الثلاثاء, 12 تشرين2/نوفمبر 2019  
14. ربيع الأول 1441

تحليلات و ملفات ساخنة

 

"تماس- حياة أخرى" لسمير عبدالفتاح: الإنسان في مواجهة نفسه

 

 

 

 

 

وجدي الاهدل

 

 

"العالم لم يعد بحاجة إليّ. لم أعد رقماً فيه". بهذه الجملة التي تشي بالحزن وأيضاً بالغضب الخفي من الجنس البشري يفتتح الروائي اليمني سمير عبدالفتاح روايته الرابعة "تماس – حياة أخرى"(مركز عبادي للدراسات والنشر، صنعاء، 2014).

 

 تسرد الرواية التي تقع في مائتي صفحة حياة العزلة والوحدة التي يحياها باحث في مركز للدراسات.. ولا نعثر على اسم لبطل الرواية، ولكننا سنسمع صوته منذ البداية وحتى آخر سطر في الرواية، وهو يروي علينا قصة صراعه المرير مع مرضه الظاهر "الصرع" ومرضه الآخر الباطن "التوحد". تقوم الرواية على تقنية تداعي الذاكرة، فهي مروية بضمير المتكلم، وينفتح فيها مجال واسع للكشف النفسي والاعتراف.

 

تدور أحداث الرواية حول كهل تجاوز سن الخمسين، قضى معظم عمره دون عائلة أو زوجة أو حتى أصدقاء.. شخص مستكفٍ بذاته، ولا يشعر بالرغبة في الاختلاط بأحد. ولذا فإن حياته كلها مُسخرة للبحث والدراسة، وهدفه وطموحه يتمحور حول تأليف كتاب أو اكتشاف نظرية تفسر الدوافع التي تحرك البشر للتشكل في جماعات، الجماعات التي تشكل قومية أو وطناً أو حتى أسرة عادية. لكن هذا العالم الداخلي المتماسك لهذا الباحث الاجتماعي تداعى عندما ظهرت في حياته شابة لطيفة تدعى (ندى) أظهرت اهتماماً كبيراً به، ما أوقعه في حالة من فقدان التوازن، ذلك التوازن الذي كافح طيلة حياته ليحافظ عليه. تدهور حالته يقوده إلى طبيب نفسي كان زميلاً قديماً له أيام الدراسة. يقرر هؤلاء الثلاثة السفر إلى مدينة ساحلية، واللقاء بصديق رابع "أمين" الذي يملك كوخاً مطلاً على البحر وقارباً. يشتري الطبيب قارباً آخر ويقترح القيام بلعبة: ثقب أحد القاربين وإجراء قرعة، بحيث يصعد كل اثنين في قارب، والإبحار ليلاً إلى عرض البحر، والقارب الذي يتمكن من العودة هو الخاسر.. يتبين في النهاية أن القارب الفائز – الذي لم يعد – هو القارب الذي حمل الشابة (ندى) ومالك الكوخ (أمين). ويُمضي بطل الرواية والطبيب البقية الباقية من عمرهما في انتظار عودة الغائبين. وإذا كان بطل الرواية قد فقد الإنسانة الوحيدة التي ربما أكن لها شيئاً من المشاعر، فإن الطبيب النفسي قد خسر أيضاً شقيقه الأصغر (أمين).

 

بالتدريج سوف يكتشف القارئ خيوط حبكة بوليسية تقوده في النهاية، وبتلميح غير حاسم من طرف المؤلف، بأن بطل الرواية – المصاب بمرض التوحد- قد قتل والده!

 

تزداد الحبكة تعقيداً عندما يُفشي الطبيب السر الرهيب الذي يعذبه ويعذب شقيقه: لقد قتل (أمين) شقيقهما الأكبر – لأسباب غامضة – ومنذ حدوث الجريمة أصبحا لا يطيقان وجودهما، ويفكران في الهروب.. ولذلك عاش (أمين) منعزلاً عن البشر في كوخ مطل على البحر، وكان يقوم برحلات ليلية بقاربه آملاً أن يصادفه الحظ السعيد ويغرق. هذا الرباعي من الشخصيات الذي لديه رغبة متسلطة في الهرب من الماضي، والبحث عن الخلاص، يفسح المجال للتفكير بأن الشخصية الرابعة (ندى) قد تكون قارفت ذنباً تجاه والدها..

