الثلاثاء, 12 تشرين2/نوفمبر 2019  
14. ربيع الأول 1441

تحليلات و ملفات ساخنة

 

قراءة دلالية في ديوان " مقدمة لاشتعال الطين " للشاعر عبد العزيز الزراعي شعرية الوطن وطرائق تشكل الخطاب الشعري

 

 

 

 

 

 

عبد الرقيب الوصابي

 

 

ليس الشعر مجرد مطاردة للأوزان والقوافي ، فحسب ، وإنما هو أيضا ، بحث عن الروح والنبض في ماضي الأمة وحاضرها ، و إضافة فنية واعية على الأحداث الكبرى ، التي صنعتها أو مرت بها هذه الأمة ، فإذا أهمل الشاعر نقطة النظام هذه ، واكتفى بنظم ما لا يهم أحدا سواه ، كان مداد الحبر الذي تستقي منه أقلامه من ذلك الحبر الذي لا يلتمع - حد تعبير الأوائل -.

 

ولعل تيمة / الوطن ، من أهم القضايا الكبرى التي لا بد أن يحتفي بها الشعر والشعراء ، فالوطن يتسع اتساع خيالات الشعراء ، لم يعد ضيقا كما وجدناه عند الأسلاف ، لم يعد الوطن البيت أو ظهر الراحلة كما يقول "ابن الرومي " في بيته الذي نازعته في امتلاكه امرأة :

 

ولي وطن آليت ألا أبيعه وألا أرى غيري له الدهر مالكا

كما أنه لم يعد ظهر الراحلة والبيت معا.... كما يصوره أبو تمام:

خليفة الخضر من يربع على وطن في بلدة فظهور العيس أوطاني "1"

 

لقد اتسع الوطن وأضحى واسعا، إلى الحد الذي ضاعت معه دلالة المفردة، حتى أصبحت لا تعني شيئا ، سوى تأوهات الشعراء ، ولعل الشاعر الأمير / عبد العزيز الزراعي يأتي في رأس قائمة هؤلاء الشعراء ، وهو ما يدفعني هنا لتسليط الضوء النقدي على تجربته الشعرية الأول " مقدمة لاشتعال الطين " وهي تجربة شعرية ناضجة ، تستحق أكثر من قراءة نقدية ، لاكتشاف ما تواريه التجربة عن أنظارنا من تنوع وثراء.

 

******

 

إن اختيار العناوين عملية لا تخلو من مقصدية كيفما كان الوضع الاجناسي للنص ، إنها مقصدية تنفي معيار الاعتباطية ، في اختيار التسمية ، ليصبح العنوان هو المحور الذي يتوالد ويتنامى ويعيد إنتاج نفسه ، وفق تمثلات وسياقات نصية تؤكد طبيعة التعالقات التي تربط العنوان بنصه ، والنص بعنوانه .

ولعل وقفة بسيطة على عناوين المجموعة الشعرية الأولى للشاعر الزراعي " مقدمة لاشتعال الطين " ستؤكد للواقف بقصد التعمق في الدرس أو القارئ معا ، مدى ارتباط العناوين الداخلية للقصائد / "باعتبارها خارطة طريق للقارئ" ، بعنوان المجموعة الرئيس/ باعتباره مفتاح المجموعة الشعرية وقفلها الدال في آن واحد ، وحتى يتضح ذلك أكثر ، فقد جاءت العناوين الداخلية على النحو الآتي :-

 

" رحلة إلى مرافئ الجرح _ هكذا أقرأك _ إنه جرحي وإنه باسم الإرث القديم _ نهر ابتهالي _ أسطورة البدء _ هدهد إلى الوطن الجرح _ فوق عرش الفناء _ العمياء _ في الوادي المقدس _ من أين أعثر لي على موت سواها _ اشتعالات في حرم الأنثى".

