قراءة نقدية"في خمسون عاما في الرمال المتحركة" لمحسن العيني

 

محمد ناجي أحمد

1-2

 

يقدم "محسن العيني "رئيس الوزراء الأسبق ،لكتابه بعنوان "قصتي كما أراها "وهو في هذه المقدمة يرى أن ما كتبه ليس "قصة الحركة الوطنية اليمنية ،ولا قصة الثورة والجمهورية ،ولا قصة الوحدة ،ولا قصة القديم والجديدفي اليمن ،ولا قصة العلاقات بين جنوب اليمن وشماله ...إنها قصة نصف قرن من حياة مواطن ،في عهد الامامة والثورة ،والحرب الأهلية والمصالحة ،والانقلابات العسكرية والأحداث في العواصم العربية التي كانت ملتهبة "9ص

 

والعجيب أن قصة عاصرت تلك العقود الملتهبة ،لم يتعرض صاحبها للسجن أو التعذيب ،رغم التناقضات التي كان شريكا فيها !ولأن تفسير العيني لعدم تعرضه للسجن أو التعذيب ،حين قال "وقد أكرمه الله فحماه من الاعتقال والسجن والتعذيب والامتهان "يظل تفسيرا ينقصه الاسباب الموضوعية التي جعلته بمنأى عن السجن والتعذيب ،فالعيني ينتمي لمنطقة القبائل ،وهو حداثي بحسب دراسته ،وانتمائه في أواخر الخمسينات لحزب البعث ،وبسبب مصاهرته للشيخ سنان أبو لحوم ،فزوجته عزيزة هي أخت سنان ،والرجل في علاقته مع السعودية ليست عدائية وإنما هناك جسر تواصل استمر،حتى أن السعودية ظلت تستقبل كل وافد للعلاج من أسرة العيني حتى حين كان سفيرا لليمن في التسعينات بأمريكا !

 

لا شك أن النفس السردي الذي يجمع ما بين الذكريات والسيرة الذاتية ،والرواية الذاتية ،هو ما يميز أدبيا وأسلوبيا هذا الكتاب ...

 

يتحدث العيني عن طفولته فيقول "ولدت في بداية الثلاثينيات ،في قرية الحمامي التي تبعد خمسة عشر كيلو متر عن صنعاء ،لأسرة متواضعة بسيطة ،وكنت الخامس بين سبعة من الأخوة ،وفي السن السابعة توفت الأم ثم الأب ،فلأخ الأكبر "15ص "وهروبا من هذه الحال ...ولعدم وجود من يرعانا في البيت ،لم يعد أمام اقربائنا الاّ أن يسعوا لإلحاقنا بمكتب الأيتام "15ص .

 

في عام 1947م "تم اختيار أربعين طالبا من مدارس صنعاء وذمار والحديدة وتعز للدراسة في لبنان ،ورغم اعتراض الأمير على اختيار اثنين من القبائل ومن أسرة واحدة في البعثة ،فقد أصر المدرسون على أحقيتي وأخي على عضوية البعثة بحكم تفوقنا "18ص .

 

مشاهدة السينماء ودهشة المكان :

 

يتحدث العيني عن نزولهم في مدرسة بجبل حديد "التي كانت خاصة بأبناء أمراء المحميات وحكامها ،وكانت خالية من الطلاب بمناسبة العطلة الصفية "19ص.

 

كان ذلك أثناء نزول البعثة الطلابية التي تم اختيارها من أربعين طالبا ،وعند مرورهم بعدن في طريقهم إلى لبنان ،تفاجؤا بوجود النعمان والزبيري "وقد فوجئنا فوراوصولنا بوجود الأستاذين أحمد محمد نعمان ومحمد محمود الزبيري ،زعيمي اليمنيين الأحرار ،وقد سبق أن سمعنا عنهما وقرأنا ما يكتبانه شعرا ونثرا ،تنديدا بالإمام وحكمه وظلمه ،ودعوة إلى الاصلاح واستنهاض الشعب وايقاضه ،وقد ذهبنا معهما إلى دار السينما للمرة الأولى في حياتنا ،وشاهدنا فيلم "عنترة وعبلة"ولم ننم بعد ذلك أياما ،إعجابا وذهولا .وشاهدنا مدينة عدن وهي تسبح في أنوار الكهرباء طوال الليل ،والسيارات تسرح وتمرح في شوارعها المعبدة ،بعد الظلام الدامس في صنعاء وتعز والحديدة ومدننا وقرانا في الشمال "19ص .

