الجمعة, 15 تشرين2/نوفمبر 2019  
17. ربيع الأول 1441  Jumu'ah

تحليلات و ملفات ساخنة

 إشكالية الموت الدرويشي والبناء الصوري

 

 

 

 

 لمياء بوعقدية

 

 

إذا كنا نتغيا موضوع الموت الذي طغى على مدارات الشعر المعاصر والأشواط الذي قطعها ليشغل  الفكر الإنساني قديما وحديثا ، ليسعى هذا الأخير في مضامينه بحثا عن أسراره ، فقد ظل ــــ الموت ـــ يساوق رحلة الإنسان ـــ وبخاصة الشعرية منها ـــ وصورته ملازمة له أن سارت به الخطى ، ومحمود درويش من بين هؤلاء لتكون قصيدته رحلة إنسانية كونية لم تتوقف غاياتها عند القضية الفلسطينية ، وإنما قذفت بصورتها الشعرية في كل عوالم الإنسان وفي أغوار الذات بأبعادها مستنطقة كل منسي يومي أو أسطوري وغيرها .

 

لتكون لي وقفة جلية أستقصي من خلالها التشكيل الصوري لخطاب الموت عند "محمود درويش" عبر القصيدة المعاصرة ، والتي بات الموت فيها موضوعا أكثر عمقا في الشعر المعاصر لأنه صار أكثر تعمقا في الفلسفة . فما هي محمولات الشعر الصورية عبر القصيدة الحديثة " لدرويش" ؟ أو بالأحرى كيف خاطب "درويش" الموت بحلّته الجديدة عبر صور وإيحاءات جديدة ؟

 

1ــــــ الصوّر الموضوعية :

لم يكتف درويش بمعاصرته للتجربة الشعرية على التجديد اللغوي فحسب بل شمل الصورة كذلك ، منطلقا من أن الشعر الخالد هو الشعر الذي يستطيع تصوير الواقع بأرقى أساليب الفن والإبداع .

 

 

إن الصورة الشعرية عند  "محمود درويش" لا تتحيز لرؤية تنظيرية بعينها ، ولا تفعل موقفا جماليا محددا لتظل وفية للإبداع الشعري فحسب ، والصور الموضوعية هي ( الصور التي تتردد في أعمال الفنان بأشكال بيانية مختلفة تحمل أبعاد تجربة شعورية ، وتعبر عن وجهة نظر تجاه الحياة ويتبلور فيها موقف العام والخاص ، وإذا كانت خاصيتها العامة والضرورية وحدة الجو والنظر وتخلقها في الوقت نفسه ، ولذلك فان دراستها تعني دراسة العالم الذي تتحدد فيه وتأتلف معطيات التجربة )(01)

 

إن ارتباط الذات بالواقع المزري الذي تعيشه فلسطين ، كانت الكلمة الشعرية عند درويش ليس سلاحا واصفا فحسب بل كاشفا وصارخا وباعثا للحياة ، ليعيد الشاعر من خلال قصيدته التأليف بين عناصر الطبيعة والإبداع وتصبح لديه صورة للعالم الشعري المعاصر بكل مكوناته الشعورية والفكرية وغيرها ...

 

وعن طريق الخيال الخلاق سار درويش لبناء القصيدة الحديثة لتتضاعف الصورة الشعرية بإيحاءاتها ، ليأتي الموت بصور السام والحزن والضياع والألم والغربة والهم ....الخ لنجد رمزية الشجرة موجودة في الكثير من قصائده ، فإذا كانت هذه الأخيرة ـــ الشجرة ـــ برمزيتها للبقاء والتجدر العرقي في الثرات والأصالة ، فإنها تعني كذلك عند هذا الشاعر الارتباط بالأرض والوطن والبقعة الجغرافية أحد أهم مقومات الهوية الوطنية ودرويش يريد من خلالها الجمع بين الدفء والألفة.

