الثلاثاء, 12 تشرين2/نوفمبر 2019  
14. ربيع الأول 1441

تحليلات و ملفات ساخنة

قراءة في قصيدة نوال الجوبري « لست مهيأة لأموت»

 

 

 

 

 

 ياسين الزكري

 

 

 ..الحب نعيم الحياة .. حديقة السعادة

لكن السؤال.. متى نستطيع الحديث عن حالة ما بوصفها حالة حب..

يقال : الرجل صادق فيما يود قوله الآن..

المرأة صادقة في أنها تود قول شيئ ما، لكن ليس الآن..

 

غير أن لحظة ما قد تداهمنا نكون فيها في آخر الصدق ،ويجيئ آخر ربما في أوله فيظل السؤال هو صادق في ماذا .. هي صادقة في أي شيئ ..

 

لحظة من هذا النوع يمكن استشفافها من خلال النص المعنون ب: لست مهيأ ة لأموت..

هي في لحظة صدق(مفتوحة كهاتين اليدين)

هو يعرف بالضبط أنه يريد ألا تفهم صدق ما يريد ( لحظة حب عابرة) كبروفة في الطريق الى المرأة ذات اللقاء الهدف..

 

في وقت كنت

مفتوحة كهاتين اليدين

 

في لغة الجسد (علم دراسة الشخصية أثناء الحديث) يستدل على صدق المتحدث بفتح راحتي يديه أثناء الحديث ولو لم يكن للشاعرة بعد الفروغ من كتابة النص مايذكرها بأ ن الانطلاقة بدأت من هنا.

فإن للحظة الكتابة كلحظة وعي أعلى قدرتها على الرؤية الثاقبة ..

 

أن تكون في لحظة صدق أمر جيد ولاريب ، لكن أن تأتي تلك اللحظة مواكبة للقائك بالمتلقي الخطأ فذلك أمر غير مستحسن كأنك أمام لص لحظة البحث عن ذات فاضلة وبخاصة اذا كان اللص هنا لايريد شيئاً من أثاث البيت بل شيئا من قلب صاحبه..

مثل أي لص

جاء يسرقني للحظته

 

ثمة لحظة تداهمك للبوح الاجباري ،لرغبة في الاعتراف، لزيادة في ضغط الحرص المعاش،لأ سباب أخرى..ونادرا ..نادرا ماتجيئ تلك اللحظة مترافقة مع حضور آخر هو بالضبط المقصود أو المعني بهذا الاعتراف..هي مشكلة العصر في البلاد عامة حيث يطغى التقليد على ماينبغي من جديد الحياة في صراع يريد فيه الجديد فرض نفسه ،ويريد فيه التقليدي ابقاء الحال على ما هو عليه .. ونظل نحن أسرى دائرة الحيرة ومرة ضحايا هذا الصراع ولعل أقرب تقريب لذلك أن تقرأ نصوصا للشاعر موحية بانحيازها للجديد بطريقة تقليدية وليس بنفس ما يمر به الشاعر من تحول في آلية صناعة الصورة أو من آلية اختيار زاوية الرؤيا..

ظل يسرقني

أوهكذا

يحبني أن أكون داخل علبة سردين

 

صورة توحي بكثير رغبة من هذا أوذاك في المحيط أن تكون لديك امرأة تحت السيطرة لا تعرف من الدنيا سوى ماتريد أنت وهي كذلك عند النظر إليها من زاوية الوجبة العابرة (سفري).

مؤلم أن تنظر لأحدهم أنه كل ماتريد بامتداد لا نهائي ويرى فيك مايشتهيه الآن بل ويجمدك في الثلاجة لوقت الحاجة العابرة الاخرى..

 

ليس هنالك أقسى من حياة كهذه سوى لحظة اكتشاف زيفها ..

 

تقول الشاعرة :

مضى مبتهجا ً كعادته

كما لوأنه قبل وردة..

قد يكون للوردة عمر أقصر بكثير من زمن زهو امرأة ، لكن لحظة النشوى واحدة التعبير ..

هو يمضي في كل مرة مزهواً بالنصر وبما تمكن من سرقته كل مرة .. هي تخسر شيئا كل مرة، لكن انتصاراته لم تكن بقدر تلك النشوة فهو لم يسرق سوى بعض الاشياء المهملة .. يواصل النص:

حاول فتح المسافة أكثر

السؤال الطبيعي كيف..

الجواب:

بينما كانت يداي

قد أعدت له الكأس

هو جاهز

يرتدي القبح

يترك الكأس على الطاولة

ويحتسيني أنا!!

وقد أقرأ النص هكذا ..

بينما كانت يداي

تعدان له الكأس

استكمل هو

ارتداء القبح

أجيئ

يترك الكأس على الطاولة

ويحتسيني أنا!!