 

تختلف رواية العيني عن رواية مكي بخصوص قصة "كسر الكيزان"في القطار أثناء رحلتهم من القاهرة إلى صيدا ،فمكي يرويها على أن اليمنيين كانوا غير متعودين على شرب الماء من الكيزان ،من ارتفاع دون ملامسة الفم للكوز ،وأن الطلاب كانوا يكسرون الكيزان بسبب ذلك ،ويرويها العيني على أن اليمنيين كانوا يلامسون الكيزان بأفواههم ،ولذلك كان الباعة يكسرونها ،يقول العيني "كان الفلسطينيون يقدمون إلينا أكواز الماء فنشرب منها بالفم المليان ،فيكسرونها بعد ذلك .وقد اعتبرنا هذه إهانة ،وعندما سألناهم قالوا"يجب الاّ يلامس الفم الكوز ،بل يصب الماء من عل حتى لا تتنفس في الكوز ،وحتى يبقى نظيفا ليستعمله غيرك "20ص.

 

الكثير من أصحاب المذكرات الذين كانوا ضمن البعثة اليمنية التي سافرت إلى لبنان عام 1947م ثم نقلت إلى مصر بسبب استقبال لبنان للفضيل الورتلاني المشارك بحركة 1948م –الكثيرون منهم يرون حكاية تواصلهم مع الاستاذ سيد قطب في أواخر الاربعينيات على أنه تواصل مع زعيم من زعماء الاخوان المسلمين ،في حين أن انتماء سيد قطب للإخوان كان قبل ثورة 23يوليو بفترة وجيزة ...يصف هنا محسن العيني مشاركاتهم مع الفرق الكشفية للاخوان المسلمين ."وشارك بعضنا في الفرق الكشفية للاخوان المسلمين وكنّا نتردد على منزل الاستاذ سيد قطب صباح كل جمعة ،حين كان ليبراليا حرا ،وقبل انتمائه إلى الاخوان واعتقاله وتشدده .وكان حبيبا إلى نفوسنا "23ص.

 

"وقد زارنا الأستاذ سيد قطب في منزلنا بالقاهرة أول التحاقنا بالجامعة ومعه الأستاذ الزبيري .ولم يكن سيد قطب في نظرنا حينها إلا أديبا وعالما ومفكرا منفتحا ،ولعلّ ما يقال عن تشدده وتطرفه كان بعد السجن ،وما يقال عن التعذيب الذي تعرض له وجماعة الاخوان المسلمين "24ص.

 

يبدو أن خيارات المصريين في بداية الخمسينات كانت مع دعم "الاتحاد اليمني "،وتدريب بعض الطلاب على الأسلحة الخفيفة ،يقول العيني "وقد أمضيت مع عدد من الطلاب شهرا في أحد معسكرات الجيش المصري للتدريب على الاسلحة الخفيفة والتسلق والزحف ،والجري ومواجهة الصعاب ،والحرمان من النوم والطعام "بل إنهم كانوا يتدربون" في شقة في ميدان المنيل كنا نتدرب على الارسال والاستقبال باشارة ال"مورس " باللاسلكي .وقال لنا الاستاذ الزبيري :"إذا اكتشف زملاؤكم هذه الشقة وتساءلوا عن ترددكم عليها فأوهموهم أنها خاصة ولكم فيها مآرب أخرى "وعندما أبدينا اعتراضنا .وحرصنا على سمعتنا قال :"هذا فقط للتعمية "28ص. في هذه الفترة التي كان الزبير يشرف ،ويدرب فيها مجموعة من الطلاب ،تدريبا على الأجهزة اللاسلكية ،وعلى انخراطهم في معسكرات الجيش المصري للتدرب على الروح القتالية والأسلحة الخفيفة ،يبدو في رأي أن فتحي الديب كان مشرفا ومتواصلا مع الاتحاد اليمني ...

