الإثنين, 09 كانون1/ديسمبر 2019  
11. ربيع الآخر 1441

تحليلات و ملفات ساخنة

 

مفهوم الخطاب… والخطابات الضمنية

 

 

 

 

خالد القزحي 

 

 

 

لم يكن الخطاب الأدبي بتلك السهولة التي تتردد على مخيلة الكاتب وهو يركز على توضيحه في نصه فقط وإن حاول فهم كافة محتوياته لفكّر ألف مرّة قبل وضع أي كلمة في سياق نصه الإبداعي الذي يصل للقارئ العادي والناقد والجمهور بشتى قدراته على فهم وإستيعاب ما يصل إليه. 

 

 

الخطاب ليس مجرد تلك الرسالة التي يود الكاتب أن يكتبها ككلمات لتوصل هدف مباشر فقط، وليس أيضا معاني تلك الرموز التي يثري الأديب بها نصه معتقداً أنه تعدى العامة ليوصل رسالته إلى النخبة المثقفة أو النخبة السياسية فقط أو غيرها. فالخطاب ليس مجرد اللغة مهما دخلت هذه المفردة في تعاريفة المتشعبة. ليس له دائماً علاقة مباشرة بمعناه لغوياً أيضاً لأنه غير مرتبط بكلمة خطابة أو خطبة مادامت الكلمة ليست مفردة عربية المنشأ أصلا (Discourse) .

 

 تم ترجمته بالتقريب للغة العربية بهذه الطريقة لأنه همزة الوصل بين المتكلم أو الكاتب والمخاطب وبسبب كلمة مخاطب تم تفسير الكلمة لتصبح خطاباً يُرسله المتكلم أو الكاتب على شكل رموز مكتوبة أو منطوقة تحمل معاني بشكل واعٍ ولا واعٍ، شفرة تستخدم اللغة كوسيلة نقل لإيصال معنى ضمني قد تكون اللغة نفسها غير قادرة على وضعه بشكل مناسب ما لم تكن متمكنة بتمكن كاتبها، ومع هذا لن يكون من السهل فهم هذا النوع من الشفرات ما لم يكن السياق معروفاً بين المتكلم والمخاطب بصورة تسمح للمتلقي بفهم النص غالباً عن طريق القراءة التحليلية والنقدية أكثر من مجرد تلقي المعنى السطحي للغة.

 

 

المشكلة في عدم وجود تعريف واحد للخطاب أنه ناتج نظرية فلسفية مرتبطة بعوامل الثقافة والقوة والسلطة وما شابهها من عوامل قد تجعل الكاتب يقع في وضع الخطاب الغير محمود بشكل لا واعي مثلاً لأن إبداعه سيكون متأثرا بالعوامل المحيطة به ثقافياً، فمثلاً الشاعر الغزلي قد يصيغ قصائد في قمة الرومنسية وهذا المعنى السطحي للغة التي سيتلقاها القارئ لأول قرأة. الخطاب هنا ليس مجرد التجربة الشعرية الرومنسية التي قد تكون حدثت واقعيا أو عن طريق خيال الكاتب. 

 

 

ولكن اللغة المستخدمة قد تعكس طريقة تعامل ونظرة الكاتب للمرأة، وستعكس صورة المرأة في ذهن الكاتب وربما موقعها الصحيح في المجتمع، وكذلك ستعكس الحالة النفسية للكاتب من حيث استخدامه للألفاظ داخل النص. بالتأكيد هذه الخطابات ليست سهلة أثناء محاولة التملص منها لأنه لا يتم ادراكها من قبل الكاتب أثناء الكتابة لإعتقاده أن ما يوجد في عقله غالباً صحيح ولهذا لا يلقي لها بالاً. ولو فكر بها لأتعبته أثناء الكتابة وهو يحاول مراجعة كل مفردة يكتبها وتكون عرضةً للانتقاد خاصة من أتباع المدرسة التفكيكية وما بعدها من المدارس النقدية والأدبية.