 

لقد كان الإنسان القديم يحن للأوطان وهو في غربته يتغنى بجمالها وخصائصها وخيراتها  فوصفوا الطبيعة وجمالها ،    لكن الشاعر المعاصر تجاوز الوصف والحنين إلى التفاعل مع الأرض والاندماج فيها ومعها ، فحولها تارة إلى أم وتارة أخرى  إلى حبيبة حبلى بعد آت . (02) 

 

يقول درويش ضمن ديوانه "لماذا تركت الحصان وحيدا ":

 

أطل على نورس وعلى شاحنات جنود

تغير أشجار هذا المكان.........................(03)

ويقول:

آذار يندف قطنا على شجر اللوز....................( 04)

نحن أيضا لنا سرنا

عندما تقع الشمس على شجر الحور.......................(05)

ويقول :

إلى آخر الشجرات انتبهنا إلى أننا

لم نعد قادرين على الانتباه ...............................(06)

ويقول :

.........هذا القطار

ويمشي حولي الشجر.............................(07)

ويقول :

جيثارتان

تتبادلان موشحا

وتقطعان

بحرير يأسهما

رخام غيابنا

عن بابنا

وترقصان السنديان ............................... (08)

 

هذه الأسطر الشعرية ضمن قصائد هذا الديوان تحمل رمز الشجرة الفلسطينية التي يراد اقتلاعها من جذورها ، وكذلك إلى الهوية التي تكاد تتلاشى ، فإذا كان الشجر رمزا أسطوريا ودينيا كشجرة الزقوم التي أكل منها سيدنا آدم ــ عليه السلام ـ مثلا ، فانه عند درويش رمزا للخلود والتجدر العربي والعرقي للوطن فلسطين . ليأتي الشجر بأنواعه " الزيتون ، الصبار ،  التين ، الصفصاف ...." رمزا للعنف الذي تتعرض إليه فلسطين من قبل اليهود ، فإذا كان الموت الطبيعي متربصا  بالإنسان ، فان الموت اليومي على أرض العروبة فلسطين متربصا بالإنسان وبالطبيعة، والهدف من ورائها محاولة طمس الهوية العربية وجعل أرض الخصوبة والنماء فلسطين أرضا صحراء بورا قاحلة .

 

فدرويش من خلال قصيدته يعري ويفضح أعمال الموت اليهودي المتربص بسياسة الموت المحتوم ، فإذا أخدنا شجر الزيتون مثلا وما يرمز إليه من عراقة الدولة الشرقية والعربية الإسلامية عبر قصائد كثيرة نذكر منها من خلال قصائد الديوان ( أرى شبحي قادما من بعيد، في يدي غيمة ، قرويون من غير سوء ، ليلة البوم ، البئر ، كالنون في سورة الرحمان ، تدابير شعرية ، شهادة من بروتولت بريخت أمام محكمة عسكرية .... الخ ) فإن درويش ورغم محاولته قتل الطبيعة المتعمد من طرف الصهاينة ، يتخذ من شجر الصبار شاهدا عنيدا للمقاومة والحياة ، فمند أن زين الفلسطينيون أراضيهم بهذا الشجر ( غدت هذه الشجيرات الشائكة المنيعة منظرا طبيعيا مدهشا ... ذلك أنها كانت الحدود الطبيعية للمنازل أو للأراضي بل للقرى كذلك ... لكونها من قبل القلائل التي بقيت شاهدة على أرض كانت يوما خصبة ومغذية. )(09)

 

من هذا الشاهد الطبيعي يكون شجر الصبار شاهدا على خصوبة الأرض الفلسطينية ونمائها ، فرغم محاولة اقتلاعه من طرف الصهاينة فلن يقتلعوا إلا ما فوق الأرض أو السطح ، فجذوره ضاربة في الأعماق وهو شبيه بالعربي الفلسطيني المسلم ، فإذا كان احتلال هذا البلد الأمين كما ذكر في القرآن الكريم عبر أكذوبة حائط المبكى ، فان نبات الصبار شاهدا  على أكذوبة صحراء هذه الأرض فكيف يكون ذلك وهذا النبات على أرضها

من هذه الصورة يتضح لنا أن علاقة درويش بالأرض بالجغرافيا والتاريخ ، بالناس والحرية ،علمته الإبداع والكلمة علمته    كيف يصور الحدث وكيف ينقل لنا تلك الصورة غضبا وتمردا يقابلهما وعيا حداثيا ورؤيا ناضجة . (10)

 

فإذا كان النص الحداثي هو الذي يستطيع الانفلات من قيد الزمن ، فان نص درويش الشعري المعاصر نصا حداثيا يبرز رؤية محددة لمفارقات الحياة ، إنه موضوع الموت الذي يسهم من خلاله في تغيير العالم والذي يسعى إليه درويش من خلال تغيير الإنسان الفاعل فيه ، فإذا كانت الطبيعة بشجرها المتنوع رافضة للموت صامدة في وجه الطغيان ، فإنها تسعى بوجه أو بآخر كشف الستار عن حقيقة جلية ليدبج درويش من خلالها قصيدته عبر خطاب الموت الذي بات ذو نزعة إنسانية .

