الثلاثاء, 12 تشرين2/نوفمبر 2019  
14. ربيع الأول 1441

تحليلات و ملفات ساخنة

التناص وموتيفة الموت فى القصة القصيرة

 

 

 

 

 

شوقى بدر يوسف

 

 

من الإشكاليات المهمة التى احتفى بها السرد الروائى والفن القصصى “موتيفة الموت” واقعه وماورائه. كتب فى ذلك الكثير من الكتّاب والمبدعين، وحفلت القصة والرواية العربية بهذه الموتيفة فى أعمال عدة ابرزها كانت فى أعمال نجيب محفوظ وحنا مينه ويوسف إدريس وعبد الرحمن منيف وتيسير سبول ومؤنس الرزاز وغسان كنفانى والطيب صالح وجبرا إبراهيم جبرا وضياء الشرقاوى وغيرهم من كبار الكتاب، وكان الطرح الروائى والقصصى فى كتابات هؤلاء الكتاب حول هذا الموضوع من وجهات نظر وجوانب تبئيرية متعددة ومتباينة،

 

 وقد تناول النقاد والباحثون هذه التيمة فى تناولهم لإشكاليات السرد العربى والغربى نذكر منهم على سبيل المثال “إشكالية الموت فى الرواية العربية والغربية” وهى رسالة حصل بها الباحث الدكتور أحمد الزعبى على درجة الدكتوراه من جامعة ميتشجن بأمريكا، كذا كتاب رحلة الموت فى أدب نجيب محفوظ للناقد حسين عيد. وكتاب “أدباء منتحرون.. دراسة نفسية” وهى أيضا رسالة للباحث مكرم شاكر أسكندر حصل بها على الدرجة الدكتوراه فى علم النفس من كلية الآداب جامعة عين شمس بالقاهرة 1985.

 

 إلا أن القصة القصيرة وما تحفل به من تناصات مختلفة حول هذا النوع من الكتابة وهذه التيمة – وهى كثيرة للغاية - يجعلنا نتوقف أمام هذه الظاهرة من خلال ثلاث نصوص قصصية تتناص فيها تيمة الموت فى إشكالية واحدة وهى إشكالية العبث معه، ومحاولة الاقتراب منه بصور متباينة، حتى ينتهى هذا العبث بنهاية مأسوية تكاد تكون واحدة فى القصص الثلاث مجسدة بذلك إشكالية ودلالية ميتافيزيقية تعطى مؤشرا بأن الموت قريب جدا منا ولكننا لا نكاد نشعر به، وأحيانا يمد لنا يده وأحيانا بطريقة لاشعورية نستسلم لهذه اليد ونمسك بها دون أن نشعر بأن هذه هى النهاية وهذه هى ما أكدته هذه النصوص القصصية الثلاثة فى تناصها الدلالى وأبعادها الميتافزيقية المحققة لإشكالية الموت فى صورته العبثية.

 

 

والقصص موضوع هذه القراءة هى قصة “ الذى مات بطريق الخطأ” للكاتب الإيطالى الشهير دينو بوتزاتى والذى ترجمها إلى العربية الدكتور محمود موعد ونشرت بمجلة العربى الكويتية ع 324 فى نوفمبر 1985، كما نشرت أيضا تحت عنوان “الذى مات خطأ” بترجمة الدكتور منذر عياشى فى مجموعة مختارات قصصية لبوتزاتى بعنوان “الجنرال المجهول” صدرت عن دار الإنماء بسوريا 2002، والقصة الثانية للقاص المصرى مصطفى نصر وهى قصة “مقادير” ونشرت بمجلة البحرين الثقافية، عدد 25 فى يوليو 2000، كما نشرت أيضا تحت عنوان “إزعاج سلطات” بمجلة الرافد الإماراتية، ع 142 فبراير 2001، أما القصة الثالثة للقاصة اليمنية نادية كوكبانى وهى قصة “مزحة” ونشرت بمجلة الراوى ع 6 فى ديسمبر 2000. القصص الثلاث تحتفى بعبثية مواجهة الموت من زوايا مختلفة لعب فيها القدر دورا فى إنهاء هذا العبث فى مراوغة غير محسوبة تحول فيها الأمر من مجرد لعبة عبثية إستيهامية إلى حقيقة واقعة وغير متوقعة، لأن هناك ثمة مقولة تقول “أن الحياة نفسها موت مستمر.. لأننا لا نكف فى كل لحظة عن بناء موتنا”.

 

 

كتب دينو بوتزاتى قصته بحرفية القاص المتمرس بمثل هذا النوع من الكتابة، وبآلية ميتافيزيقية متأثرا فيها بأعمال إدجار الن بو وكافكا وغيرهم من كتّاب النزعة الكابوسية، ومن خلال خبرة طويلة فى القصة القصيرة والصحافة باعتباره كان صحفيا متمرسا فى جريدة كورييرى ديللا سيرا الإيطالية، وقاصا من الطراز الأول.