 

والعناوين الداخلية للقصائد - هذه - باعتبارها عتبات نصية ، وهي أول ما يستوقف القارئ ، لا تمثل فقط قصدية حضور ، وإنما تمثل طرائق تشغيلها على مستوى معيارية التوجيه ، وفق ارتباطها بأطروحة الشاعر وتصوراته الفكرية ، فالمظهر التركيبي للعناوين الداخلية يشف عن تعالقاتها النصية مع الموروث الروحي والثقافي"2" بقصد تبئير الوطن / الجرح كما هو واضح من العناوين التي تتكرر فيه مفردة الجرح :-

وهي " رحلة إلى مرافئ الجرح _ إنه جرحي وإنه باسم الإرث القديم _ هدهد إلى الوطن الجرح "

إن الرحلة التي يتغياها الدرس النقدي مع نصوص المجموعة الشعرية – موضوع الدرس - ستأخذنا إلى مرافئ الجرح ، والجرح المقدس هذا متأكد بالشاعر بواسطة " أن " متوحد به ، و" الهدهد /العلامة النصية " يغدو علامة تضمينية ، تحقق نوعا من التجاور والتحاور ما بين القصيدة ، وبقية قصائد المجموعة ، وهذا ما يؤكد لنا ، أن عملية الاختيار للعنونة ، لا تخلو من قصدية مسبقة تعزز تشبث الشاعر برغبة إعادة بناء التراث ، حين يتم تفاعل الموقف التراثي مع التجارب الوطنية ، تفاعلا يضمن للوطن صيرورته في التاريخ .

يقول الشاعر في قصيدته " إنه جرحي وإنه باسم الإرث القديم "

 

هذا أنا ....مجدي على كاهلي خذ أمسه واضمن لعمري غدا

واعصر نوى التاريخ واملأ فمي خبزا ..... وهاك السد والمعبدا

حتى يبلغ قوله من نفس القصيدة :-

لا شعبنا دلى ضحاه .....ولا أيدي سبا -ياعم- صارت يدا

جرحي عقيقي وفي أعيني حزن ... أرى توقيعه مسندا

 

الشاعر في البيتين السابقين يلجأ إلى توضيح جرح الوطن ، جرح عقيقي موقع بالمسند، وهذا التوصيف لا يتوقف عند هذا الحد ، بل يتجلى أكثر من خلال الصمت المتلبس بالقصيدة حين لا تظهر وحدات البيت الشعري ، انفصالا بين مؤدى الصمت واللغة .

وهو ما ستجلوه الترسيمة الآتية : -

فالجرح عقيقي __________ هذا ما قالته اللغة .

أما ما يقوله الصمت __________ " فدلالة اللون / العقيق اليماني الأحمر".

وكأن جرح الوطن، متمثل في الحمرة الطاغية التي لا تليق بمجد الوطن ، ورقة أبنائه .

وليس بخاف ، في المقابل التعالق النصي ، لعنوان القصيدة ، النص القرآني " إنه جرحي وإنه باسم الإرث القديم " __ " إنه من سليمان وإنه بسم الله " الآية.

 

ولعل أهمية دراسة التعالق النصي ، والوقوف عليه هنا ، يكمن في معرفة مساحة الماضي الممتدة في النص المدروس، وكذلك معرفة مدى وجود الحاضر في النص وطرائق تسربه ، في ثنايا تضاعيف النص .

وأمام جرح الوطن المتسع ، يدرك الشاعر أن الضمادة الوحيدة لهذا الجرح ، تكمن في التعاطي مع اللغة ، وهو ما يدفع الشاعر للعمل على النحت في عمق اللغة ، الأمر الذي يوصله إلى إنتاج لغة مرنة قادرة على التعبير عما يّتعذر التعبير عنه .

 

يقول الشاعر في قصيدة / أسطورة البدء :

إني زرعتك في عيني يا وطني وليس لي منك غير الدمع والحزن

إني أحبك ........لو للحب آلهة لكنت أنت إله الحب .......يا يمني

فأنت من كان قبل الكون زنبقة من عطرها فطر الإنسان بالشجن

 

إن تجاور قصائد المجموعة ، وتعالق عتباتها الداخلية - دلالة وتركيبا - ليشف عن قصدية الشاعر في إنتاج خطاب شعري ، يحاول من خلاله ، الظفر بواقع ما ، واقع مستنير يمحو هذا الجرح ، وهو الخطاب الشعري ذاته الذي يعكس ، مدى صدق الشاعر في الحب ، وعمق الانتماء للوطن / الجرح ...