فإذا كانت القصيدة المعاصرة عند محمود درويش قد حظيت بتمثيل موضوع الموت عبر شجرها ، فإن الزهر أحد أجزاء الطبيعة هو الآخر حاضرا لنأخذ على سبيل المثال زهر" السوسن ،الياسمين ، الأقحوان ، عباد الشمس وغيرها " يقول    في إحدى قصائده :

 

............وبعض شقائق النعمان إن

وجدت....................................................(11).

فدرويش شبه حياة الفلسطيني بهذا النوع من الزهر ، فهذه الزهرة رغم جمالها ورونقها إلا أنها زهرة هشة تموت وتنكسر بسرعة مع الريح وحياة الشاعر وشعبه شبيهة بهذا الزهر ، فالموت متربص بجسده كل برهة منذ الطفولة والموت عند درويش بهذا كالوحش الكاسر يحل بالإنسان ويفتك بجسده خاصة مع ريح الغدر اليهودية .

 

 إضافة  إلى ما تحمله من خلفيات أسطورية التي تندرج جميعا ضمن خانة التجدد والبعث ، فهي عبر القصيدة المعاصرة لدرويش نابعة  من أرض فلسطين ، لتكون القصيدة عبرها بساطا مليئا بالأفكار والتوهجات النفسية والطبيعية وغيرها .

 

فمن خلال تكاثف الطبيعة والإبداع الشعري تصبح الصورة الشعرية عند درويش( لا تستطيع إن تميز فيها الجمالي  من الاجتماعي ، فهما يتواشجان معا الأمر الذي يجعلهما ينطويان على حركية فائقة تخاصم الركود التأملي والتجديد الذهني بما تستمد من عناصر الواقع الحسي، فإن الضغط اليومي والمعيشي داخل ثنائية (الضحية / الجلاد) التي يعيشها الفلسطيني يمنح الصورة عند درويش طزاجة الحدث وحيوية للصراع )(12)

فمن خلال هذا نفهم أن النص الشعري المعاصر عند درويش يزاوج بين التصوير الفني والموقف الفكري أي بين الموقف واللهجة ، ليكونان وحدة أساسية في بناء القصيدة المعاصرة  وتصبح القصيدة بهذا وكأنها تتبيث فوتوغرافي للواقع المزري ، ليسعى من خلالها إلى إيقاف عجلة الحصاد اليومي الذي تعيشه بلاده فلسطين وغيرها من البلدان العربية .

 

2ــ الصور الفطرية أو الأنموذجية أو الأولوية :

 

فإلى جانب صور الموت الموضوعية كان درويش حاضرا عبر قصيدته بصوره الفكرية أو الأنموذجية أو الأولوية        وهي ( الصور التي تصدر عن اللاشعور الجمعي الذي يرقد في نفس الإنسان مستودعا للثرات الإنساني الذي يتردد في كل زمان ومكان مرة إثر أخرى ، ويعبر عن رؤى الأجيال وتتوارثه الأحقاب في تركيب علمي تنشأ عندما يكف الشعور عن العمل ، ويتوارى ليبرز دور اللاشعور أو لنقل إن الإنسان في حالة الصور الفطرية مثله في حالة الصور الحلمية لا يفكر عن وعي بقدر ما يجد إن هناك شيئا ما في داخله يفكر. )(13)

 

(إن من تمفصل عن جذوره فقد هويته ، ومن أغلق الباب دون تطوره عاش التخلف وبعد عن ركب الحضارة )(14) إن التفاعل النصي عند درويش يعني التفاعل العرقي التفاعل العربي الإنساني بكل توارداته المعجمية الرمزية منها والطبيعية بل حتى الوجودية . فالحصان على سبيل المثال وبعدما تربع على ديوانه  " لماذا تركت الحصان وحيدا " عنوانا فاتحا للرؤية ، فانه ينتشر بين قصائد الديوان فرسا ، خيلا ، حصانا ...الخ مثل قصائد " أرى شبحي قادما من بعيد ، إلى آخري وإلى آخره ، في يدي غيمة ، سنونو التتار ، قرويون من غير سوء ، قال المسافر للمسافر لن نعود كما ، للغجرية سماء مدربة .....الخ

 

يقول دروش في قصيدة " عود إسماعيل " :

تحت القصيدة : تعبر الخيل الغريبة ، تعبر

العربات فوق كواهل الأسرى ، ويعبر تحتها

النسيان والهكسوس .....................................(15)

 

إن الحصان رمز قادر على الجمع بين الحياة المملوءة بالحيوية في أوقات السلم والحياة التي تستعد لدرء الخطر في أوقات الحرب ، وهذا هدف درويش عبر القصيدة المعاصرة .

