الثلاثاء, 12 تشرين2/نوفمبر 2019  
14. ربيع الأول 1441

تحليلات و ملفات ساخنة

الموت الجميل .. قراءة في قصيدة " شمس الأصيل " للشاعر سعد الغريبي

 

 

 

 

 

هايل المذابي 

 

 

 

أولاً / النص

 

شمس الأصيل

سعد الغريبي

"دَلَفَتْ إلى شاطِي الغروبْ..

ورمتْ بجسمٍ منهَكٍ بادي الشحوبْ ..

مثل القتيلْ ..

وكأنما ضاقتْ بها هذي الحياهْ ..

بدأتْ تغيبُ بجسمِها وسْطَ المياهْ..

عند الأصيلْ ..

شمسٌ على وشْك الأُفُولْ..

بالله قل لي ما الذي

ترجوهُ من شمسٍ تأذَّنُ بالرحيلْ؟!

أتريدُها أن تُشْعِلَ الأكوانَ نورًا..

مثلما كانتْ نهارا؟!

مستحيلْ؟

فلكل شيء وقتُهُ..

وإذا أتى في وقتِهِ فهُوُ الجميلْ!! "

ثانياً / القراءة

يقول كيتس :" إننا نكره الأدب الذي يتجه إلينا بهدفٍ واضحٍ تماماً .." .

يبدأ الشاعر الغريبي قصيدته بطريقة الحكاية والفعل الماضي الذي يظل يتكرر أربع مرات، يقول :

"دَلَفَتْ إلى شاطِي الغروبْ../ ورمتْ بجسمٍ منهَكٍ بادي الشحوبْ ../ مثل القتيلْ .. / وكأنما ضاقتْ بها هذي الحياهْ .. / بدأتْ تغيبُ بجسمِها وسْطَ المياهْ.. / عند الأصيلْ .."

إنها حكاية كيان ربما سياسي أو تنظيم ديني شاخ وهرم، شبهه الشاعر بعجوز واهنة، ولاتتكشف تفاصيل هذا الكيان المبهم إلا بالفقرة الثانية من النص ، ولكنه في الوقت الذي نظنه قد أبان وأوضح عن المعنى ينقل الغموض إلى مرحلة وضوح أغمض، يقول :

" شمسٌ على وشْك الأُفُولْ.. / بالله قل لي ما الذي / ترجوهُ من شمسٍ تأذَّنُ الرحيلْ؟!"

المباشرة فجة وتصدم المتلقي دائماً، وما أجمل النص الأدبي الذي يماطلك في معناه ولعله أجود النصوص وأرقاها .. وهنا نضع سؤالاً :

ماقصد الشاعر ؟

ما وسيلته ؟

هل وصل إلى غايته ؟

إنها استعارة واضحة للتعبير عن الموت الجميل .. !!

ونعرف أن الموت مخيف ولكن كيف يصبح المخيف جميلاً ..!!؟

من علماء الجمال " عمانوئيل كانط " صنّف طبقات الجمال ومراحله، جانحاً بالنفسي مجنح الرياضي، الحلو ، الحسن، الجميل ، الجليل ..

الأول يُلذُّ والثاني يُبهج ، والثالث يُسرُّ، والأخير مخيف ..!!

كيف يصبح الجميل مخيفاً ..!؟

يقول جوته :" ربما استطعنا أن نتحمل الجمال الذي يرعبنا بسموّهِ وأبعاده .."

عندما نتأمل الجميل نفرح له ونتمنى إمتلاكه، سوى أنه عندما يكون كثيفاً متعدداً، متنوعاً، فإنه يُشعرنا بالفوات، والعجز عن اللحاق به، فنأسى لأن الزمن الذي هو عنوان الفناء سيمحو الفرصة التي نعاود بها الجمال الجليل ونشعر أن بيننا وبينه هوّة الموت .. فنرتعدُ فرقا .. .

يقول في ختام نصه لتفككك القصيدة نفسها وتحل جميع العقد التي تراكبت بعضها فوق بعض :

" أتريدُها أن تُشْعِلَ الأكوانَ نورًا..

مثلما كانتْ نهارا؟!

مستحيلْ؟

فلكل شيء وقتُهُ..

وإذا أتى في وقتِهِ فهُوُ الجميلْ!! "

جمال المرأة وحسنها هو بيت القصيد هنا، والشمس في نص الغريبي كانت معادلاً موضوعياً جميلاً للموت وجمال المرأة وحسنها .. ولعل من الإنصاف ألا نقحمه في شئون الأحزاب السياسية والتيارات الدينية وما تستخدمه من رموز لها، لسبب بسيط وهو أن النص أكبر وأرقى من ذلك حتى ولو أومأ إلى ذلك وأشار إليه من بعيد في فقراته الأولى ..

وقد يكون الشكل الكلي للقصيدة تقليدياً وكلاسيكياً نوعاً ما يذكرنا بالشوقيات وبقصائد إيليا أبو ماضي الوعظية والحكمية وذلك الزمن ومادار في فلكه، إلا أن للقصيدة جرس وموسيقى جميلة ومفرداتها ليست بالمتكلفة ولا بالغريبة، كانت صفحة الشاطئ ليونةً ونعومةً، وترافد كثبان رمال البيد إنسيابيةً، وتلملمت تلملمت ثم انسكبت في حضن الأوقيانوس العظيم حيث الجمال المخيف "الموت" .. !!

 

 

 

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 
 
 

صحيفة الأمة " PDF "

روح الشعر

 

  عبدالحفيظ حسن الخزان   أنا طفلٌ يمنيٌ ظامي...
  معاذ الجنيد   البرُّ والبحرُ والأجواءُ...

فكر و نقد

فنون و تشكيل

لقاءات و استطلاعات ثقافية

عرض كتاب