 

يصف العيني سبب انقلاب 1955م بقوله "خرج عدد من الجنود لجمع الحطب في منطقة الحوبان ،وقد اختلفوا مع الأهالي ،ويبدو أنهم اعتدوا عليهم ،فهدد هؤلاء بالشكوى إلى الإمام ،فخاف الجنود وعادوا إلى ثكنهم وطالبوا قائدهم المقدم أحمد الثلايا بضرورة الثورة ،وأن الأوضاع لا تطاق ،وتحت هذه الحماسة حاصر الجنود قصر الإمام أحمد "والحقيقة أن سبب انقلاب 1955م كان سببه اعتداء الجنود على المحاصيل الزراعية لبعض مناطق الحوبان ،مثل قرية النجدين ،والتحرش بنسائهم ،مما جعل أهالي الحوبان يصطدمون بالعسكر ،فعاد العسكر في اليوم الثاني ،وقتلواوأحرقوا المحاصيل ،مما جعل أهالي الحوبان يشتكون للإمام أحمد الذي طالب المقد م أحمد الثلايا بضرورة تسليم الجنود الذين اعتدوا على الرعية في الحوبان ،لكن الجنود رفضوا وتمردوا ،والثلايا انتصر لتمردهم ،ليصبح تمردا يطالب بخلع الإمام أحمد ،وتعيين سيف الإسلام عبد الله بدلا عنه ،وحين فشل الانقلاب ،فرّ الثلايا عن طريق صالة ،قبض عليه أهالي قرية العدنة بصبر، شرق ثعبات ،وسجنوه في المسجد ،ففاوضهم بعد أن أخذوا منه سلاحه أن يعطيهم الذهب الذي بحوزته ويتركوه يرحل ،لكنهم أخذوا الذهب وتركوه سجينا يصرخ باكيا في المسجد ،ثم سلموه للإمام أحمد في الصباح ،وهو نكاية بهم حين وجدهم سلموا سلاحه للإمام وأخفوا الذهب ،أخبر الأمام أنهم أخذوا منه الذهب الذي كان بحوزته !مما جعلهم يسلمون الذهب للإمام أحمد ...أما قول العيني أن الامام أحمد واجه الثلايا أمام جنوده ،مذكر إياه بفضائله عليه ،فكانت إجابة الثلايا "لكن الموضوع ليس موضوعي أنا بل موضوع الشعب "32ص.والحقيقة التي استقصيتها من معمري قرية العدنة ،الذين القوا القبض على الثلايا ،وكانوا حاضرين يوم اعدامه ،فحين سألتهم عن موقف الثلايا حين اعتقلوه ووضعوه في المسجد ،أجابوا بأنه كان يصرخ باكيا ،ومترجيا لهم أن يطلقوا سراحه ،لكن يقينهم بطاعة الإمام أحمد كانت أكبر من أن يستمعوا لتضرعاته !وحين حضروا عملية اعدامه في ميدان الشهداء ،ومواجهة الإمام للثلايا بفضائله ،أمام الناس في الميدان كانت إجابة الثلايا هي الاعتراف بكل ما قاله الامام أحمد ،وحين سألتهم عن العبارة المشهورة المنسوبة إليه "لعن الله شعبا أردت له الحياة فأراد لي الموت "نفوا أنه تفوه بهذه العبارة ،والحقيقة أن العبارة التي قالها محسن العيني ونسبها للثلايا ،لم تكن سوى اختلاقا سبتمبري !وكذلك المقولة التي لعن فيها الشعب هي اختلاق مصري بعد ثورة 26 سبتمبر ،وهو اختراع يتناقض مع لهجة الثلايا التي لم تكن الفصحى لغة له ،وإنما المحكية الشمالية ،بل إن البيان الذي اصدره بعد الانقلاب كان موجها للجيش ،ويغريهم بالثورة على الإمام ،وأنهم سيرفعون رواتبهم ،ويحسنون من أوضاعهم ،أي انه لم يكن بينا للشعب ،وإنما للجيش ! وقد صيغ باللهجة العامية !

 

2-2

 

يتحدث محسن العيني عن موقف الأمير فيصل بن عبد العزيز في اجتماع الأمم المتحدة الذي عقد بعد الثورة السبتمبرية ،بأنه قال "إذا لم يكن هناك تدخل خارجي ،ولم يكن النظام الجديد معاديا للسعودية فلا يوجد سبب للخلاف "ثم يردف كلام الأمير فيصل بتحليل ينسبه للبعض فيقول "وبعلل البعض تشدده بعد ذلك عندما عاد إلى بلاده ،بتصريحات بعض المسؤلين في صنعاء وتحديهم "62ص .من الواضح أن مايقوله العيني هو تبرير للموقف السعودي !

