قراءة في قصة "قطط متشردة"
 
 
 
 
 
عبدالله أحمد حسين 
 
 
 
قصة "قطط متشردة" للقاصة اليمنية انتصار السري قصة هادفة ومعبرة, تتناول موضوعاً اجتماعياً شائكاً, حيث تعرضت لقضية اللقطاء في المجتمع, وما يعانونه من نبذ وإقصاء, لأسباب لا يد لهم فيها.
 
وقد سارت أحداث القصة بتلقائية وعفوية تدل على تمكن الكاتبة من هذا الفن وإحاطتها بأسراره, حيث نجدها تبتدئ القصة بمشهد ذلك الطفل المرمي بجوار برميل القمامة, وهو المشهد ذاته الذي أنهت به قصتها, مع فارق بسيط هو أن الطفل الأول قد أصبح رجلاً, وهو من يكرر المشهد بوضع طفله بجوار صندوق القمامة.
امتد زمن القصة على مدى زمني واسع يمثل عمر الطفل اللقيط منذ وجوده بجوار صندوق القمامة, مروراً بمراحل حياته حتى بلوغه منصباً أتاح له فرصة الانتقام من المجتمع الذي طالما نبذه ولم يتقبله, والمتأمل في حجم القصة يلاحظ مدى التكثيف فيها؛ حيث استطاعت القاصة أن تضغط الزمن ضغطاً غير مخل, وذلك بوقوفها على أبرز المحطات الزمنية التي ساهمت في تشكيل قصتها وإبراز الحدث الرئيس فيه.
 
وقد سعت القاصة لإدانة ظلم المجتمع لهذه الشريحة الاجتماعية, وحاولت كشف نظرة المجتمع المتعالية إلى تلك الشريحة, وهي بذلك تحاول أن تنبه على ردود الفعل والنتائج السلبية لهذه النظرة؛ فلولا تلك النظرة المتعالية إلى ذلك اللقيط الذي أبدى مواهب متعددة, لما وصل إلى ما وصل إليه, ولكان شخصاً آخراً, يتجه اتجاهاً يتناسب مع قدراته ومواهبه.
 
لم تكتف القاصة بطرح القضية بل لقد عرضت لأساليب النبذ والإقصاء التي يمارسها المجتمع ضد اللقطاء, ابتداءً بالأطفال الصغار في الحارة والشارع, الذين حرموه من لذة اللعب مع أقرانه والتمتع بالفوز عليهم, حين يصرخ أحدهم في وجهه قائلا: "- هيي أنت!! لا تلعب معنا .. اذهب أيها اللقيط", وانتهاءً بالجهات الحكومية الرسمية التي حرمته من حقه في التوظيف الذي تضمنه له كفاءته وتفوقه على أقرانه.
 
وقد قامت القاصة بتوظيف عدد من التقنيات السردية للوصول لهدفها, وقد كان الحوار من أبرز تلك التقنيات؛ حيث كان له دور بارز في الدفع بالأحداث قدما, والقفز بها لمواكبة التكثيف في القصة.
 
كما أسهم الوصف في تصوير أجواء القصة, وأكسبها لونا قاتماً يشير إلى مأساوية الحدث, حيث يصطدم القارئ منذ مفتتح القصة بمنظر القاذورات المتناثرة والذباب, ورائحة البول الممزوجة برائحة العفن,...إلخ.
لقد كان هذا المفتتح للقصة تمهيدا مناسباً للحدث ومبرراً للأحداث التالية, بما حمله من إيحاءات ولإشارات انعكست في ثنايا القصة. 
 
أما لغة القصة فقد جاءت بسيطة وواضحة, فأسهمت في تصوير الأحداث وتناميها, لاعتمادها على الجمل الفعلية عند تتبع الحدث, حيث نقرأ: "امرأة ثلاثينية تقذف بأكياس القمامة, صراخ ذلك الطفل يفزعها, تفتش عن مصدره, تزيح تلك الأكياس, تمسح وجهه, تحتضنه, ..., تفرح به, تحمله إلى منزلها, تنظفه, تدفئه, ترضعه, تربيه بين أولادها كواحد منهم".
 
