الأربعاء, 13 تشرين2/نوفمبر 2019  
15. ربيع الأول 1441

تحليلات و ملفات ساخنة

في الذكرى الــ (41) لاستشهاده ضمن طائرة الدبلوماسيين الشهيرة.. ومازال اللغز غامضاً

محمد أحمد عبد الولي تجربة (أدبية ـــ نضالية) تسبق الأزمان

 

 

 

 

 

 

 

 لم يك يوم 30 أبريل / نيسان 1973 يوما حزينا ومبكياً وصاعقاً ومرعباً في اليمن وتحديداً في شطره الجنوبي فحسب، بل كان كذلك لكل عشاق السلام والتغيير والأدب في جميع أنحاء العالم.. والآذان التي لم تك قد سمعت عن بلد اسمه اليمن حتى ذلك الوقت، ذهبت يوم (الاثنين/ 30 ابريل) تبحث عمن يكون هذا البلد في خارطة العالم؟

 

ما الذي حدث؟ .. كانت جميع وكالات الأنباء والأخبار العالمية تنقل للعالم خبر مصرع عشرات من كبار الدبلوماسيين في اليمن الجنوبي ... بعضها تقول (42) مع طاقم الطائرة، وبعضها قالت (28) دبلوماسيا بالإضافة إلى أفراد طاقم الطائرة، واستقرت المعلومات فيما بعد عند(22) دبلوماسيا بينهم (3) أشخاص ـــ سعوديين ــــ هم طاقم الطائرة، و(19) كادراً وطنياً يمثلون رزنامة ثورته الوطنية ... تتجمع متوحدة فيهم مهارات النضال الثوري الفدائي والسياسي، والتأهيل العلمي، والإبداع الأدبي والصحافي، والوطنية الصادقة ... وطن يخسر هذه الرزنامة في جنوبه ، وفي شماله يسمم (عبدالقادر سعيد) أحد أبرز زعماء الحركة الوطنية ، و يغتال ( محمد أحمد النعمان الابن) رائد الليبرالية اليمنية ورجل دولة من طراز فريد ، ويخفى قسريا عشرات المناضلين ، وأكثر منهم بين منفي أو قتيل .... لنتصور مثل هكذا وطن كيف سيكون مستقبله؟

 

لقد كان من بين أولئك العظام الذين رحلوا مع فجر وطن لم ولن تشرق شمس الله عليه رغم تعدد المحاولات الشعبية المتوالية .... من بين أولئك الكبار الذين رحلوا قبل الآوان شخصية تسابق ظلها فسبقت ليس فقط زمنها في إتقان قراءة الواقع الذي يعيشه اليمن بل سبقت حتى زماننا وربما الأزمنة التي ستأتي بعد.

 

تلك الشخصية عزيزي القارئ اسمها " محمد أحمد عبد الولي" إنسان استطاع أن يصنع فوق جدار الحياة نافذة وشرفة.

 

 من الشرفة حكى لنا واقعه الذي عاشه، بل وأطل منها على المستقبل الذي يجاورنا فيه اليوم كأنه مازال حياُ يعيش بيننا، ومن النافذة سبق عصره وحاضرنا وأزمنة قادمة، وإن لم يحدث التغيير واستمرت عجلة التاريخ   دواليك تعيد تكرار دورات الذات المتعفنة فستظل أسطورته دون ريب تتوغل في أطناب المستقبل.

 

وبالذكرى الــ (41) لاستشهاده حرصنا في المستقلة على قراءة سطور مشرقة من بعض صفحات سيرته المليئة بالتميز سواء في نضاله كسياسي متفرد أو في ابداعه كأديب رائد مجدد.

 

 

 

 

 

كتب / منصور السروري

 

 

 

 

حليب الانتماء

ما لا يعلمه الكثيرون حتى هذه اللحظة أن الأديب الشهيد محمد أحمد عبد الولي المولود في 12 نوفمبر 1940م بحي سدس كيلو (ويعني ستة كيلو) التابع لمدينة دبرهان الأثيوبية كان قد تربى تربية دينية خالصة بكل ما تحمله هذه الكلمة من دلالة.