 

يورد محسن العيني عبارة سمعها من كومر مستشارالبيت الأبيض "وهو يقول في حفل عشاء في إحدى السفارات العربية "دعهم ينزفون حتى الموت .المصريون تنشغل قواتهم .والسعوديون ينفقون .واليمنيون يعانون .وعندما يتعبون سيصلون إلى حل "74ص.وهذه العبارة التي ينقلها محسن العيني عن مستشار البيت الأبيض تتفق تماما مع رؤية حسن مكي التي أوردها في مذكرات ،من أن امريكا أرادت باعترافها بالنظام الجمهوري ،ودعمها للملكيين ،وحمايتها للسعودية ومصالحها ،أن تستنزف القات المصرية ،ليسهل ضربها في 5 يونيو 1967م .في الحكومة التي تشكلت بعد مقتل الزبيري في ابريل 1065م برئاسة النعمان ،تم تعيين محسن العيني وزيرا للخارجية ،وقد اعتبرها العيني عامل مساعد لانعقاد مؤتمر خمر الذي عقد عام 1965م برعاية الشيخ عبد الله بن حسين الأحمر ،في حين أن عبد الملك الطيب اعتبر المشاركة في الحكومة تواطؤا وخطأ ! وحين شارك العيني في مؤتمر خمر ،وهو البعثي الذي يؤمن بالوحدة والاشتراكية والحرية ،وبينه وبين السعودية علاقة مهادنة وتواصل ،وبينه وبين القبيلة علاقة انتماء للجذور ،و مصاهرة للشيخ سنان أبو لحوم ، وجد الوفود ترفع شعار "حزب الله "فاعترض عليها بحجة أن هذا يشبه استخدام الدين في عهد المملكة المتوكلية اليمنية !فاقترح على الشيخ عبد الله وبقية الحضور أن يكون الشعار الذي ينعقد تحته المؤتمر ،هو "المؤتمر الشعبي" وقد وافقه الحضور –انظر 81ص .

 

لقد كان التجمع في ساحة القصر الجمهوري ،في الأول من أيار 1965م للذهاب إلى خمر ...

 

ويستدرك العيني منتقدا بعد عقود مشاركته في هذا المؤتمر قائلا"وقد آن لي أن اعترف بأني كنت حسن النية ،ومطمئنا إلى المشايخ والقبائل ،وأن الذين انزعجوا من مؤتمر خمر ومن تعاظم النفوذ القبلي فيه ،ربما كان لهم بعض الحق .فقد اعتبروا هذه القوى متخلفة،لن تسمح بقيام الدولة الحديثة التي نتطلع إليها ،لكنهم أيضا بالغوا في النقد ،واساؤا التصرف وأضاعوا فرصا كثيرة ،وسنوات طويلة .ولا ضرورة للتفصيل "81ص.

 

في حديث ثنائي بين محسن العيني وأنور السادات حول اليمن يقول ،بعد مقابلة مع عبد الناصر "في القاهرة ،وفي مساء 5 تشرين الأول من اكتوبر ،وعرض تصوره عن سير الأمور بصنعاء ،بعد ذلك التقي "في منزل السادات بالهرم ،حاولت أن أدلي بكل ما عندي من معلومات وملاحظات وأفكار ،وكررت ما ذكرته للرئيس في المقابلتين وله في مقابلة سابقة ،وما تجدد من انطباعات عمّا جرى في صنعاء .فقال لي "يبدو أنك منزعج ،أريدك أن تطمئن إلى أننا نعد لكل أمر عدته ،ولكل احتمال ما يلزم .هذه القبائل ينبغي ألاّ تزعجنا .الا تعرف أننا الآن في في سبيل ارسال الصاعقة إلى اليمن ؟إننا ندرب جنود الصاعقة على أكل الثعابين .فمن يستطيع الوقوف أمامهم ؟فقلت له ياسيدي إنهم سيواجهون قبائل شرسة هي جزء من الصخر ،ومن الجبل ،قبائل في بعض المناطق الثعابين عندها فاكهة .وقد ابتسم وقال "يبدو أنك تجيد النكتة أيضا "60ص.