في حين اعتمدت على الجمل الإسمية عند تصوير المكان في مفتتح القصة, "ذباب متطاير, قاذورات متناثرة, بجوار ذلك البرميل, رائحة بوله ممزوجة برائحة عفن, صوت بكائه يشتد..."
 
والقصة ذات نفس روائي واضح, حيث أنها تصلح لتكون موضوعاً لرواية, وذلك لطبيعة موضوعها, واتساع زمنها, وإمكانية تطويرها بإدخال عدد من الشخصيات والأحداث إليها. 
 
 
(قطط متشردة)
انتصار السري
 
بجوار ذلك الرصيف نبذ، صوت مواء القـطط المــتشـردة، المتسكعة يـتداخل مع بكائه، ذباب متطاير، تذورات متناثرة بجوار ذلك البرميل، رائحة بوله ممزوجة برائحة عفن، صوت بكائه يـشتد، يستـنجد أحد المارة، امرأة ثـلاثينـية تقذف بأكياس القمامة، صراخ ذلك الطفل يفزعها، تفتش عن مصدره ، تزيح تلك الأكياس، تمسح وجهه، تحتضنه، طفل رضيع لا شيء يدثره غـير قطعة قماش ملفوف بـداخلها، تشعرها أنه لف داخل كفن، تفرح به، تحمله إلى منزلها، تـنظفه، تدفـئه، ترضعه، تربيه بـين أولادها كواحد منهم يكبر، يـشـتد عوده، يلعب مع أقرانه في الشارع، صوت يخترق أذنيه:
ــ هيى أنت !! لا تلــعب معنا .. أذهب أيها اللقيط ... لا يعرف ما تعني تـلك الكلمة، تخــتزلــها ذاكرتــه
يشب، يتفوق فــي دراسته، تقذف بوجه كلمة نفذت إلى مسامعه:
ــ أتتفوق علي يا أبن الحرام .. تتـشابك الأيادي، تدمي الوجوه، تنهك كرامته، ينزف القـلب قــبل الجسد !! فما هو إلا أبن زنا، يقـسم أن ينتقم من تلك الخاطئة، من دنست طهارته .
تمر الأعــوام ، يحصد أعـلى الدرجات، يتخرج بدرجة امتياز مع مرتـبة الـشرف، يعيني غــيره مــعيد، لا تنفعه مــرتـبة الشــرف، هـو كما قــيل لا نسب له، أنه أبن الزانية، يا لتلك الكلمة كيف حطمته، يفتش عن تلك الزانية في خيال أي امرأة تمر بقربه. بحلو حديثه ينسج شباكه، جسده الوسيم وبريق عـينيه تساعدانه في اصطيادهن، يتساقطن بـين ذراعيه كأوراق الخريف، يملهن، يتركهن، يفتش عـن غيرهن. 
تمر حياته من مـستنقع إلى مسـتنقع آخر أشد عمقاً، يعمل في التهريب، ترتفع أرصدته في البنوك، يستمر في نهب أجساد الفتيات، يزهو بعد كل انتصار له، يتشفى عند ذرف الدموع المنهمرة الراجية أن يتستر عـليها، يكافئها بركلها بحذائه الملمع، ينـتشـي يفرح لقول أحداهـن أنها حامل، ترتسم البسمة على ثغره، يعدها بالزواج، يعتني بها، تضع مولودها، يخطفه من بين أحضانها، يلفه بقطعة قــماش، يضعه بداخل كرتون بجوار برميل القمامة، تهب عاصفة، تقـتلع الرياح غطاء الكرتون، يتبـدد ظل ذلك الرجل، أجدني أنا ذلك الرجل المنبوذ متكوراً دخل الكرتون، صدى صوت صرخات بكائي المتداخلة مع مواء قـطط متشردة ، تهز وجدان امرأة ثلاثينية ، ترمي بأكياس القمامة .a