل علم حقيقي.. فمن لم تهزه هذه المشاعر, ولم يعرف وهج الإعجاب والسحر أحرى به أن يكون ميتاً.

وبعد:

هل كان البردوني يعيش حقيقة هذه العاطفة الغامضة التي نبع منها هذا الفن الأصيل- كما قال آينشتاين- أم أننا لم نستطع رؤية الوجوه الدخانية في مرايا الليل ورآها هو رغم فقدانه نعمة البصر؟