 

فأبيه كان من أوائل المستنيرين والمتعلمين بل أنه يوصف بالفقيه حد ما ورد في دراسة مشتركة قام بها كل من د. قائد محمد طربوش ردمان وعبد الرقيب علي محمد نعمان عنوانها (أفكار أولية عن ثلاث مدارس في الحجرية ... مدارس حيفان وذبحان وبني يوسف) نشرها مركز البحوث الدستورية والقانونية على موقعه حيث أكدا أن من أشهر الذين درسوا في مدرسة ذبحان على يد الأستاذ ( أحمد محمد نعمان) (الفقيه أحمد عبد الولي العبسي درس في  مدرسة هرر بالحبشة وكان أحد المطلوبين من قبل الإمام أحمد بعد فشل حركة 1948م وهو أب الأديبين محمد وعبد الفتاح أحمد عبد الولي).

 

وهذا ليس له من معنى سوى أن اه يعد من أوائل الذين تتلمذوا علي يد (النعمان / الأب) نهاية عشرينيات القرن المنصرم أي قبل أن يغادر مدينة عدن من على دكة الشيخ سعيد على متن زعيمه شراعية كما كانت تسمى الى ميناء عصب فالعاصمة الأثيوبية اديس ابابا.

 

وأيضاً من قصة(اللطمة) وبعض القصص القصيرة التي وردت في عدد من مجموعاته سنلاحظ مدى التربية الصارمة التي تربى عليها في كنف أبيه الذي حرص كل الحرص في أن يشرأب حليب الانتماء لعقيدته وأرضه البعيدة هناك حيث جذوره الأصلية في اليمن بمحافظة تعز ـــ قضاء الحجرية ـــ عزلة الأعبوس ـــ قرية حارات ـــ التابعة لناحية القبيطة، وحاليا لمديرية حيفان.

 

إن إرتضاع ذلك الانتماء لن يتقوى إلا بإرساله إلى اليمن لتعلم القرآن الكريم والعلوم الأولية التي كانت قد بدأت معالمها المبكرة تظهر في ذبحان وحيفان لكنها اختفت بسبب هروب اساتذتهما إلى عدن أو المهجر والتحاق البعض الأخر بوظائف مع الإمام غير أن مدرسة في بني يوسف حلت محلهما هي مدرسة الفقيه (محمد قاسم) التي التحق بها الطفل(محمد) عام 1946 مع أخرين كانوا يفيدونها من الصلو والأعبوس والأحكوم وقدس والشعوبة وخدير السلمي والمذاحج وغيرها من العزل الأخرى.. وخلال عام وبضعة أشهر كان قد اختتم قراءة القرآن فيها كما أتقن اللهجة التعزية وتعرف على طبيعة الحياة التي يعيش تحت وطأتها جميع اليمنيين.

 

وحين شرع المغتربون بينهم والده بتأسيس أول مدرسة للجالية اليمنية بأثيوبيا أبرق إلى أقاربه يستقدمونه إليها فعاد من رحلته الأولى من اليمن إلى أثيوبيا.

 

افتتحت المدرسة اليمنية عام 1948 في حي ماركاتو القريب من سدس كيلو فكان من أوائل الطلاب الذين التحقوا فيها، وتم قبوله في مستوى متقدم نظراً لما يتمتع به من إتقان القراءة والأساسيات في الحساب فكان دوما الأبرز بين جميع أبناء الجالية العربية ويكرم سنوياً على احتلاله المركز الأول، ومصدر فخر للجالية اليمنية كلها وصفه (سامي الشاطبي) وهو يتقفى أثره في رحلة إلى اثيوبيا بأنه كان (سريع البديهة واسع الخيال نشيطاً في القراءة والكتابة وتدوين الاحداث في اوقاتها). ومع العام 1953 كان (محمد) قد سبق عمره وأكمل المرحلة الإعدادية ليبدأ رحلة جديدة وسباقاً أخر.

 

من أديس أبابا إلى القاهرة

 

سافر إلى مصر فالتحق بثانوية المعادي بالقاهرة وتخرج منها عام 1955 وبمجرد ظهور نتيجة الثانوية يلتحق في صيف العام ذاته بجامعة الأزهر ... فهل نستطيع تفسير ذلك؟ إن شاباً يولد عام 1940، وفي عام 55م يلتحق بالجامعة، وفي مثل تلك الظروف التاريخية، وفي بلاد غير بلاده ... بلاد لا تعرف المحسوبية ولا الوساطات، ولا تباع فيها الشهادات المزورة ... إنسان كهذا يسابق الزمن سيكون أحمق وغبياً من ينفي عنه صفة العبقرية أو يقول إنه لا يمتلك قدرات خارقة.