 

إلى جانب الحيوان كان الماء مطرا ، بئرا ، قطرات ....ليرد عنوان قصيدة " البئر " وكذا ضمن سطور قصائد " في يدي غيمة " " ليلة البوم " " ابد الصبار " " عود إسماعيل " " نزهة الغرباء " " أمشاط عاجية " " أطوار أنات " " مصرع العنقاء " " من روميات أبي فراس الحمداني "هيلين يا له من مطر" .....الخ

يقول درويش في قصيدة " هيلين ، يا له من مطر " :

 

يقول الغريب لبائعة الخبز ، هيلين

في شارع ضيق مثل جوربها

ليس أكثر من لفظة ومطر .............................. (16)

 

فإذا كان الماء نعمة الله إلى خلقه و هو رمز طبيعي ووجوده مرتبط بوجود وتكوين هذا الكون بل ( وأحد العناصر  التي خلق منها الكون ، وقد كان له حضورا قويا في الأساطير القديمة ويختصر معجم الرموز معاينة في ثلاثة مواضع وهي : منبع الحياة ، ووسيلة للتطهير ، ووسيلة للبعث )(17)

 

وقد ورد الماء كثيرا في القرآن الكريم ، واتخذ بذلك وجهان مختلفان بعث للحياة وبعث للهلاك ، لكن درويش أخذ  من الصورة الأولى وجهة له ، لتكون الطبيعة قد أهلته لبناء قصيدة معاصرة ، ليكون الماء رمزا أسطوريا رمز الخصب والنماء ورمزا دينيا انطلاقا من قصيدة البئر وحادثة سيدنا يوسف ــــ عليه السلام ـــ وإخوته ، فإذا كان السقوط بالنسبة لهذا النبي بعث لحياة جديدة مختلفة عما مضت ، فإن السقوط بمثله لذا درويش الذي يعده بعثا جديدا ورؤية جديدة للكون وما يحتويه ، وقد رافق هذه الحادثة الدينية " الذئب " الذي ابتلى زورا بأكل النبي يوسف ـــ عليه السلام ـــ من طرف إخوته ليقابلها درويش بمثلها ، فكان تصويره لذئب فلسطين أكثر مكرا وخداعا إنه الصهيوني الغادر .

 

يقول :

هل أسأت إلى إخوتي

عندما قلت إني رأيت ملائكة يلعبون مع الذئب

في باحة الدار؟...................................................(18) 

 

ومع الطبيعة ومكوناتها كان طائر الهدهد حاضرا أيضا ضمن قصيدة " أرى شبحي قادما من بعيد "، وقد كان اختيار درويش لمثل هذا الطائر ليس عبثا ، لأنه طائر ارتبط بخلفياته الأسطورية ومرجعياته في ذهن المتلقي إلى جانب موروثه الثقافي وكذا القرآن الكريم وغيرها ، وقد صاغ درويش كل هذه الأحداث وحورها خدمة لقصيدته وشعبه وإنسانيته، فجاءت توظيفاته لهذا الطائر جيدة ،فقد انعم الله سبحانه وتعالى على هذا الطائر بعد النظر ، فقد كان مرشدا في القفار أثناء الأسفار ، فكان يلحظ  الماء في أغوار الأرض كما يراها في زجاجة وهذا ما يميزه عن البقية ، فصار مرشدا لها هذه الصفة التي اختارها درويش بعودته عبر الذاكرة ، ليكون مرشده وطموحاته وآماله البعيدة ورغبته في تغيير أوضاع بلاده .