 

يصور العيني موقف جمال عبد الناصر من حكومة النعمان ،التي تشكلت بعد مقتل الزبيري ،بأنه موقف الرفض لها ،لكنه يبالغ في وصف موقف مصر السلبي تجاه حكومة النعمان فيصف الدعم المالي الذي تقدمه مصر لليمن ،ثم توقفت عن تقديمه قائلا"لاسيما وقد اعتذرت القاهرة عن تقديم أي شيء بصورة مفاجئة ،رغم أن ما تفعله هو مجرد الإفراج عن النفقات والمصروفات الشهرية بالعملة اليمنية التي كانت هي تتولى عملية إصدارها "بل إن العيني يحمل عبد الناصر مسؤولية التراجع من قبل الكويت ،عن قرض اليمن مبلغ خمسة ملايين دينار كويتي "أمّا الكويتيين فقد تراجعوا عن تقديم القرض وذكروا أن الرئيس قال لهم عند الحديث عن القرض الكويتي لليمن "مش حايرجعوه لكم "104ص .يبدو أن العيني ببعثيته ،وبسبب موقف مصر السلبي منه ،كل ذلك جعله يكتب مذكراته تجاه الدور المصري في اليمن بطريقة تصور هذا الدور ،وتصور جمال عبد الناصر بالعجرفة والهيمنة والاحتلال ،في نفس الوقت نجد حديثه عن الدور السعودي على أنه الدور المدافع عن مصالحه وأن السعودية تدخلت في اليمن بسبب التدخل الخارجي المصري !فهل يعقل أن تضحي دولة برجالها وأموالها ،ولا يكون لها رأي في تشكيل الحكومات التي تؤمن ظهر ابنائها!

 

يقدم محسن العيني صورة شديدة السلبية عن عبد الناصر ،فهو في كتابه شديد المغامرة ،بل وأكبر مغامر ،مستندا بذلك إلى مذكرات "صلاح نصر "ورغم أن الذين سجنوا في مصر لأكثر من عام ،سواء النعمان أو العمري ،أو يحي المتوكل ،أو حسن مكي ...الخ ،هؤلاء ظلت مشاعرهم تجاه مصر ،وتجاه عبد الناصر فيها الكثير من التقدير ،رغم محنة السجن التي تعرضوا لها!

 

بعكس العيني الذي لم يتعرض يوما في حياته للسجن أو التعذيب !...

 

لأن محسن العيني يعتبر أحد التكنوقراط المؤسسين والمشاركين لانقلاب 5 نوفمبر ومقرراته التي هي امتداد لمؤتمر خمر الأول ،الذي عقد عام 1965م ،والذي شارك في صياغته مقرراته إلى جوار عبد الملك الطيب وآخرين ،فلقد دافع عن هذا الانقلاب ،ووصف موقف الشباب من الحركيين والمقاومة الشعبية ،وقوات الصاعقة والمظلات بأنه ارتداد عن انقلاب نوفمبر ،بعد أن وافقوا في البداية متصورين أنهم سيستطيعون بعد ذلك إبعاد المجلس الجمهوري والاستيلاء على السلطة ،حسب وصف العيني ،وهذا تبرير لما حدث في أحداث مارس وأغسطس 1968م ثم ما اعقبها من تصفيات للحركيين والمقاومة الشعبية ،والصاعقة والمظلات !

 

حين نقارن سرد العيني لاحداث أغسطس ،مع سرد حسن مكي ، نجد أن الدكتور مكي تميز بحيادية وموضوعية في السرد ،وفي تحليل عوامل الصدام ،لكن العمري يصف المشهد على أن احتجاز الوزراء الذين ذهبوا للوساطة إلى مقر الصاعقة ،بأنه هو الذي صعد الموقف ،وأدى إلى تفجير الوضع عسكريا ،لكن مكي يرى أن الذي فجر الوضع عدم ثقة كل طرف بالآخر ،وأسر "على مثنى جبران "قائد المدفعية ،والذي اسر من قبل حسن العمري ،بل ومحاولة قتل الوزراء الذين ذهبوا للوساطة لولا تنبه عبد الرقيب عبد الوهاب قبل دقائق ،وإخراج الوزراء من مكان حجزهم ،والذي تحول إلى أنقاض !بل إن إصابة مكي في الرأس ،والعيني يذكرها على أنها إصابة في الرأس واليد ،يرويها العيني بأنها بسبب محاولة هروبهم من مقر الصاعقة !في حين أن مكي يرويها على أنهم حين انسحبوا بسبب القصف إلى العرضي ،خرج لهم شخص يحمل رشاش وأراد قتلهم ،ورواية مكي توحي إلى أن من أطلق النار ليس من قوات الصاعقة !وإنما من الطرف الآخر

