الجمعة, 15 تشرين2/نوفمبر 2019  
17. ربيع الأول 1441  Jumu'ah

تحليلات و ملفات ساخنة

الإنغلاق الفكري والتشظي الأدبي كهودام للإبداع في اليمن

 

 

 

 

بشير المصقري

 

 

 

 

من يلاحظ ويتتبع الحياة الأدبية وحركة الإبداع داخلها في اليمن سيكتشف أثافي خطيرة تفتك بالمشهد وتصيب الساحة الثقافية بعلل وأعراض تهدم التجاوز الذي تحققه الحالة الإبداعية وتسد نوافذ التميز الذي تختطه أدبياً بالمقارنة مع حيثيات المشهد عربياً وخاصة على الصعيد الشبابي المفعم بملكات كتابة ذات نزوع تحديثي مدهش يحصد الإعجاب في كافة الصنوف والأجناس الإبداعية التي تنتزع الاعتراف النقدي العربي الأمر الذي يثير الاعتزاز ويبعث نشوات الفخر لبلد ولادة بالمبدعين والمبدعات وهم يعودون من المحافل بأوسمة وجوائز ومراكز متقدمة علمية وأدبية وفنية وبخصوصية متفردة فنحن نتفاجأ بين فترة وأخرى ببطل وموهبة يطلقها الإعلام خارج اليمن كما لو أن صاحبها لم يكن من الأسماء والأصوات ذات يوم في وطنه ما يضع الإعلام اليمني في موقف محرج يفرض عليه ممارسة التداعي بطريقة أشبه بتبعية وبتغني على شاكلة " آخر من يعلم " والحقيقة أن كثير من الكيانات والمؤسسات الثقافية تتدعي تبني الإبداع وهي لا تستطيع التعاطي مع هذه المهام ولا تملك إستراتيجية لخلق حالة دعم تصنع الملهمين وتبرز أصحاب التجارب هذه داخل وطنهم أولاً لأنه لا كرامة لنبي في قومه أو طبقاً للمثل القائل " زامل الحي لا يطرب "

 

 

مؤسف جداً أن يُشار إلى مبدعينا من خارج وطننا على الرغم من الطموح الوثاب والرغبة الجامحة المتفوقة يمنياً على بقية البلدان ورغم الدور الكبير الذي يقدمه الإعلام والمؤسسات في بلدان عربية للشباب وما تلعبه المؤسسات من دور لديهم في خدمة الموهوبين بعكس مايحدث في اليمن ومؤسساتها التي لا تتعظ وتعاود الكرة – بفتح الكاف - ببغبغائية غريبة عندما تتفاجأ ببزوغ إسم إبداعي يمني صفقت له شعوب أخرى .. ليتكرر التغني والاحتفاء المتأخر عبر اللقاءات التلفزيونية والدوشة الصحافية وتسليط الضوء عليها إجباريا ومن باب إسقاط الواجب فقط.

 

 

عند البحث في الأسباب والمسببات تأتي المعطيات في شكل إجابات يتجلى بين سطورها الأسى ومن جملة هذا الأسى استغراق وتكريس تجارب قديمة استكملت الجاهزية في ظروف سابقة ومثلتْ البلد بما يكفي وصار حرياً بها التفرغ للتنظير والإنتذار لممارسة النصح والتقويم ومراقبة المشهد وصقل الدفق الجديد واكتشاف عناصره قبل أن يكتشفه الآخرون ولست ضد أن يبقى أدبائنا ومثقفينا الكبار سفراء لليمن في المحافل الإبداعية لكن يتوجب أن يكون هناك دور رسمي ورعاية مؤسساتية حكومية و أهلية مرافقة , تتيقن أن هناك نماذج جديدة تواكب دوران الزمن وتراعي التطور الحداثي للفعل الإبداعي وتجدُد أدواته ومع الأسف لا تفعل ذلك حتى الجامعات والأكاديميات التي تعج بمبدعين من الطلاب الملتحقين بها على الأقل حتى نجد آلية لإشهار من تبقى على قيد الأمل من هذه الفلتات في الميدان الإبداعي واعتقد أن مدعى هذا القصور وهذا الإيغال في دفن كنوز البلد الإبداعية حالة التشظي والشللية والفئوية والانتقائية التي تجيدها المؤسسات جين تصنف الإبداع بحسب تخندق صاحبه بفكرة إيديولوجية لتضرب مضمار الإبداع وساحات المعرفة في صميم وعيها ويمكن ملامسة الوجع من خلال تتبع مقت الأهداف وسوء النوايا التي تقوم عليها وتنشأ فيها هذه المؤسسات الخاضعة لأباطيل التأسيس القادم على متن اعتبارات هوجاء وجوفاء تمنح صكوك الإبداع كالماركات المسجلة بالهوية الفئوية والتيارية وهكذا تنبري تقسيمات وتجزيئات توشي بالشتات فهذه مؤسسة يسارية وهذا مركز يميني وذاك منتدى تقدمي وهذا كيان كلاسيكي وهنا رجعي وذا ساحاتي وهذا فلولي وهؤلاء تقدميين و أولئك ليبراليون والنتيجة اختلال المشهد واضمحلال حركة الإبداع و من ثم تنطفئ جذوة الأدب نظراً للمارثونات المحمومة بنزق "معي ومعهم "