 

ولم يكتف درويش بهذا ، فقد كان طائر العنقاء والفينيق حاضرين ضمن قصائده الأخيرة لأجل تصوير موضوع الموت داخل فلسطين تحديدا وهو من وراء هذا الركام الأسطوري وتلك الرموز المنتقاة من التاريخ الإنساني الأدبي والديني...الخ موظفا إياه استلهاما أو استدعاء هادفا بذلك ( إضفاء نبرة موضوعية ودرامية على النص المعاصر ، وإغناء دلالاته وإيحاءاته  ، وأهم ما يميزها إنها ذات بعدين : بعد سلبي وبعد ايجابي ، فالبعد السلبي رمز للواقع الراهن الذي أجمع الشعر والشعراء والمجتمع على رفضه ، والبعد الايجابي رمز للغد المأمول الذي يطمح كل شاعر أن يعيشه .)(19)

 

يقول في قصيدة " أيام الحب السبعة " :

يكفي مرورك بالألفاظ كي تجد

العنقاء صورتها فينا وكي تلد

الروح التي ولدت من روحها جسدا ............................ (20)

 

إن تمثيل درويش لشعبه عبر القصيدة المعاصرة وبالضبط خلف ستار خطاب الموت جعل منه لسان شعبه والضمير الراغف الجريح ، يعلن من خلال موضوع الموت بجهارة الرفض ليكون حامي قومه وإنسانيته بكلمته الشعرية العزلاء التي تستدعي الرمز والصور أسنانا تمزق ستار الموت المفروض ، ليكشف الغرف المظلمة والأعمال الشنيعة   غير الإنسانية . (21)

 

3ــ الصور العنقودية :

 

ولم تحتف القصيدة المعاصرة عند درويش ضمن هذا الديوان بمثل هذه الصور فحسب ، بل استدعت الصور العنقودية  ومن منطلق إن ( دراسة الصور في تجمعاتها تعد الأصل لأنها تدخل بنا إلى ذهن الفنان ، وتدعنا نقف على سبيل معرفته بالأشياء ومداها ، وتدلنا على مبلغ اهتمامه ببعض الأمور دون سواها أثناء عملية الإبداع ، وتجعلنا نتعرف عالمه القابع داخل نفسه والذي خرج إلى الوجود ليصبح جزءا لا يتجزأ منه)(22)

ومن منطلق أن القصيدة الحديثة عند درويش تجمع بين الجهر والخفاء ، كان درويش ممثلا لصوره عبر الرموز والأساطير اليونانية والرومانية والدينية والتاريخية والأدبية وغيرها .

 

لقد كان درويش واصفا لليهودي بأبشع صفاته الدالة على القتل والتدمير منها التتار الذي يرمز إلى كل سفاك دخيل جاءت عنوانا لقصيدة " سنونو التتار " و التي يقول فيها :

 

لا تحدق بنا هكذا

لا تكن آخر الشهداء..................................(23)

 

 فقد رسم في الذاكرة العربية أن التتار متوحشون لا يعرفون معنى حق الإنسان في الحياة ، اجتاحوا البلاد العربية الفلسطينية غصبا وتمردا ، فإذا كان التتار بفعله الشنيع الذي التصق به ، فإن درويش أضاف له طائرا لا يخرج إلا ليلا والليل بظلامه وسواده دليل الفعل السيئ يخفي كل الأفعال الشنيعة والبشعة التي يقوم بها الصهيوني ويفعل فعلته ، يقتل ويدمر ويشرد ....الخ

 

فدرويش من خلال هذا يكشف لنا أوضاع فلسطين التي أفاضت أوعيتها لتغدو زيتا ملتهبا في أوعية الشعراء والكتاب ، وصار التعبير عن القضية الفلسطينية همّ الجميع ، ليصبح نموذجا يحتذي به الجميع ويستلهم منه الكتاب . وانطلاقا من موضوع الموت اتحدت الرغبات رغم اختلاف البشرات الأسلوبية الإبداعية ليصنع صورا من واقعه وكما يتمثله ليعيد إنتاجه جماليا ، وهو من خلال هذا يلمس الشرط الإنساني ويعبر عن إنسانيته وأشواقه وتحرقاته بوعي عما حوله ليبتعد  عن المباشرة  .