ويجسد بوتزاتى فى قصة “الذى مات بطريق الخطأ» إشكالية الموت الخطأ والإلتباس الحاصل مع الموت الحقيقى من خلال الفنان التشكيلى الرسام ليسيو بردونزانى الذى قرأ خبر نعيه فى إحدى الجرائد، ورثاء زملائه الفنانين له، وتعرضه لبعض اللمزات المسمومة فى الخبر المنشور، وعلى الفور نادى على زوجته التى ما أن قرأت النعى حتى أجهشت فى البكاء، فنهرها ليسيو وأحست بما هم فيه، فانخرطت فى نوبة من الضحك.. وصرخ فيها زوجها «: ولكن هل اعتراك الجنون يا ماتيلد! إلا ترين إنى لا زلت هنا.. ولكن ألا تفهمى هذا الخطأ المرعب». ذهب بردونزانى إلى مقر الجريدة وواجه رئيس التحرير بما حدث، طمأنه رئيس التحرير بأن هذا موضوع بسيط للغاية وعليه ألا يكترث به، وأوضح له بأن هذا الخطأ البسيط سوف يعود عليه بالخير الوفير، وأنه سوف يكسب من وراءه كثيرا. فسوف تتضاعف أسعار لوحاته بمجرد أن يعرف الناس أخبار وفاته. ويستمر الجدل حول ذلك بين رئيس التحرير وليسيو بردونزانى، حتى يقتنع ليسيو بوجهة نظر الرجل، ويستمر الوضع على ما هو عليه، وتبدأ التحضيرات لتفعيل الجنازة، ويذهب بردونزانى وهو متخفى إلى مقابر الأسرة لرؤية نعشه «: خرج بهدوء نحو المقبرة. كانت أمسية ناعمة وممطرة. عندما وجد نفسه أمام مقام صلاة العائلة، نظر فيما حوله، لم تكن ثمة روح تحيا. فتح المصراع البرونزى. من غير سرعة بينما كان الليل يغشى المكان، قلع البراغى التى تغلق النعش الجديد بسكين، كانت معه، إنه نعشه، نعش ليسيو بردونزانى.. فتحه، كان هادئا جدا، تمدد على ظهره، متخذا وضعا افترض انه ملائم للموتى فى موتهم الأبدى. وجوه أكثر راحة مما توقع.. سحب الغطاء فوقه ببطء من غير أن يرتعش. وعندما لم يبق سوى فتحة صغيرة، أصغى بعض الثوانى، فلربما ثمة شخص يناديه، ولكن لم يناده أحد.. حينئذ ترك الغطاء ينغلق تماما». (قصة «الميت الخطأ» مجموعة الجنرال المجهول، ترجمة د . منذر العياشى، مركز الإنماء للحضارة،حلب سوريا ، 2002 ص 32)، إنها نفس إشكالية الموت الذى اشتغل عليها بوتزاتى فى معظم قصصه، فهذا الفنان التشكيلى الذى مات دعائيا ثم لم يلبث أن التبسه الموت، وهو يقوم بتجربة الطقوس الأخيرة لرحيله، فإذا بالفعل الطقسى ينقلب إلى رد فعل حقيقى، ويموت الفنان التشكيلى ليسيو بردونزانى أثناء تجربته وتمثيله لفعل الموت فيكون رد الفعل هو الالتباس الحقيقى للموقف وكأن مختبره الأخير كان هو فى ردة فعله لنفس الفعل، وتصبح الأخبار التى نشرت عن وفاته حقيقية بعد أن كانت أخبارا مفبركة، فكان سعيه إلى الموت هى رغبته الدفينة فى أن يحقق الفوز والمكانة لفنه ولوحاته الفنية التى رسمها حال حياته فكان الموت هو الأخر تكملة لنفس الرغبة الأولى وتتويجا لهذا الجهد الكبير الذى سعى إليه ليسيو فى حياته العملية، وكانت النهاية التى سعى إليها برغبته الذاتية ومحاولة خوض التجربة وممارسة فعلها هى النهاية التى تناصت مع قصص أخرى ربما كانت متأثرة بنفس قصة بوتزاتى «الذى مات بطريق الخطأ».