يقول الشاعر في قصيدته : هدهد إلى الوطن الجرح:-

يا أيها الوطن المعذب هاك قلبا تدلى من هديل رؤاك

أوكلته جرحا بحجم جنونه لكن تأبط جرحه .......وأتاك

 

الخطاب الشعري في النص السابق ، يستحضر نماذج متعددة / سابقة ، ما يؤكد أنه خطاب متعدد القيمة ، وليس أحاديا

ويتصعد التوتر الشعري حتى يبلغ قوله :-

سكنوك يا وطني وأنت سكنتني جرحا ..تغص شفاهه بقراك

شربوك يا وطني لفرط جفافهم وأنا شربتك ..كي أكون نداك

ونفوك من أحلامهم... وأنا إلى حلمي أخب السير كي ألقاك

 

هذا الشاعر المختلف ، يؤكد أنه ليس ثمة شعر بلا استلهام للصمت ، وتظهر قدرته العالية ، على تحميل الصمت الداخلي وتسريبه في ثنايا القصيدة وتفاصيلها ، ولعل الصمت هنا يشف عن مواطنة مثالية ، ومدنية راقية ، لا يتقنها إلا الشعراء.

وفي مقطع مشابه يقول الشاعر من قصيدة : "فوق عرش الفناء :"-

هاك رأسي خذه بعيدا لأنسى .. وأعرني من مهجة الضوء رأسا

وادفن الوقت والمكان بعمري .... صار جرحي ..غدا ويوما وأمسا

 

إن تكرار مفردة "هاك" في المقطوعتين المستشهد بهما سابقا ، تؤكد بما لا يدع مجالا لشك ، رغبة الشاعر على العطاء والإنتاج متى سنحت الفرصة لتحقيق حلمه في بناء وطن لا يضيق بأحلام أبنائه .

وعودا على بدء ... فإن العنوان الرئيس للمجموعة الشعرية " مقدمة لاشتعال الطين " يتحاور ويتداخل مع قصائد المجموعة وبما يشكل بعدا مركزيا ، وتبئيرا مقصودا لمفردتي الوطن - الجرح ، ولا يتوقف التكنيك عند هذا الحد ، بل يتعداه إلى التكامل مع قصائد المجموعة ، والتعالق مع عناوينها لإنتاج دلالة متينة تتراسل مع عمق الانتماء والتشبث بتراب الوطن ، وهو ما تشف عنه الأنساق المضمرة للقصائد والعتبات المتنوعة في المجموعة الشعرية ، وهي بدورها / أي المجموعة الشعرية ، تشف عن قلق الشاعر وتوجسه في الزمان الحاضر ، وكأن القصيدة روح طارق في جلسة تحضير أرواح من الزمن الماضي ، أرواح باتت جزءا من ذاكرة اليوم المشتتة بين الماضي والواقع ، وهنا بالذات تشير جملة العنوان الرئيس للمجموعة الشعرية بطرف خفي إلى ضرورة الاستنارة / اشتعال الطين ، وهو ما يوافق معنى " اليقظة الروحية " - حسب تعبير الفلاسفة والمتصوفة ، وهو ما يشكل تعاضدا وتآزرا مع عناوين القصائد الداخلية ، ف "الاستنارة - حسب بوذا " تحيل الصخور العاتية قطع كريستال ثمينة وقيمة ، كما تحيل الزواحف الملتصقة بالأرض طيورا أسطورية ، تحلق بعيدا عن رؤوس البشر ، ومادام الأمر كذلك ، فإن الدلالة العميقة للعنوان الرئيس ، تتجلى في استنارة الإنسان / الطين باعتباره أساس التنمية ، ومرتكز الحضارات - قديما وحديثا ،أي أن الطين يستنير ، ويتحقق مع استنارته الوطن الحلم .

وللحديث بقية .... ويكفي من البيان ما يدهش العصافير

 

 

مراجع القراءة

"1" عبد الله البردوني – الثقافة والثورة اليمنية – ط1 – 1992 م- ص 335 .

"2" د/ حسن حنفي – هموم الفكر والوطن - ج2 – م. س .د. ص42 .

صحيفة الأمة " PDF "

روح الشعر

 

  عبدالحفيظ حسن الخزان   أنا طفلٌ يمنيٌ ظامي...
  معاذ الجنيد   البرُّ والبحرُ والأجواءُ...

فكر و نقد

فنون و تشكيل

لقاءات و استطلاعات ثقافية

عرض كتاب