 

من خلال كل هذا عدّ درويش ضمن شعراء الحداثة ( شاعر الأسئلة الوجودية العربية ،  صنما جميلا كبيرا بحجم قلب أضيق من أن ينبض بما يشاء ، فالحب للأرض ، والمرأة رمز الوطن ، والغصن رمز البندقية ، والعصافير طلقات ....حشد هائل يتجمع في قاموس المجاز الدرويشي المؤدلج )(24)

 

4ــ الصور الإشارية :

 

لنجد الصور الإشارية التي من خلالها ( يورد الشاعر سطرا أو مقطعا لشاعر سابق بين ثنايا كلامه ، أو يستخدم لغته وإيقاعه في تضاعيف لغته وإيقاعه . )(25)

 

إن هذا النوع من الصور رغم أنه ينقل نصا حرفيا أو مجازيا ، فهو لا يستهدف النص الأصلي بعينه بقدر ما يريد   من خلال الشاعر المعاصر المقارنة بين نصين ، تاركا المجال فسيحا من خلال أثر التلقي وما ينتج من انفعالات جديدة ، ليعد نصا أصليا كوسيطة فنية .

 

يقول درويش في قصيدة البئر :

.........أرفع الطيون

عن حجر : سلاحا أيها الحجر الصغير....................(26)

 

فمن خلال هذين السطرين الشعريين نجد عبارة " الحجر الصغير" وكأن بإيليا أبي ماضي حاضرا أمامنا ، فالحجر الصغير عند هذا الأخير رمزا للفئة الضعيفة وسط المجتمع المتسلط المادي ، يرمز إلى ذاك الفقير ماديا لا معنويا ، فروحه مليئة بالرفض والعصيان ، رفض للوضع الذي يعيشه تحت سلطة حاكمة متجبرة ، ولهذا كانت حياته مليئة بالشقاء  والعذاب ولا مكان له داخل هذا المجتمع . وفي آخر القصيدة تأتي المرحلة الحاسمة  وهي القرار بالفرار من هذا المجتمع المهمش  له والكابح على حريته ، فإذا كان إيليا قد شبه الفرد الضعيف أو الفئة الضعيفة من المجتمع بالحجر الصغير فهذا لرزانة فكره ومتانة تركيبته ، لأنه قد شكل برحيله كارثة هدم البئر أو بالأحرى هدم المجتمع ، فإذا كان البئر رمز المجتمع المتراص ، فهو بفضل أفراده مهما تنوعت طبقاتهم ، فكل فرد هو حجر تأسيس وبنيان هذا المجتمع ، فالضعف بهذا هو ضعف القرار والشخصية لا الضعف المادي ، وبنفس المسار سار درويش منطلقا من نفس المحطة ، فالفرد الفلسطيني يعيش نفس الظروف التي عاشها فقير إيليا ، فالفلسطيني عربي مسلم لكنه همش من قوميته وأمته تاركين إياه لكلاب الصهاينة تنهش لحمه وممتلكاته وما قرار فقير  إيليا عبر قصيدته إلا شعاع درويش بالثورة  عبر شعره المعاصر.

 

 

فالقصيدة بهذا عند درويش تتناص مع قصيدة إيليا منطلقا مما ذهب إليه رولان بارث ( أن ميزة التناص هي لا نهائية  أي أن ميزة الأثر الأدبي (النص) هو أنه يفتح آفاقا جديدة دائما لنصوص أخرى ، فكل اثر أدبي جيد قابل ليتناص معه )(27)

 

وضمن قصيدة أخرى لمحمود درويش وبطريقة إبداعية نجد قصيدة السياب " أنشودة المطر " بين ثنايا جل قصائده خاصة قصيدة " هيلين يا له من مطر " التي يقول فيها :

 

التقيت بهيلين يوم الثلاثاء

في الساعة الثالثة

ساعة الضجر اللانهائي

لكن صوت المطر

مع أنثى كهيلين

ترنيمة للسفر ...................................(28)

ويقول :

مطر جائع للشجر

مطر جائع للحجر.......................... (29)

 

فضمن هذه القصيدة وغيرها نجد لفظة " مطر " تتكرر هذه الأخيرة التي ترمز للحياة والتجدد والعطاء ....الخ ، فإذا كانت عراق السياب بحاجة للمطر للحياة والاستمرار ، فإن فلسطين درويش بحاجة لمثل هذا وأكثر .

