الأحد, 13 تشرين1/أكتوير 2019  
13. صفر 1441

تحليلات و ملفات ساخنة

مصفوفة الإحساس - التحفيز التواصلي communicative sensation-stimulus matrix

 

 

 

 

 

أماني أبو رحمة

 

 

 

إن عدم وجود نظام تأديبي فعال لم يُعوض بزيادة التحفيز الذاتي عند الطلاب الذين يدركون أنهم إذا تغيبوا لأسابيع و/ أو إذا لم ينتجوا أي عمل، فإنهم لن يواجهوا أي عقوبات ذات مغزى.

 

 وعادة فإنهم يتجاوبون مع هذه الحرية ليس بتنفيذ مشاريع ولكن بالانغماس في المتعة المملة أو عدم القدرة على الإحساس بالمتعة (anhedonic) عن طريق استعمال المخدرات مثلا أو العاب الكومبيوتر لساعات طويلة وكل يوم.. ويتابع مارك فيشر في كتابه (الواقعية الراسمالية ) ـ من واقع أنه يمارس التدريس فعلياُ ـ" وإذا ما حدث أن طلبت من طالب أن يقرأ جملتين من كتاب فإنه لن يفعل بسبب الملل. والمشكلة ليست في مضمون الكتاب ولكن في فعل القراءة نفسه. وما نواجهه اليوم ليس بلادة المراهقة بقدر ما انه عدم التطابق بين ما بعد الأبجدية أو ما بعد الكتابية (post-literate) التي لا يمكن تركيزها وبين المنطق المركز المحدد للنظم التأديبية المتهاوية. فمعنى أن تصاب بالممل هو ببساطة هو أن تكون بعيداً عن (مصفوفة الإحساس - التحفيز التواصلي communicative sensation-stimulus matrix) للرسائل النصية واليوتيوب والوجبات السريعة، وان تتخلى ولو قليلا عن إشباع متطلبات المتعة. فبعض الطلاب يريدون نيتشه بنفس الطريقة التي أنهم يريدون بها الهمبرغر. لقد فشلوا في إدراك – ويشجع منطق نظام الاستهلاك سوء الفهم هذا – أن عسر الهضم والصعوبة ستكون من نصيب نيتشه. ولتوضيح فكرته يتحدث فيشر عن أحد طلابه الذي يصر على وضع سماعات الأذن خلال المحاضرات وعندما سأله كيف يتمكن من التركيز أجاب بأنه لا يُشغل الموسيقى، وفي درس آخر كان الطالب نفسه يضع سماعات الأذن في حجره مشغلاً موسيقى خافتة وعندما طلب منه أن يغلقها أجاب الطالب بأنه لا يكاد يسمعها. ويعلل فيشر تصرفات الطالب بأن وجود السماعات على أذنيه أو تشغيل الموسيقى تعطيه إحساسا بأنه قريب من تلك المصفوفة وأنها في متناول اليد. فضلاً عن أنها مثال صارخ على التخاملية (interpassivity) ، فالموسيقى تعمل ليستمتع بها الموسيقي بالنيابة عن الطالب. أن نتيجة الإدمان على مصفوفة المتعة هو هذه التخاملية المضطربة المرتعشة , وعدم القدرة على التركيز. 

 

ويرى فيشر أن عجز الطلاب عن ربط النقص الحالي في التركيز مع الفشل في المستقبل، وعدم قدرتهم على تجميع الوقت في أي سرد متماسك هي أعراض لما هو أخطر من مجرد فقد الحماسة. انه يذكرنا بتحليل فريدريك جيمسون في (ما بعد الحداثة ومجتمع الاستهلاك). فقد لاحظ جيمسون أن نظرية لاكان عن الشيزوفرينيا عرضت نموذجا جمالياً موحياً لفهم تفتيت الذاتية في مواجهة نشوء (مركب الترفيه ـ الصناعة entertainment-industrial complex). ومع انهيار سلسلة الدلالة ـ يلخص جيمسون ـ يتم اختزال الفصام اللاكاني إلى خبرة من الدلالات المادية الصرفة أوـ بعبارة أخرى ـ إلى سلسلة موجودات محضة غير ذات صلة بالزمن. وكان جيمسون قد كتب كتابه في أواخر الثمانينيات -- أي الفترة التي ولد فيها اغلب طلاب الجامعات اليوم. وهكذا فإن جيل الطلبة اليوم هو الجيل الذي ولد في تلك الخطفة الثقافية التي كافحت الذاكرة والتاريخ ـ الجيل الذي يأتيه الزمن مقطعاً إلى شرائح رقمية دقيقة.

 

و يشرح فيشر كيف أصبح التعليم غرفة عمليات لاستنساخ الواقعية الاجتماعية حيث يواجه بصورة مباشرة تناقضات المجال الرأسمالي الاجتماعي وذلك حين أصبح المعلمون اليوم مطالبون بالتوسط بين ذاتية ما بعد الأبجدية التي ميزت الاستهلاكية الرأسمالية المتأخرة ومتطلبات النظام الانضباطي (اجتياز الامتحانات، الخ).

 

مصطلحات وشروحات :

 

1.         ظهر مصطلح ما بعد الأبجدية في كتاب مارشال ماكلوهان (عالم غوتنبيرغ) والصادر عام 1962. وفيه يتحدث ماكلوهان عن مجتمع ما بعد الأبجدية الافتراضي الذي وصل فيه التقدم التكنولوجي متعدد الوسائط حد إن الكتابية أو الأبجدية ـ بمعنى القدرة على القراءة والكتابة ـ لم تعد شائعة أو ضرورية. وما يقصده فيشر هنا هو الاعتماد المتزايد على التكنولوجيا الرقمية التي ساهمت في إضعاف الكتابية أو الأبجدية.

 

2.         التخاملية (interpassivity): مصطلح وضعه سلافو زيزك وروبرت بوفال لشرح كيف أن إشغالات الفن والإعلام تبدو في بعض الأحيان مخصصة لتوفير قبولها الذاتي وليس من أجل قبول الجمهور أو تفاعله معها. يقابل هذا المصطلح مصطلح الإجراءات التفاعلية، الذي يعني أن العمل الفني يتنازل للمتفرج عن جزء من ادراكاته الخاصة. تصادر الترتيبات التخاملية الجزء الذي من المفترض أن يقوم به المتفرج أو المستهلك وتحديداً الاستمتاع أو إكمال العمل فني. يصبح المشاهد أو المستهلك زائداً عن الحاجة، أو أن مشاركته في إدراك العمل أصبحت زائدة عن الحاجة. ويمكن أيضاً توظيف المصطلح سياسياً أو اجتماعياً لوصف حالة القيام بأمور لا تنجز شيئا لكنها تحول في الواقع دون حصول أي شيء أو تغيير حقيقي.

 

 

صحيفة الأمة " PDF "

روح الشعر

 

  عبدالحفيظ حسن الخزان   أنا طفلٌ يمنيٌ ظامي...
  معاذ الجنيد   البرُّ والبحرُ والأجواءُ...

فكر و نقد

فنون و تشكيل

لقاءات و استطلاعات ثقافية

عرض كتاب