مزالق المثقف الجديد

 

 

 

 

عــلي الفهد 

 

 

ثمة مزالق خطرة يقع فيها كثير من المثقفين في بداياتهم، في الغالب، وهي مزالقٌ مركبةٌ تتداخل فيها أسباب نفسية واجتماعية وقلة الوعي بالفضاء السياسي والفكري.ولست من أولئك الذين تمرسوا الفعل الثقافي وتوصلوا إلى نتائج وتوصيات، لكنني أكتب من قلب البدايات، وبالتالي فإن ما أوجزه هنا ليس أكثر من تأملات في الوسط الذي أتفاعل معه وأصدر عنه.

 

ومن هذا المزالق الملفتة :

 

(1) النزعة الصدامية : كل صدام أو نزاع لا يُبنى على وعي وإنما يصدر عن حدوس و أهام وضعف في مهارات التواصل مع المحيط والمؤسسات ، وهذا يخلف كثيرا من الأفعال والكتابات المسيئة إلى رموز فكرية وقضايا وطنية وثوابت اجتماعية دون إيضاح الأسباب أو حتى طرح البدائل .

 

ومن أسباب هذه النزعة العدائية الرغبة في الانتشار والشهرة وحق الاعتراف والحضور وهكذا يفعل المبتدئ المبدع على وجه الخصوص وفي أول سقوطه على المشهد الثقافي وقد تكون الدوافع فعلا نتيجة ردود أفعال لانغلاق المؤسسة الثقافية الرسمية على ذاتها وانكفائها على عدد معين من المثقفين الذي يحققون لها مطامعها الأيديولوجية.

 

(2) المبالغة في تقدير الذات قبل تسويقها : ولأن معظم أنشطتنا الثقافية شفاهية، غير مكتوبة، فإن ما يتم طرحه في الجلسات الخاصة مع الأصدقاء من قراءات للمشهد بحقوله المختلفة وتفاصيله المتعددة يتم طرحه شفاهةً ..خاصة الأفكار الناجعة والمواقف المعتدلة والسوية من الحياة والواقع ،والتي تفضي بالمثقف إلى الشعور بمظلوميات كثيرة، و سرعان ما يرجع أسباب هذه المظلوميات إلى المجتمع والرموز الثقافية ومؤسسات النشر .طبعا هذا في الغالب قبل أن يدون أفكاره ويتفاعل بها مع الآخرين و يفكر في نشرها .وهذا الوهم يجعل المثقف شخصاً يبالغ في تقدير ذاته قبل تسويقها .

 

 

(3) الطوباوية والمثالية التي ترافق بدايات التواصل الثقافي مع المؤسسات والوسط الثقافي وهذا المزلق سببه الجهل بالإيديولوجيات المهيمنة، أو قلة وعي المثقف بها واجتزائها، والاكتفاء بمعرفة الزيف الذي تقوم عليه ومناطحته ما يفضي في نهاية الأمر بالمثقف إلى مزلق المثالية التي تجعله يرى العالم ومكوناته والبشر و تواضعاتهم الاجتماعية والسياسية - من منظوره الخاص ، بل ويتعذب لأن ما يتم طرحه وكتابته لا يعدو عن كونه طرح تصورات ذاتية يتغيأ صاحبها من المتلقين الذين يقرأونه والذين لم يسمعوا به حتى - التواضع معها وتبنيها .

 

 

(4) التواطؤ بالصمت أو العمل خارج المشروع الوطني : وتدفع الدولة المثقف إلى هذا المزلق في عدم طرح مشروعها الثقافي وثوابت هذا المشروع أو التستر عليه،فالمؤسسة الثقافية تبدو مؤخرا كمن يسوق التكميم والعبث، وهذا يفسر التخبط الذي يصدر منه المثقف ويعيشه السياسي الذي يسير بدون موازة أو حتى مؤازرة من الثقافي ..لأن المشروع شبه غائم أو يراد له أن يكون كذالك، خاصة وأن الأيديولوجيات القائمة والنشطة منذ أحداث الربيع العربي تعمل على إقصاء الفعل الثقافي باستثناء نوع معين يمكن وسمه بــ ثقافة (ما وافق الحق). وهذه التوجهات في الغالب تجد نصوصا بعينها في الماضي والتاريخ وتحاول من خلالها العيش بالجميع خارج العصر ..وهذا يفضي إلى مزلق الاستجابة السلبية لطموحات المشاريع (الراديكالية )بالصمت عليها والاكتفاء بالتراشقات الشخصية واصطناع العداوات و الكراهيات والتذمر من الواقع دون كشف الأنساق الصانعة له .

 

 

(5) الأنانية و مقصدية التنصل عن مقاربة الإصدارات الإبداعية الجديدة وتناولها بالقراءات والدراسة وعرض جمالياتها للمتلقين، والكشف عن الإبداع السيئ والضار بالذائقة والهوية ، فالتنصل بالتهميش أو التنكر أو حتى الغيرة من الإبداعات الجديدة- مزلق خطر من مزالق المثقف اليمني الذي يريد من الجميع توحيده وإلغاء ما عداه،حتى ذواتهم ذاتها.

 

 

هذا المزالق الخمسة -وغيرها كثيرة ولا تقل خطورة عنها- هي ما تبدى لي طرحه هنا بهدف مراجعة الذات و محاولة تقييمها في ظل الوضع الثقافي المثير للشفقة ، والذي يسهم ترديه في تخبطات كثيرة قد تفضي إلى حروب و ارتكاسات جمعية لم تخطر على بال الكثير حتى من أولئك الذين توكل إليهم مهام قيادة المشهد السياسي والثقافي في البلد .