 

 

نجد ذلك فى قصة «مقادير» أو «إزعاج سلطات» للكاتب المصرى مصطفى نصر حيث نجد أن رؤية المعنى فى العنوانين السابقين ينطبق وحالة النص وانطباق دلالته من الجانب الواقعى فهو فى العنوان الأول قدر لشخصية شاب أسلم نفسه طواعية لحالة إغماء مصطنعة بدلا من رجل مسن كان فى إغماءة حقيقة وظن الجميع أنه مات بالفعل. ولا يعرف الشاب أن هذه الحالة ستقوده إلى النهاية المحتومة، وهى فى العنوان الثانى يبدو الحدث فى موجزه وكأنه محاولة تفادى إزعاج السلطات أرادت بها شخصية البقال أن يتفادى هذا الإزعاج فحدث ما حدث وأسلم الشاب الذى تطوّع ليحل محل الرجل العجوز فى إغماءته، أسلم نفسه للنهاية وهو لا يعرف أن هذا هو قدره الأخير. القصة تتناول موتيفة الموت من وجهة نظر واقعية تتدخل فيها عوامل الإنسانية من خلال واقعة يقال أنها حدثت بالفعل فى شارع أبن خطاب إحدى الشوارع الشهيرة فى حى كرموز بالإسكندرية. وتدور الحادثة على أرضية هذا الشارع من خلال إغماءة تطال رجل مسن أثناء سيره أمام إحدى محلات البقالة فى الشارع. ويتجمع المارة حول هذا الرجل ويقوم صاحب محل البقالة بالاتصال بالإسعاف. وبعد قليل يصحو الرجل من إغماءته. ويشكر من حوله على اهتمامه به، ويحاول الانصراف ليلحق بعمله، لكن البقال يستوقفه حتى تحضر عربة الإسعاف حتى لا يتعرض للمساءلة القانونية نظرا لآن مساعده قد أخبر المسئولين بمرفق الإسعاف بالواقعة وأدلى لهم ببعض البيانات التى منها أسم البقال وعنوانه، وأن الموقف فى مثل هذه الحالة يجب أن يستمر حتى نهايته، ويتطوع أحد الشباب المارين بالصدفة فى هذا المكان ليحل محل الرجل العجوز ويمثل دور المغمى عليه على الأرض لحين حضور عربة الإسعاف، وبعد حضور رجال الأسعاف يكتشف الجميع بأن هذا الشاب قد مات بالفعل، يبدو المشهد فى غرائبيته وعبثيته وكأن الموت كان على موعد مع هذا الشاب.

 

 

 

أما قصة الثالثة فى هذا التناص السردى وهى قصة «مزحة» للكاتبة اليمنية نادية الكوكبانى فقد جاءت فى لقطة وومضة قصصية ساخرة من عبثية الموت والحياة فى آن واحد يقوم فيها رب إحدى الأسر بالفعل الرئيسى لفعل الموت، وهو أيضا الذى يقوم بدور راوى الحدث من بدايته حتى النهاية. تستهل الكاتبة القصة بمشهد وصفى للمكان والزمان حيث تستهل هذه الأسرة حياتها اليومية كعادتها بهذه الطقوس المألوفة كل يوم، ويحكى الراوى الحكاية «: صباحا.. كعادتها تبدأ زوجتى فى مناداتى «استيقظ».. «هيا تأخر الوقت، لن تتمكن من اللحاق بباص الثامنة» ومن ثم توقظ كل ما فى الحجرة.. نوافذها، ستائرها، سجاجيدها المتناثرة، كراسيها المتهرئة، تهندم غطاءها المتثائب، وتنزع عن جسدى غطاءه، وتغادر. (مزحة (قصة) نادية الكوكبانى، م الراوى، نادى جدة الأدبى، ع 6، ديسمبر 2000 ص 105

 

 

فى القصة الأولى وهى قصة دينو بوتزاتى يستخدم الكاتب رؤيته الميتافيزيقية والنفسية فى بلورة الموقف العبثى الذى وضع فيه الرسام ليسيو بونزانى نفسه حين وافق على أن يكتسب من خبر وفاته مالا وفيرا وأن تصعد أسعار لوحاته فى بورصة الفن التشكيلى كما أفهمه رئيس تحرير الجريدة التى نشرت خبر وفاته. وكأن الموت نفسه قد فرض نفسه عليه فحين أراد يكتشف ملامح الموت من خلال دخوله صندوق الدفن. فكأنما كان يعد نفسه لرحلته الأبدية، وحين أصبح داخل صندوق الموتى «: دون أن يضطرب أعاد برفق الغطاء فوقه. وحين لم يتبق إلا شق صغير، أصغى بانتباه، لحظات، فربما كان هناك من يناديه. ولكن لا أحد على الإطلاق ينادى، عند ذاك ترك الغطاء يعود إلى السقوط نهائيا». (قصة «الذى مات بطريق الخطأ» مجموعة الجنرال المجهول ص147). وكان هذا السقوط المدوى هو إيذانا برحلة الإبدية التى سار فيها ليسيو بونزانى تاركا ورائه لوحاته وزوجته ماتيلدا والحياة كلها. أما قصة «مقادير» مصطفى نصر فقد جاءت حكائية منذ البداية سرد فيها الكاتب الراوى الحدث بطريقة واقعية وانتهى فيها الحدث بمشهد الموت الواقعى «: انحنى رجل الإسعاف؛ لامست ركبتاه الأرض، جس وجه الشاب وصدره. وزميله أحنى رأسه أسفا. وقفا. قال أحدهما: لا نستطيع حمله. لقد مات.