 

عن اعتراف السعودية باليمن :اشترطت السعودية أن يكون الوفد الذي سيذهب إلى السعودية من أجل سرعة الاعتراف "أن يضم هذا الوفد ممثلا كبيرا عن القبائل ،وممثلا عن السلطة التنفيذية للدولة ،وممثلا عن قيادة الجيش ،وذلك لدراسة موضوع الاعتراف ،والتفاهم على بعض النقاط التي نراها ضرورية لمستقبل العلاقات بين البلدين الشقيقين ،وأن تخبرونا بأسماء أعضاء الوفد "ويبدو أن السعودية استمرت بالتعامل مع اليمن ضمن هذا المعيار الذي كرسته في تعاملها مع اليمن !أي الحكومة طرف ،والمشايخ طرف ،والجيش طرف !لهذا سنجد المشايخ المشاركين في الوفد يحتجون ،حين انفرد العيني والشامي والعمري بالاجتماع برشاد فرعون والسيد عمر السقاف في دار الضيافة ،من أجل وضع صيغة البيان الذي أصدره الديوان الملكي السعودي ،الساعة العاشرة والنصف من مساء الاربعاء 22 تموز ،يوليو 1970م-وكان الاحتجاج مبني على أساس أن الاجتماع ينبغي أن يمثل جميع الأطراف ،لا أن يستثني المشايخ في صياغة بيان الاعتراف !180ص.

 

يحدد محسن العيني موقفه من القبيلة فيقول "والقبائل في اليمن حقيقة كبرى .إنها كتلة الجماهير الضخمة .وفي غياب الصناعة والزراعة الحديثة هي في الحقيقة الشعب ،البروليتاريا "201ص.ولها فهو يرى أن تحويل الولاء الذي "لا يزال للقبيلة وللمنطقة وللمذهب ،وللقرية .وعلينا شيئا فشيئا أن نحوله إلى الوطن ،إلى اليمن ،إلى الدولة ،وهذا لايكون بالهجوم على القبيلة ،بل بالصبر ،والواصلات ،والتعليم .بالارشاد والاعلام نبالمشاريع الزراعية وتحسين مستوى المعيشة "201ص .

 

من الملاحظ أن وصف العيني للقبيلة فيه الكثير من الغنائية ،والتضخيم من شأنها !...

 

 

 

عندما تراجع محسن العيني رئيس مجلس الوزراء في فبراير عام 1971م ،عن موازنة القبائل والصروف والارتاب الخاصة بها ،اجتمع المشايخ وقدموا مذكرة بمطالبهم ،ووافقهم غالبية أعضاء المجلس الجمهوري ،وهذا نص المذكرة "فخامة السيد رئيس المجلس الجمهوري الأفخم حياكم الله ،بعد التحية ،نرفع لفخامتكم ما رأيناه ،ورجحنا تقديمه ،بعد الاجتماعات ،ودراستنا للأوضاع الراهنة وما صارت إليه ،ويتلخص في الآتي :1- نطالب بسرعة تشكيل قيادة للجيش الشعبي ،لإعداده وتنظيمه ،والأمر بتوفير عدده بالصورة التي تضمن دخول القبل التي لم يكن لها جنود في الجيش الشعبي .

 

2-إجراء مقررات شخصية للمشايخ الذين لم يكن لهم مقررات .

 

3-توظيف الأكفاء من المشايخ كلا حسب كفاءته .

 

4- تعين أربعة مشايخ في مجلس الوزراء ممن تتوافر فيهم الكفاءة على العلم والخبرة على الادارات.

 

5- توزيع الأعضاء المعينيين من قبل الدولة لمجلس الشورى على جميع الفئات بالنسبة العددية .

