قصص لا تقرأ بالعين المجردة

 

 

 

 

 

وجدي الأهدل

 

 

 

في الماضي وقعت ضحية الفكرة الشائعة المتداولة في الأوساط الأدبية، القائلة أن القصة القصيرة ينبغي أن تكون مكثفة بحيث نضغطها في أقل عدد ممكن من الصفحات.

 

 وأعتقد أن المجلات الأدبية هي التي أوهمتنا بهذه الحدود الضيقة لفن القصة القصيرة، بحجة مساحة النشر. ولكنني الآن لا أرتاح مطلقاً لهذا التواطؤ بين المؤلف والمجلة الأدبية، حيث يفكر كلاهما في تفصيل قصص مكتوبة بالمقاس.

 

 بعد أن تخلصت من هذا الوهم، وتحررت من نشوة النشر في المجلات، أصبحت أكتب القصة القصيرة براحة أكثر، دون أن أقيم اعتباراً لعدد الصفحات. إنني أترك القصة تمضي على هواها حتى النفس الأخير، حتى تكتمل من تلقاء ذاتها.

 

في الفترة الأخيرة قرأت إعلاناً لدار نشر تطلب مخطوطات روايات لا تزيد عن عشرة آلاف كلمة.. عندما قرأت الإعلان سخرت في نفسي من هذا الشرط الغبي الذي يسعى لتقزيم الرواية أيضاً! يوماً ما سيظهر مصطلح "الرواية النحيفة" وستطالب دور النشر بتزويدها بهذا النوع النحيف من الروايات، وكالعادة سيتحرك السوق – سوق المؤلفين- باتجاه تلبية رغبات هؤلاء الناشرين الجشعين الذين يسعون للأرباح دون أن يلتفتوا إلى حجم الأضرار التي يتسببون فيها من تخريب لفن الرواية، وإفساد للذائقة الفنية للقراء.

 

بالنسبة لي أجود القصص التي كتبتها تتراوح غالباً ما بين ثلاثة آلاف-خمسة آلاف كلمة. وأعلم أن نشر قصص بهذا الطول لم يعد ممكناً في هذا وقتنا الراهن، ومع ذلك أشعر أنني قد أرضيت نفسي، واستفدت من إمكانيات فن القصة القصيرة على أفضل وجه ممكن.

 

المأزق الذي يقع فيه كتاب القصة القصيرة أن المساحة المتاحة لنشر القصص تتقلص كل عشر أو عشرين سنة، وربما في النهاية سيقبلون بكتابة قصص متناهية الصغر تصلح للنشر في مساحة تساوي علبة كبريت.

 

 ولو كان نجيب محفوظ على سبيل المثال يعيش في هذا القرن لوجد عنتاً شديداً في نشر قصصه القصيرة. ولذلك لم يكن مفاجئاً بروز فن قصصي جديد يتكيف مع هذا التقليص المستمر، فظهرت "الأقصوصة" أو كما يحب كتابها تسميتها بالقصة القصيرة جداً "ق.ق.ج".

 

 وقد بدا اتجاه عدد من الكتاب والكاتبات إلى كتابة هذا النوع من القصص حلاً سعيداً لمحرري المجلات، وصار بالإمكان حشو صفحة أو صفحة ونصف بشذرات قصصية، وبالتالي إفساح المجال لأمور أكثر رواجاً أو لإعلان تجاري.

 

ربما يبدو مفهوماً أن يكتب اليابانيون الأقصوصة، فلديهم تقاليد عريقة في زرع الأشجار العملاقة في أصص صغيرة، وهو فن يعرف باسم "بونساي". وكذلك لديهم نوع مختصر جداً من الشعر يُسمى"الهايكو" يكتب عادة في ثلاثة أسطر. 

 

وأما في الأدب العربي فما من جذور يمكن الاتكاء عليها لتأصيل فن الأقصوصة.. كما أن هذا الفن القصصي الجديد فتح الباب واسعاً أمام كُتاب الخواطر للانخراط بنشاط في المشهد الأدبي مرتدين هذه الكوفية التي تصلح لأي رأس. وهذا يُذكرنا بالتساهل الذي طال "قصيدة النثر".

 

هل حدث للقصة القصيرة تقزم مشابه في الثقافات الأخرى؟ ليست لدي معلومات عن هذا الأمر. ربما يكون تقلص حجم القصص القصيرة موضة كوكبية.. أو ربما هذا يتفق مع روح العصر التي تتفنن في تصغير كل شيء.

 

إذا استمر تقزم القصة القصيرة على هذا المنوال خلال السنوات القادمة، فإنني أتوقع أن يحتاج القراء إلى العدسات المكبرة لقراءتها، وربما بعد مائة عام سنحتاج إلى المجهر، وسوف تُدرّس القصة القصيرة جنباً إلى جنب مع البكتيريا والطحالب والفطريات.