 

ففلسطين عند هذا الشاعر الأم والحبيبة والوطن دافع عنها بشعره القديم والحديث ، ليكون رمز الإنسانية عن طريق خطاب الموت واصفا إياه بالفراشة هذه الأخيرة ذات الجناحين المتوازيين يرفان في الهواء صعودا إلى السماء ، إنها فلسطين التي كلما شددنا القبض على جناحاها تكسرا لخفتهما ورهافتهما ، إنها الفراشة ذات الألوان البهية والتألق الدائم ، هي فلسطين المحتلة التي تعيش قفص الموت اليومي الذي لا هروب منه داخل أسوار الصهيوني وجيشه وضمن قصيدته "من سماء إلى أختها يعبر الحالمون " تتكرر هذه اللفظة كثيرا  ، إنها الفراشة التي تحمل بين جناحيها حلم درويش الشاعر من سماء  إلى أخرى ناشرة معنى الموت والقتل ، فهو يريد منها رسالة إنسانية عن واقعه ، إنها تكشف الموت المتربص لبلاده فهي فراشة تحمل الحلم والحرية وتوازي بين العيش والذل بين الماضي والحاضر المؤلم .

 

من هنا فقد أخدنا درويش عبر الصور وتنوعها التي تساهم كثيرا في توسع دوائر الدلالة لا سيما في السياق الشعري ،كما أن للصورة فعلها في الذات الإنسانية ، فهو لا ينتقد الواقع وفقط بقد ما يعيد إنتاجه من خلال النص المعاصر لتقدم لنا الصورة الشعرية واقع التجربة الإنسانية بحسب معطيات حسية وانفعالات ومشاعر دخيلة عبر الطبيعة والأساطير والرموز والتناص وغيرها ، ليسعى من خلالها إلى تحفيز المتلقي حيثما كان وأينما وجد لمشاركته فعالية النص وتغيير الواقع المزري .

 

فالموت بهذا عبر قصيدة درويش مرتبطا بالتراب لترد هذه اللفظة بأشجارها ونباتها وأزهارها وحيواناتها وطيورها..الخ لتكون القصيدة عند درويش قصيدة تلغي ادعاء الشعرية على كلمات معينة ، تبني جماليتها من قلب التجربة وتستعمل كل العناصر الطبيعية ، لتصبح الكلمة الشعرية وموضوع الموت تكتسب طاقاتها الشعرية حسب وجودها في البناء الشعري ككل .(30)

 

وبهذا نستطيع القول أن القصيدة عبر ديوانه " لماذا تركت الحصان وحيدا " خلف أخيلتها الصادرة عن ذات واعية وموهبة فذة يسكنها هم التجاوز والاستمرار ، ففي هذه اللحظة يكون هناك كيمياء صارمة معقدة تتبادل الصور الشعرية وتتداخل لبناء عمارة وجمالية القصيدة عبر موهبة ربانية ويد إنسانية شاعرة ليكون درويش من خلالها ( قد ورث اللغة وأرضها ، وزرع  ما يشتهيه داخلها ليكون التميز المواكب للحداثة والاستمرار. )(31)

 

وختاما يكون درويش عبر قصيدته في ديوانه هذا قد انزاح عن مساره التقليدي عبر الصور والاستعارات والكنايات  ـــــ إلا ما جاء عفويا ـــ مركزا اهتمامه على التجديد والتشكيل الصوري عبر الصور الموضوعية والعنقودية والإشارية....الخ لخطاب الموت ، لتتعدد عبرها الحقول الدلالية كالنار الماء التراب ..، فالنار مثلا إضافة إلى كونها رمزا إلهيا ، فهي تحمل صورتين متناقضتين أولهما ايجابية كالهداية والإنارة والكرم وثانيهما سلبية تمردية توحي بالانتفاضة الشعبية ، وهي مسار درويش الشعري عبر نصه الجديد ، ليضيف الريح أيضا صورة ضرورية للحياة ضمن هذا الديوان ، فهو إذا كان ضروري للتلاقح والاستمرار والنمو الطبيعي ، فهو عند درويش ريح الدمار والحرب والثورة والرفض بل حتى الضياع ، لتكون القصيدة لديه قصيدة فسيفسائية تجمع داخلها كل العناصر الطبيعية الفلسطينية القادرة على صوغ موضوع الموت وتحويله إلى خطاب إنساني ، وبهذا يكون درويش قد أضاف بعدا جماليا للموت من خلال مخاطبة الأحياء انطلاقا من كون فلسطين ميتة بأحداثها.

 

 

 

 

الهوامش:

 

 1 ـــ اليافي ( نعيم ) ، تطور الصورة الفنية في الشعر العبي الحديث ، صفحات للدراسات والنشر ، دمشق ، سوريا ، 2008،ط1، ص206 .