 

وفي مكتبات المعادي، وجامعة الأزهر راح (محمد عبد الولي) يلتهم الكتب والروايات العربية والعالمية، ويثري مخيلته ويرفع درجة ذائقته الادبية التي مكنته من ارتياد معظم المحافل الأدبية وحضور العديد من الندوات وتكوين صداقات عديدة مع اغلب الادباء والفنانين المصريين أنداك كما بدأ يكتب القصة عام 1956.. ولأن ابن الوز عوام كان ضمن أول كتلة طلابية يمنية في القاهرة أسست رابطة الطلاب اليمنيين بينهم (محمد أنعم غالب، وعبد الغني علي، وأبو بكر السقاف، ومحمد على الشهاري، وأبناء الإرياني " مطهر وعبد الكريم فضل الإرياني، والشاعر أحمد الجابري، ومحمد عبد الملك المتوكل ....... وغيرهم كثير) وانتخب الفقيد (عمر الجاوي) كأول رئيس للرابطة.

 

رحلــــــــــــة نجــــــــــــاح محاطــــــــــــــة بالحســـــــــــد

 

من السجن إلى البكاء فوق قبر الحبيبة

 

عندما خرج من السجن كانت زوجته (مشلى) قد غادرت الحياة تاركة له أيوب وبلقيس.. خرج من السجن، وكما أخبرني (الفقيد عبد الرحمن سيف إسماعيل رحمهما الله جميعاً) كنا نراه يذهب إلى مقبرة قرية حارات ويجلس إلى جوار قبر زوجته يبكي فراقها المرير فقد كان يحبها إلى حد لا يوصف ويحس أنها حرمت من أشياء كثيرة، وتحملت في سبيله كثيراً من المتاعب والمعانات.. أقام في تعز، وشرع يؤسس داراً لنشر الكتب فيها، وفي عام 1971م شارك في تأسيس اتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين، بدأ يتفرغ لكتاباته الأدبية حيث كتب رواية يموتون غرباء كأول رواية له ... قصة شائقة ومحزنة في ان واحد تصور حياة مواطن يمني اسمه عبده سعيد رمز به للمهاجرين اليمنيين في اثيوبيا، وكيف أن اليمني يتعب ، ويكد ، ويحلم ، وقبل أن يستمتع بما حققه في قريته من بناء أحسن دار ، وشراء أحسن بندق ، ......... الخ يموت هناك بعيداً عن وطنه ... فلا يكتفي بمنافسة أصحاب الأوطان في أرزاقهم بل ينافسوهم حتى في قبورهم؟.

 

القاهرة تحرمه من إكمال دراسته

 

وبينما كان محمد عبد الولي على عتبات التخرج من الجامعة يفاجأ بمطالبة السلطات المصرية له ولــ (24) طالباً سنة 1959م مغادرة مصر بتهمة الانتماء إلى الشيوعية ليعود إلى عدن ذلك العام حيث عمل فيه مدرساً حد ما وثقه في إحدى قصصه الشهيرة (الدرس الأخير) وحقاُ كان درساً أخيرا في عدن فقد سافر عام 1960 إلى موسكو والتحق بمعهد غوركي للآداب ليتخرج منه حاملاً درجة الإجازة في الآداب (ليسانس / آداب)

 

الأرض يا سلمى

 

من هذا العنوان نلاحظ أن ابن (26) سنة الأديب والسياسي (محمد عبد الولي) يتناول عنوانين من جملة العناوين التي اتسمت بها تجربته الإبداعية والسياسية والإنسانية.

 

العنوان الأول: الأرض وتشير إلى " الوطن " اليمن " والثاني: سلمى ويشير إلى المرأة والعاطفة والحرمان الذي تعيشه من افتقادها للرجل المهاجر.