 

 

من كل ما سبق يتعزز فصام يخلق فصام ويطمس ملامح الفعل الثقافي الخلاق ويشوه سحنة الإبداع ويمحي وجوهه الإنسانية ويجسد الإحباط لدى المثقف الحصيف والعضوي وقد تحرمنا ملكات وتجارب محمودة الأثر والمآثر لا تحد من توظيف النتاج الفكري والثقافي لصالح الفئة والشلة والتيار والجماعة والنظام وعلى حساب هوية جمعية

 

لقد نظر بودلير وفرانسيس بيكون وغاردوي وجاك بريفر ومالك بن نبي والبردوني لمعاني وقيم ومبادئ لا تختزل ولا تعتزل ولاتفرز ولا تمجد ولا تنظر لأصولية تغربل وتنتقي وفي مسارب هذا الشؤ الخالد انتشروا وأضاءوا أفلاك الحياة..

 

والثورة الفرنسية قبل أن تفتح أفق وضاء للفرنسيين كانت بذراتها أفكاراً في قصيدة ورؤى في قصة وسلسلة انطباعات في مقالة وفكرة في رواية وعبرة في مسرحية وتوجه في أطروحة نقدية شكلت في مجملها فراديس التحرر والكرامة واحترام الكائنات ونبذ التحشيد الفئوي و المناطقي والسلالي وأي شكل من أشكال العصبوية للنخب كانت ثقافية أو سياسية أو اجتماعية كما أن عصور النهضة في أوروبا قبل أن تحدث نسجت المجتمعات والمؤسسات خرائط للعدالة بنبل وشعور سامي يبدأ بكلمة وينتهي بمصفوفة وملاحم تعتبر واحدية الخلق وتساوي الضد بالضد ولا تسهب في الغي والإنتباذ وتأويل الألوان وتفسير الأجناس والتصارع لإغلاق البُنى على وجهات أصولية تورث الشتات وتبيع التشظي وهذا ما يتوجب أن تستوحيه المؤسسات الثقافية والكيانات الإبداعية ومراكز الفكر في اليمن وما يجب أن يقف عليه صانعوا القرار الثقافي في هذا البلد الباحث عن الخلاص .. الخلاص الذي صار نهجاً أسطورياً لشعوب أوروبا والأمريكتين وقد وضعه الخالدون هناك في مهاد الفضيلة وفي حقول خصبة المثالية ولم يضعوا على تربتها حتى فزاعة تحمي الفكرة بين براثن عنصرية أو شللية أو فئوية تحتقر الخصم الفكري إيماناً بقناعة تقدس الحريات وتحترم المبدع و تصنع ذاته لفهمها الواعي برسالتها فتقدم خدماتها له بعيداً عن احتساب اتجاهه التفكيري وجنسه ولونه و منطقته يا أمة لا أدري متى ستفرح من وعيها الأمم.

 

 

 

صحيفة الأمة " PDF "

روح الشعر

 

  عبدالحفيظ حسن الخزان   أنا طفلٌ يمنيٌ ظامي...
  معاذ الجنيد   البرُّ والبحرُ والأجواءُ...

فكر و نقد

فنون و تشكيل

لقاءات و استطلاعات ثقافية

عرض كتاب