 

6 نطالب بتشكيل لجنة مهمتها القيام بالتفتيش عن جميع صرفيات دوائر الحكومة ومعرفة الخطأ فيها والصواب ،مع نعرفة موارد الدولة ،وتصحيح الوضع الإداري شاملا .هذا ما قررناه في الاجتماع ،كما تقررتشكيل لجنة عن المشايخ من أحمد عبد ربه العواضي ،واحمد ضبعان ،محمد ناجي القوسي ،محمد القيري ،يحي العذري ،وأحمد علي المطري ،وكلفوا بتقديم هذه المذكرة إلى فخامتكم والمتابعة في تنفيذها .والسلام عليكم .المقدمون :كافة المشايخ.203ص -204.

 

وكانت النتيجة أن قدم العيني استقالته بعد اجتماعه بمجلس الوزراء بمنزله ...

 

عاد محسن العيني إلى رئاسة الوزراء مرة أخرى ،بعد عزله السابق ،أو تقديمه لاستقالته حسب تعبيره ،وفي زيارة له إلى السعودية يقول "وقد توجهت إلى جدة في أول حزيران ،يونيو 1972م مع الأخوة إبراهيم الحمدي ومحمد الارياني وعلي أبو لحوم وعلي الضبعي ووزيري المالية والاقتصاد وآخرين "228ص.ويرى العيني أن هذه الزيارة التي كان فيها إبراهيم الحمدي ضمن الوفد الذي ذهب إلى جدة ،أنها هي التي وقع فيها الاختيار ليكون الرجل ،وإن كان يصيغ رأيه هذا بقوله "ويرى بعض المراقبين السياسيين اليمنيين المطلعين أن البواب قد فتحت يومها لإبراهيم الحمدي ،وأنه قد وقع عليه الاختيار ليكون الرجل الأول في أول فرصة تسنح "228-229ص.

 

ويؤكد الدكتور حسن مكي ،وكذلك اللواء محمد عبد الله الارياني في مذكراتهما ،أن هناك اجتماعات عقدت مع عسكريين ،دون علم الجانب الرسمي في الوفد ،لكنهما لم يذكرا الأسماء ...

 

يحاول العيني أن يربط بين الاغتيالات ومحاولات الاغتيالات التي جرت لمحمد علي هيثم ،في القاهرة ،والسيد أحمد محمد الشامي في بيروت ثم اغتيال القاضي عبد الله الحجري في لندن ،فيربطها تلميحا بقوة العلاقة بين صنعاء وعدن فيقول "وتغير الجو بعد محاولة اغتيال محمد علي هيثم في القاهرة والسيد أحمد محمد الشامي في بيروت ثم اغتيال القاضي عبد الله الحجري في لندن .كانت تلك المرحلة قمة التعاون بين صنعاء وعدن ،والحمدي وسالم ربيع "321ص.

 

بل ويتحدث عن أكثر من جهة أبلغته أن هناك محاولات لاغتياله !وأن المقدم الغشمي هو المحرض -321ص-.العجيب أن محاولة اغتياله ظلت مجرد معلومات من جهات لم يسمها ،ولم تحدث واحدة منها على الأرض !

 

عن زيارة نائب رئيس الجمهورية :

 

وعن زيارة نائب رئيس الجمهورية اليمنية ، الاستاذ علي سالم البيض لامريكا ومقابلته لآل غور ،في يوم الخميس 5 آب "اغسطس "1993م ،يقول "والعجيب أن النائب سمح لنفسه بكلام لا يتفق مع الواقع .فقد قال للصحف أنه طلب مني عندما وصل إلى نيويورك أن أرتب له موعدا في واشنطن ،وأني اعتذرت له ،وقلت له أن الوقت قصير ،وأنه اضطر إلى أن يجري اتصالاته الخاصة ...إلى غير ذلك من كلام لا يتفق مع الحقيقة ولا يتناسب مع مركزه .ولا مع طبيعة العلاقة الودية التي كانت بيني وبينه ،وقد رفضت أن أعقب احتراما لنفسي وله ولليمن ،وقد عاد بعد ذلك إلى عدن واعتصم بها ،وجرى حوار طويل بين صنعاء وعدن شاركت فيه معظم القوى الوطنية والشخصيات ،وانتهى بلقاء عمان "366ص-367...