 

وحول هذين العنوانين تتمحور المجموعة القصصية الأولى (الأرض يا سلمى) الصادرة عام 1966 والمتضمنة قصصاً مازال كل من قرأها يتذكرها كـ( امرأة ، الغول ، الدرس الأخير، طريق الصين ، أبو ربية ، سوق السبت ، عند امرأة ، اللطمة، يا خبير ، الأرض يا سلمى، موت إنسان ، لون المطر ، على طريق اسمرا) واختار الأديب والإذاعي المصري عبدالتواب سيف قصة ( لون المطر) في مهرجان القصة العربية  وأذاعها عبر ميكروفون " صوت العرب" إلى جانب أعلام وعمالقة الأدب العربي كـ(نجيب محفوظ ، ويوسف إدريس ، ومحمد تيمور ) من مصر ، و(الطيب صالح) من السودان ، وعبدالسلام العجيلي من سوريا ، وأحمد الفقيه من ليبيا ، ومحمد المرزوقي من تونس ، وعبدالكريم غلاب من المغرب ، وغيرهم من نخبة الأدب العربي.

 

كما احتفت الأوساط الأدبية في (مؤتمر الأدباء العرب الثامن، مهرجان الشعر العربي العاشر) بدمشق، وملتقى دار الادباء بالقاهرة حد ما شهد به (عبد التواب سيف) حيث قال " نحن سويا مع عشرات الأدباء ـــ الجميع ـــ يجلونه، يحبونه، يحترمونه، ......... وهم قبل ذلك يقدرون قلمه، ويهتزون لقصصه، ويحتفون بإنتاجه وأدبه).

 

من سجن القلعة عبر عن خيبة أمله بالثورة

 

كان محمد عبد الولي مع أولئك الذين وقفوا في صفوف الضباط وما سميت حينها بالمقاومة الشعبية في الحرب المعروفة بحرب السبعين يوماً، ووثق في واحدة من أهم قصصه حرب السبعين يوماً هي قصة (الأطفال يشيبون عند الفجر) عن  تأمر القوى التقليدية وممارستها لأساليب حقيرة وخبيثة غير مسبوقة في تاريخ المؤامرات السياسية واستطاعت بأساليبها الدنيئة رغم ضعفها وجبنها وهروبها أثناء الحصار أن تزج بالأبطال وكل من وقف إلى صفهم بأحداث أغسطس المشؤومة والتي سقط فيها مئات من أبطال فك الحصار شهداء، ومئات هربت إلى الجنوب اليمني أو إلى قراها تاركين مناصبهم العسكرية والمدنية، ومئات اعتقلت وأدخلت سجون صنعاء دونما تمييز وكان من بينهم (عبدالله البردوني ، ومحمد عبد الولي ، وعثمان أبو ماهر ، وقائمة من الأسماء الكبيرة في تاريخ الحركة الوطنية اليمنية.

 

 وقبع في السجن لمدة سنة كاملة دونما ذنب اقترفه سوى نجاحاته كدبلوماسي حاذق، وأديب لامع ومناضل صادق يسكنه حب الوطن والتغيير كان أحيانا يوضع منفرداً داخل (زنزانة صغيرة اثنا عشر قدما في ثمانية اقدام) حد ما ورد في قصة (ريحانة).

 

كان يعلم أن كل صفاته تلك منبوذة من أُناس لايزالون يشربون، ويتوضؤون من نفس مياه برك مساجد صنعاء، من أناس كانوا يعيشون في كهوف التاريخ، وفجأة وجدوا أنفسهم أمام ثورة تقول لهم يجب أن تتغيروا لتواكبوا العصر والزمن.

 

أيٍ زمن وأيٍ عصر (أيها المولد) ... ما عد باقي إلا أن يحكمنا حبشي (مولد).

 

سنة كاملة داخل جدران زنازين(القلعة) كتب خلالها مشاريع قصصية ستشتمل عليها مجموعته الثانية (شيء أسمه الحنين) عبر فيها عن خيبة أمله بالثورة بعشر قصص (وكانت جميلة ـــ يقصد بها ثورة سبتمبرـــ ليته لم يعد، الشيء الذي لا يمس، شيء اسمه الحنين، يمامة، سينما طفي لصي، يا أخي اتخارج، الأطفال يشيبون عند الفجر، أصدقاء الرماد) غير أن هذه المجموعة لم يصدرها عقب خروجه من السجن وإنما تأخرت حتى عام 1972.