صاح البقال: لم يمت. لم يمت. افحصاه جيدا!!

قال رجل الإسعاف: إنه عملنا نعرفه جيدا.

لم يمت. لقد كان يتظاهر بالإغماء.

نظر البقال إلى مساعده صائحا: احك لهم يا ولد عما حدث.

 

 

لكن مساعده كان يبكى تأثرا. نظر البقال إلى الناس الموجودين قبل نوم الشاب: قولوا لهما إنه فعل هذا من أجلى. الرجال دهشوا، قال أحدهم لرجلى الإسعاف: لا شك أنكما أخطأتما الفحص. دفع أحدهم الرجل فى ضيق: سنرسل له سيارة الموتى. وشقت الإسعاف طريقها وسط جمهرة الناس ودهشتهم!! ( قصة “مقادير” م البحرين الثقافية، ع 25، ديسمبر 2000 ص142) وفى قصة “مزحة” للكاتبة نادية كوكبانى تستمر اللعبة العبثية والموقف المصطنع من رب الأسرة من خلال المونولوج الداخلى المستغرق للنص بأكمله يمازج فيه الراوى بين موقفه من أسرته وبين النهاية التى تعترض كل منهم لو هو قد مات بالفعل. “: ترى ما يدور فى خلجاتهم، المستقبل الذى قد تكبر همومهم فيه بدونى”. (قصة مزحة م الراوى ع 6 ديسمبر 2002 ص107) ويبدأ أفراد الأسرة فى التعامل مع الموقف، ويستمرئ الراوى المتماوت فى لعبة الموت دوره 

 

ويستمر فى عبثه مع هذه الأسرة محاولا أن يعرف نتيجة مزحته وتمثيليته المتقنة “: خرج أبنى البكر مسرعا لإحضار الطبيب بعد أن تمتم بعبارات لم أفهمها نتيجة العويل والصراخ الذى بدأ يخيم على المكان”. (قصة “مزحة” ص107)، إلا أنه يفطن بأن هذا الوضع الشاذ لا بد وأن ينتهى، ويستمر مونولوجه الداخلى مع نفسه وهواجسه ويحاول الأب الراوى أن يقوم من فراشه ليفاجئهم بنهاية هذا العبث لكن الأمر يستفحل وتبدأ النهاية تدريجيا بوصول الطبيب، وينتهى النص بصوت الراوى فى هواجسه الذاتية التى ينتهى بها النص بنفس النهاية التى انتهت بها قصص “الذى مات خطأ” لدينو بوتزاتى، و”إزعاج سلطات” لمصطفى نصر “: قطع جرس الباب حوارى العقيم.. خطوات تقترب منى.. صوت يتدحرج نحوى: “أفعل ما بوسعك” دنت الخطوات منى أكثر.. سأنهض قبل أن يتعاظم ذنبى فى عقولهم وقلوبهم عندما يخبرهم الحقيقة.. دنت الخطوات أكثر.. أكثر “هيا أنهض؛ تكلم، اعترف، وليكن ما يكن”. يا إلهى ما بال جسدى لا أستطيع الحراك.. توغلت شرايينه.. فرشه.. خشبة. تجذر فى الأرض.. استسلم انتهى دثر لحافى جسدى، وجهى ومن خلفه تردد صوت كالصوت. البقاء لله”. (قصة “مزحة” ص 108) يبدو التناص فى القصص الثلاث وإشكالية الموت التى توحدت فى صورة تكاد واحدة ولثلاث كتّاب بعدت بينهم الشقة فى المكان والرؤية لكن الإبداع القصصى هو الذى جمع هذه الموتيفة وهذه الإشكالية فى أبعاد عبثية يتسم بها فن القصة القصيرة على مستوى العالم كله.

 

 

صحيفة الأمة " PDF "

روح الشعر

 

  عبدالحفيظ حسن الخزان   أنا طفلٌ يمنيٌ ظامي...
  معاذ الجنيد   البرُّ والبحرُ والأجواءُ...

فكر و نقد

فنون و تشكيل

لقاءات و استطلاعات ثقافية

عرض كتاب