 

ثمة حد يضعه الوعي دوما، ثمة سقف تضعه فلسفاتنا المخزونة (الدين ،الضمير ، التربية، )وفوق هذا كله تأتي القيمة الذات ماذا اريد أن أكون ماالذي أهدف الى تحقيقه ، ماالذي يمكن أن يمنح ماالذي يمكنني التغاضي عنه ،ثمة حد فاصل يدعى القيمة ذلك الناتج من مزيج فلسفاتنا المخزَّنة.. وحين تكون القيمة حاضرة هذا يعني وجود نقطة حرجة ، لايمكنك أن تتجاوزها هكذا لمجرد أنك أنت.. فما زال ما بينك وبين أن تكون، مسافة ما تشترط الذاكرة المخزنة الحاضرة هذه،وأن تغامر هذا يعني أنك تنقلب على مكانتك..

 

يترك الكأس على الطاولة

ويحتسيني أنا!!

 

هو من انقلب على هو.. هو من لم يحسب جيداً حساب اللحظة التي حولته من قيمة ما الى مجرد لص عابر كأي لص آخر بعدما كان ربما مشروع حبيب أو ربما مشروع قريب الى القلب بطريقة ما..

ولذلك فلم يعد ذلك القديس الذي كان..

يقول النص:

حاول فتح المسافة أكثر

لم يكن هذا الذي

قابلني قبل يومين

وقبًّل وشماً على الباب..

 

ولأنه لم يعد كذلك .. بات مجيئه مفزعاً..ملامحه غيرها .. كانت قبلاً ترى فيه بوابة الحياة الاجمل وكان عبر مشواره التمثيلي ذاك يمنحها فرصة أن تعلي صرح أحلامها سقف خيالاتها أكثر فأكثر لكن حبل الكذب قصير كما يقولون،والطبع يغلب التطبع .. ولحظة ارتداء المكياج لاتدوم..

لذلك حينما بلغ المسار نقطته الحرجة ،كانت الصرخة الرافضة هي الرد التلقائي..

 

صرخت في جوفه

لست مهيأة لأموت

 

في هذه اللحظة فقط يتساوى الصدق لدى الطرفين هو جاد في قبحه .. هي جادة في رفض القبح..

جادة في تقديس البراءة .. جادة في تقديس القيمة لأن القيمة تعني الجمال صار هو أكثر قبحا حين أراد أن يجرد القيمة جمالها..

 

هكذا تسير الشاعرة في نصوصها نحو تكثيف الدهشة رويداً رويداً لتصدمك في النهاية دفعة واحدة.. انظر الى هذا الكائن المشوه.. إنه أنت حين تكون بوجهك الحقيقي.. انظر تماما هذا هو أنت، ولذلك لم تعد قادرة على العودة اليك الذي كنته زمن الزيف.. لم تعد انت ما كنت أريد..

 

أن يحصل اللص على مايريده .. يموت في وعيه المسروق لأن تذكٌّره يذكر اللص بفاتورة الحساب.. وأن تعطي المرأة مالا تريد هذا يعني أنها تنتحر فكيف إن كان ذلك لمن لايستحق..

 

ذلك ماأظن أن الشاعرة توفقت كثيراً في تقديمه لعاطفة أية فتاة تتحفز للاقتناع بأن تلك النظرة العابرة قد تكون دعوة الرحلة صوب الحلم المنتظر.. يقدم النص هنا صورة صادمة تود ربما أن تقول لهذه أوتلك من الآملات ضعي في احتمالاتك احتمال أن لايكون الامر كذلك .. وهو مايعني حال اعتماده: التصرف على بصيرة من عين الرقيب الذاتي..

 

تود الشاعرة من خلال النص أو يود النص القادم من اعتصارات اللحظة الشعرية أن يقدم اسهامه في مسألة هامة وأساس .. ملخصها أنه في زمن العولمة في زمن السماء الثقافية المفتوحة ..في زمن لم تعد في رقابة الاسرة ، المجتمع ذلك الفاعل الأساس ، علينا أن نركز على تنمية وعي القياس لدى الفتاة وكذا رقيبها الذاتي..

الخلاصة إذا .. ربما كان صحيحا أن المرأة حين تحب تكبر تضحياتها.. هذا يعني أن الرجل حين يحب يحرص أن يجنبها أيسر التضحيات ..

 

 

تمزج نوال القصيدة بنكهة القص،ة لا لكونها اكتشفت نزوعاً ما نحو فن القصة ربما ، بل لكون نوال تشكيلية أيضاً وهو ماأتوقع أن يكون خافياً عن كثير ولأن فنونا أخرى تطل لحظة الكتابة كما هو حال التشكيل لدى نوال ، فإن ثمة لوحة متحركة تغدو كمشهد يتحرك خلال المسافة بين القصيدة والقارئ ..

صحيفة الأمة " PDF "

روح الشعر

 

  عبدالحفيظ حسن الخزان   أنا طفلٌ يمنيٌ ظامي...
  معاذ الجنيد   البرُّ والبحرُ والأجواءُ...

فكر و نقد

فنون و تشكيل

لقاءات و استطلاعات ثقافية

عرض كتاب