 

 لقد اتخذ الروائي تكنيكاً مختلفاً مع كل شخصية، فهو قد صرح بجريمة (أمين) على لسان أخيه الطبيب الذي يبدو مشاركاً سلبياً أيضاً في جريمة قتل شقيقهما الأكبر، ولمّح في عدة مواضع إلى قيام بطل الرواية بقتل والده، وأما بشأن (ندى) فإن الأمر لا يزيد عن التخمين.. والغموض يكتنف دوافع اهتمامها بوالدها بعد وفاته.. وطوال صفحات الرواية يومض هذا الإيحاء ولكن ما من شيء ملموس يؤكده. والدها (يحيى عبدالرحمن) هو باحث أنثروبولوجي، ولديه أبحاث عن القبائل غرب أفريقيا، حدثت له قضية اضطرته إلى الهجرة، فعاش خارج بلده حتى وفاته، واشتغل أستاذاً في جامعة ألمانية. تعود ابنته (ندى) إلى اليمن لجمع أبحاثه التي تركها في مركز الدراسات الذي كان يعمل فيه سابقاً، وتعمل جاهدة على نشرها في كتب، وهناك تتعرف على الكهل الخمسيني بطل الرواية. هذه الفتاة الشابة التي تركت حياتها الصاخبة في برلين، وتعلقت بكهل في عمر والدها، ولديه نفس الاهتمامات البحثية في مجال الأنثروبولوجيا التي كانت لأبيها، حتى أن لقاءهما الأول كان عاصفاً بسبب اتهامها له بسرقة دراسة غير منشورة كتبها والدها منذ سنوات بعيدة، سوف يُرسخ اعتقادنا بأن هذه الشابة (ندى) تعاني من عقدة "إلكترا". وكما تقول العرب: "كل فتاة بأبيها مُعجبة". والتطور النفسي لهذه العقدة ظل مستمراً حتى بعد وفاة والدها، بل يمكن الجزم بأنها قد تفاقمت إلى الطور النهائي للمرض، وصارحت بطل الرواية بأن ما بينهما ليس علاقة حب عادية بين رجل وامرأة، لأنها تعتبر بطل الرواية بمثابة ابن لها.. أي وكأن والدها هو الذي أنجب منها هذا الرجل الذي عثرت عليه في اليمن، واكتشفت أنه بصورة ما يعتبر امتداداً للصورة التي كونتها عن والدها المتوفى.

 

يمر الكاتب مروراً سريعاً على طفولة بطل الرواية، وهي طفولة تخلو من وجود الأم، التي ادّعى الأب أنها ماتت في انهيار منزلهم.. هذا الغياب الذي يبرره الأب بحادثة غير مؤكدة، سوف يبذر في نفس الطفل البذور الأولى لعقدة "أوديب". وسيكتمل انتقام الابن من أبيه عندما يخرج الأول من طور المراهقة إلى طور الرجولة. تدفع العقدة الأوديبية بطل الرواية إلى تحقيق العدالة بيده، أي القصاص للأم التي حُرم منها. لم تكن هناك أية إمكانية للشفاء من هذه العقدة، ولا حتى بعد تخلصه من مسببها، ولكن الفرصة الحقيقية التي لاحت له للشفاء غابت إلى الأبد مع غرق (ندى) المرأة الوحيدة التي قابلها في حياته وقالت له إنه بمثابة ابن لها.

 

 

يمتلك الروائي سمير عبدالفتاح مهارة الإبحار في أعماق النفس البشرية، والكشف عن الخبايا البالغة التعقيد التي تشكل شخصية الإنسان وسلوكه وأفكاره وطريقته في الحياة. وروايته " تماس – حياة أخرى" تترك قارئها مُثقلاً بحمولتها النفسية المنذرة بالخطر، وهي تثير رعبنا ومخاوفنا من خلال فتح أعيننا على الهاوية التي نقف عليها. إن الكاتب يُفلح في تنبيه القارئ إلى الحياة الأخرى التي يكبتها في داخله ولا يسمح لها أن تظهر في وعيه، ويُكافح بشدة ليمنع أي "تماس" بين هاتين الحياتين.

 

بدون شك يشكل هذا الروائي المبتعد عن الأضواء تياراً متفرداً في الرواية اليمنية، وهو ينقلها إلى أفق إبداعي مُغاير لم يسبقه إليه أحد.

صحيفة الأمة " PDF "

روح الشعر

 

  عبدالحفيظ حسن الخزان   أنا طفلٌ يمنيٌ ظامي...
  معاذ الجنيد   البرُّ والبحرُ والأجواءُ...

فكر و نقد

فنون و تشكيل

لقاءات و استطلاعات ثقافية

عرض كتاب