 

حسد الفأر الصحفي يعيده إلى السجن

 

إن شخصية بحجم (محمد عبد الولي) يستحيل أن تعيش في منأى عن الحاسدين وأعداء النجاح والابداع.

 

فبينما كان ينشر أعماله القصصية في الصحف والمجلات نشر قصة عنوانها (ذئب الحلة) مع مجموعة من القصص الأخرى نشرت في مجموعة عنوانها (عمنا صالح).

 

قصة ذئب الحلة صور فيها شخصية مجنون يقبع في السجن تصويراً فسره الحاسدون على أنه يقصد به الشعب اليمني، وأنه يسخر منه بتلك الصورة التي تعري حقيقة الواقع اليمني المؤلم. وجاء في أحد كتب الدكتور المقالح أن الفأر الصحفي سعى للإيقاع بالشهيد بكتابة تقارير تضليلية عنه قادته لأن يعود إلى سجن القلعة مرة ثانية وكان الشهيد قبيل دخوله المعتقل قد تزوج من طبيبة سويدية تعمل في المشروع السويدي بتعز، وأنجبت له (سارة، وفاطمة). ودخل المعتقل حيث بقي  فيه (8) شهور أبرق من خلاله للرئيس (عبد الرحمن الإرياني) طالبه فيها بإطلاق سراحه، لكي يغادر من اليمن. عندما خرج من السجن ودع زوجته السويدية وابنتيه (سارة، وفاطمة) على أمل أن يلحقها بعد زيارة سيقوم بها إلى عدن التي سينعقد فيها مؤتمر لدبلوماسييها في الخارج.

 

المناصب تتسابق عليه

 

ألم نقل لكم أنه إنسان يسابق الزمن؟

 

على إثر عودته عام 1964 إلى اليمن، وما أن تزوج من ابنة عمه (مشلى) التي أنجبت له (بلقيس وأيوب) حتى بدأت المناصب تتسابق عليه ففي البداية تعين مديرا عاما للطيران اليمني، ونظراً لما تميز به من نجاح في عمله وصل صداه إلى مسامع (السلال) قام الأخير بنقله إلى مكتبه بدرجة مدير عام مكتب رئيس الجمهورية

 

وإزاء ما لا حظ عليه السلال من ثقافة عالية ومهارات في الحوار والاقناع تنم عن قدرات سياسية فذة أصدر قراراً جمهوريا بتعينه قائما بأعمال السفارة اليمنية في موسكو وبرلين وبعد ذلك مقديشو.

 

النهايـــــــة

 

استدعي معظم سفراء اليمن الجنوبي في مطلع أبريل من عام 1973 لعقد مؤتمر عرف بالمؤتمر الدبلوماسي، وانعقد المؤتمر لعشرة أيام في مدينة الشعب بعدن جرت فيه مكاشفات لبعض السفراء، وقراءة تقييمية للتجربة الثورية حينها وكان من مقررات المؤتمر: القيام بزيارة إلى محافظات الجمهورية بهدف الاطلاع على الأوضاع فيها وجهود حكومة الثورة آنذاك بغرض نقل كل ذلك وتوضيحه للبلدان التي سيعملون فيها كسفراء ممثلين لجمهورية اليمن الجنوبية الشعبية.

 

في يوم 28 أبريل 1974م تم إعداد طائرة " الانتينوف نوع "أباتشي توف" بدرجة إعداد v.i.p(فيري أمبورتنت) على درجة عالية من الاعداد.

 

ومن قبيل فتات المعلومات التي ظل الكاتب يقتنصها من وراء سطور قراءاته لكثير من التصريحات والحوارات حول هذه الحادثة تعالوا (نتخيل) أقول (نتخيل).