2ـ ــــ المتقي ( علي ) ، القصيدة العربية المعاصرة بين هاجس التنظير وهاجس التجريب ، المطبعة والوراقة الوطنية ، مراكش ، ط 1، 2009،  ص 207.

3 ـــ درويش ( محمود ) ، لماذا تركت الحصان وحيدا ، رياض الريس للكتب والنشر، بيروت ،  لبنان ، ط3 ، 2001، ص01 .

4 ـــ  م ن ، ص 20 .

5 ـــ م ن ، ص25.

6 ــــ م ن ، ص 28.

7 ـــ م ن ، ص 64.

8 ـــ م ن ، ص136

9 ـــ مجلة آداب ، عمر برغوثي ، تر: سماح ادريس : اصوات من فلسطين ، تصحير الزهر ، ع5 ، دار الآداب ، لبنان ، 2001 ، ص 3.

10 ـــ اليوسفي ( محمد لطفي ) ، في بنية الشعر العربي المعاصر ، دار سيراس للنشر ، تونس ، ط2 ، 1992 ،ص 34

11 -  درويش ( محمود ) ، لماذا تركت الحصان وحيدا، ص46

12 ـــ الجزار ( محمد فكري ) ، الخطاب الشعري عند محمود درويش ، إيتراك للطباعة والنشر والتوزيع ، القاهرة ، ط 2، 2002، ص 154.

13 ـــ اليافي ( نعيم ) ، تطور الصورة الفنية في الشعر العبي الحديث ، ص 271 .

14 ـــ إبراهيم ( عبد العزيز ) ، شعرية الحداثة ، اتحاد الكتاب العرب ، دمشق ، ب ط ، 2005، ص 07.

15 ـــ درويش ( محمود ) ، لماذا تركت الحصان وحيدا ،ص 48.

16 ـــ م ن ، ص 126.

17 ــــ المتقي ( علي ) ، القصيدة العربية المعاصرة بين هاجس التنظير وهاجس التجريب ، ص 199.

18 ـــ درويش ( محمود ) ، لماذا تركت الحصان وحيدا ، ص 20.

19 ـــ م ن ، ص 140.

20ــــ العطار ( نجاح ) ، مينا ( حنا ) ، أدب الحرب ، دار الآداب ، بيروت ، ط2 ، 1979، ص 241.

21 ـــ اليافي ( نعيم ) ، تطور الصورة الفنية في الشعر العبي الحديث ، ص 281.

22 ـــ مج كتاب ، مجلة  نقد محمود درويش ـــ عبد الوهاب البياتي ، محمود درويش في عيون الشعراء العرب الشباب ، ذاكرة تشبه كمائن ليلكية ، دار النهضة العربية ، بيروت ، لبنان ، ع3، 2007، ص129.

23 - درويش ( محمود ) ، لماذا تركت الحصان وحيدا، ص60

24 ـــ العطار ( نجاح ) ، مينا ( حنا ) ، أدب الحرب ،دار الآداب ، دمشق ، بيروت ،ط1، 1976، ص 222.

25 ــــ درويش ( محمود ) ، لماذا تركت الحصان وحيدا ، ص 33.

26 ـــ رمضان السيد ( علاء الدين ) ، ظواهر فنية في لغة الشعر العربي الحديث ، إتحاد الكتاب العرب ،دمشق ، سوريا ، ب ط ، 1996، ص 109.

27 ـــ درويش ( محمود ) ، لماذا تركت الحصان وحيدا ، ص125.

28 ـــ م ن ، ص126.

29 ــــ محمود ( فتحية ) ، محمود درويش ومفهوم الثورة في شعره ، المؤسسة الجزائرية للطباعة ، الجزائر ، ب ط، 1987، ص 134

30 ـــ مج كتاب ، محمود درويش المختلف الحقيقي ـــ دراسات وشهادات ـــ مداخلة : محمد عبد الله ، علّمنا كيف نزهو بالجرح ، ص 267 .

 

 

صحيفة الأمة " PDF "

روح الشعر

 

  عبدالحفيظ حسن الخزان   أنا طفلٌ يمنيٌ ظامي...
  معاذ الجنيد   البرُّ والبحرُ والأجواءُ...

فكر و نقد

فنون و تشكيل

لقاءات و استطلاعات ثقافية

عرض كتاب