 

 

يعتمد الخطاب على الحوارية المفترضة بين المرسل والمستقبل، بحيث يقوم الكاتب بتوجيه نصه كحوارٍ مع الجمهور الإفتراضي في مجال تفكيره ولهذا يحتاج جهداً مضاعفاً لأنه يحاول تقمص شخصيات المتلقي المتعددة ورؤية ما إذا كان نصه قد حقق هدفه أم لا، وفي هذه المرحلة يقوم المرسل بإدخال ما يريد من أيدلوجيات لمحاولة إقناع المتلقي بشكل مباشر او غير مباشر بخطابات غالباً ما تكون ضمنية غير واضحةٍ ويتلقاها الجمهور المستهدف كنصوص للقراءة وهي تحوي أكثر من مجرد معنى سطحي. بالتأكيد ليس كلُّ كاتبٍ واعٍ لهذه المرحلة إلاَّ إنْ أصبح ناضجا بشكلٍ كافٍ ليفكر بتغيير قناعات المتجتمع وتنمية قدراته، كتشجيع مجتمعه على البحث والتفكير وتغيير بعض العادات ونقدها بطريقة تجعل المتلقي مقتنعاً بما يقرأ وبدون إستخدام هجوم لغوي. السياسيون أكثر من يستفيد من هذه المرحلة بالذات لجعل المجتمع يتفق أو يختلف مع ما يقرأ كما يريد السياسي من خلال الخطابات المبطنة داخل النصوص التي يستخدمها أو يختار من يكتبها.

 

 

بالنسبة للخطابات التي لا يعيها الكثير من الأدباء هي عبارة عن تلك الرؤى الشخصية والثقافية للأشياء من حولهم، غالباً ما يأخذونها كمسلَّماتٍ وقت الكتابة وفيها يقع الكاتب -بدون دراية- ضحيَّةً للنقد لأن كلّ كلمة قد تعتبر رمزاً سواءً كان الكاتب مدركاً لما يكتب أم لا.. الدراسات البعد إستعمارية إستفادت بشكل كبير من نظريات ميشيل فوكو حول هذه الخطابات المبهمة في رداساتهم البعد إستعمارية عن طريق تفكيك النصوص الإستعمارية التي حاولت وضع أعذارٍ للإستعمار كمهمةٍ نبيلة وعن طريق تلك النظريات استطاعوا إخراج صوت المقاومة وتبيين العنف المستخدم وهدم ذريعة المهمة النبيلة وتوضيحه كمحاولات استغلالٍ للثروات البشرية والطبيعية في البلدان المستعمرة عن طريق تشريح تلك النصوص وقلب معانيها لتصبح ضد الإستعمار بدلاً من أن كانت تستخدم كترويجٍ له.. كذلك فعلت سارة ميلز في كتابها (خطابات الاختلاف) حول فروق كتابة الرجل والمرأة في أدب الرحلات، كما تفننت كثيراً في شرح معاني الخطاب المتعددة منوِّهةً بشكل كبير لفوكو وغيره من الفلاسفة في كتاب أسمته (الخطاب)..

 

 

الأديب يكتب نصه محاولاً أن يختار كافة الجماليات والرموز التي تحمل أهدافه من الكتابة ولكن يجب عليه أيضاً إدراك أن نصه سيكون محملاً بهويته وثقافته التي قد تختلف عن المتلقي في محيطه وخارج بيئته.. القارئ في نفس البيئة قد تتماشى بعض الأفكار معه من بيئة الكاتب ولكن القارئ البعيد عن محيط الكاتب يمكنه كشف تلك الخطابات التي لم تكن في بال الكاتب كأمور قد يجدها القارئ غريبةً عليه بسبب الدين والعادات والتقاليد والمكونات الثقافية الأخرى. ولهذا يستطيع الناقد كشف حقائق قد تغيب عن ذهن الكاتب نفسه مهما حاول إنكارها أو تأكيدها فالنص لا يحمل رأي الكاتب فقط ولكن يحمل عقليته وأفكاره ومجتمعه وثقافته في نفس الوقت وغالباً ما تحوي هذه المكونات العديد من الخطابات التي لا يدركها الكاتب نفسه تضاف إلى نصوصه بجانب خطاباته الواعية.

 

 

 

 

صحيفة الأمة " PDF "

روح الشعر

 

  عبدالحفيظ حسن الخزان   أنا طفلٌ يمنيٌ ظامي...
  معاذ الجنيد   البرُّ والبحرُ والأجواءُ...

فكر و نقد

فنون و تشكيل

لقاءات و استطلاعات ثقافية

عرض كتاب