 

(بينا كانت الطائرة تتهيأ للإقلاع يدخلها شخص يطوف بين كراسيها كمن يقوم بفحص نهائي، يقترب من (عبد الله الأشطل ... سفير اليمن الجنوبي في الأمم المتحدة، وعلى عبد الرزاق باذيب سفيرها في المانيا) يهامسمها، وفجأة يقرران مغادرة الطائرة فيعبران بجوار (محمد عبد الولي) ويناديهما: إلى أين؟  ... إن أعظم اللحظات التي يعيشها الإنسان هي في التعرف على معالم بلاده) انتهى الخيال شبه الحقيقي.. وقبل ذلك كان ناصر السقاف سفير الجنوب في اثيوبيا قد عاد إلى عدن لكنه لم يشارك في أعمال المؤتمر الدبلوماسي... أخرون غير دبلوماسيين كان من المتوقع أنهم سيسافرون بذات الرحلة غير أنهم تراجعوا في اللحظات الأخيرة بينهم (عمر الجاوي، وعبده صالح الدحان).

 

الأمر الذي توضع إزاءه كثير من الأسئلة  منها: لماذا لم يبلغوا (محمد عبد الولي) الذي كان أقرب إليهم من بقية الدبلوماسيين الأخرين؟ وأقلعت الطائرة بشكل طبيعي صوب مطار عتق بشبوة.

 

بينما كانت الرحلة عابرة فوق أجواء وادي حضرموت وتحديدا فوق أحد الجبلين المتاخمين لوادي(عمد) صعق سكان القرى المتناثرة حول الوادي وهم يشاهدون ويسمعون دوي انفجار الطائرة التي استقت من دماء شموس وأقمار وطن كانت داخلها.. نعم  حقول وادي عمد وجداوله وأشجاره وأحجاره وتلاله من تلك الدماء البريئة حتى أنه لم يُعثر على جثة واحدة كاملة.

 

جميع أشلاء الجثث وجدت متناثرة على مسافات متباعدة من أصقاع الوادي، وظلت المروحية تنقلها كأوصال لحم مقطعة تسيل منها دماء من الوادي إلى حيث تقف طائرة (الأنتينوف) في مناظر يعجز وصفها  في حادثة  خسرت اليمن فيها واحداً من أعظم المبدعين في تاريخها الأدبي المعاصر، وإلى جواره (22) شخصية من أخير رجالات الحركة الوطنية اليمنية.

 

أخيراً.. عظيم فوق حروف الخلود

 

رحل الشهيد محمد أحمد عبد الولي بعد رحلة قصيرة لم تتجاوز الـ (33) سنة لكنها كانت بالقياس إلى حجم عظماء مبدعين رحلوا قبله أو بعده تعادل أعمار الحياة.

 

واسالوا التاريخ كم كان عمر (أبو القاسم الشابي) و(إبراهيم طوقان) وغارسيا لوركا، وجاك لندن، وانطونيو  تشيخوف وقبلهم الخليفة عمر بن عبد العزيز، وصلاح الدين الأيوبي   عندما رحلوا؟. وحتى إن لم يبق المبدعون أبناء يحملون أسماءهم كحال الشهيد محمد أحمد عبد الولي الذي توفى ابنه أيوب بعده، وقبل بضعة سنوات رحلت ابنته الدكتورة بلقيس صاحبة أول صيدلية تفتحها امرأة في تعز بسبب مرض عضال داهمها لتكتمل بذلك سيرة الوجع التي عاشها الشهيد في حياته القصيرة.. نعم حتى إن لم يبق اسم يحمل اسمه في اليمن ليذكرنا به فقد ترك وراءه تجربة استثنائية تتناقلها الأجيال في مدارسها وتدرسها في جامعاتها  ومنصات المنتديات الأدبية والصوالين الثقافية وصحفها ومجلاتهاجيلاً إثر جيل، وذلك هو الفرق بين الشهيد وبين الذين عانى منهم كثيراً. . أولئك باتوا منسيين وهو مذكور .. هم إن ذكروا فلا يذكرون إلاّ واللعنات تلاحقهم حتى قبورهم، أما هو فاسمه محمود فوق حروف الخلود ، وروحه ترفل بالتقدير في وعي الوجود.

 

 

- عن يمنات 

صحيفة الأمة " PDF "

روح الشعر

 

  عبدالحفيظ حسن الخزان   أنا طفلٌ يمنيٌ ظامي...
  معاذ الجنيد   البرُّ والبحرُ والأجواءُ...

فكر و نقد

فنون و تشكيل

لقاءات و استطلاعات ثقافية

عرض كتاب