السبت, 19 تشرين1/أكتوير 2019  
19. صفر 1441

تحليلات و ملفات ساخنة

في التناص

 

 

 

 

 

د. وليد قصاب

 

 

 

لم يتَّفِق النقادُ العرب المعاصرون على تعريب للمصطلح الإنكليزي (intertextuality)، فبعضهم عرَّبه بـ(التناص)، وبعضهم عرَّبه بـ(تداخل النصوص) أو(تَعالُق النصوص) أو (هجرة النصوص) أو(التنقُّل النصي)، وغير ذلك، وهذا جزء من أزمة تعريب المصطلحات الأجنبيَّة التي تتمُّ - في العادة - باجتهادات شخصيَّة، يكاد أحدها يَجهل أو يتجاهل ما قام به الآخرون، وذلك في غَيبة لدور المؤسسات الثقافيَّة الحكومية، التي يُفترَض أن تتولَّى الترجمة والتعريب، وأن تُذيعَ المصطلحات التي تتبنَّاها.

 

وانصرافًا عن قضيَّة أزمة المصطلحات التي ليست موضِع كلامنا في هذا المقال، وعودة إلى مصطلح (التناص)، الذي هو أكثر تلك المصلحات شيوعًا وانتشارًا، أقول: إن هذا المصطلح الذي صدِّعت به رؤوسنا، وصار حديثَ الرائح والغادي، وعُدَّ فتحًا عظيمًا، ونُسِب ابتداعه إلى البلغارية (جوليا كرستيفا) - ليس جديدًا على ثقافتنا العربية، ولا هو فتح جديد من فتوحات النقد الغربي حظِي بنعمتِه نقدنا العربي، الذي أصبح نقدًا تابعًا للنقد الغربي في كلِّ شيء، لا يُجاوِز أُفُقَه، ولا يحلِّق في غير سمائه.

 

إن (التناصَّ) هو فكرة قديمة معروفة في ثقافتِنا الأدبيَّة، وهي تعني أن ما نقوله أو نُنشئه من النصوص ليس ابتداعًا من العدم، وإنما هو حصيلة من أقوال مَن سبقونا، إنْ في اللفظ وإنْ في المعنى، وقد يأخذ ذلك أشكالاً مختلفة، أُطلِق عليها في نقدنا العربي تسميِّات مختلفة؛ فقد يكون سرقة، أو نَسْخًا، أو قَلْبًا، أو إغارة، أو انتحالاً، أو مُعارَضة، أو نقيضة، أو تَوارُد خواطر، أو تضمينًا، أو اقتباسًا، أو ما شاكَل ذلك من تسميات كثيرة معروفة، ولكلٍّ منها دَلالته الخاصَّة.

 

وفي تراثنا الأدبي أقوال كثيرة للشعراء والنقاد تُشعِر أن المتأخِّر من منشئي القول يَستعين بنصوص مَن سبقه، ويَستلهِمها، ويستوحي منها، وقد يُكرِّرها، أو يُعيدها، فالنصوص مُتداخِلة مُتعالِقة، يولِّد بعضها بعضًا، ويُولَد بعضها من بعض.

 

وهذا زهير بن أبي سلمى من العصر الجاهلي - وقبل أن يُكثِر القائلون، وتتشعَّب آفاق الكلام، وتتراكم نصوص الشعر والنَّثر - يقول:

ما أرانا نقولُ إلا مُعادًا

أو مُعارًا من لفْظِنا مكرورا

 

وهذا عنترة الجاهلي يُحِسُّ أنه يَقبِس ممن سبَقه، ولا يكاد يكون عنده شيء جديد يقوله؛ لأنَّ من تقدَّمه أو عاصَره لم يَكد يدع شيئًا لم يُقلْ:

"هل غادر الشعراءُ من متَرَدَّمِ ..."

 

ومضى اللاحقون يتأثَّرون بالسابقين، ويأخذون منهم، أو يَقعون في شِراك أقوالهم؛ حتى وهِم قومٌ فقالوا: "ما ترك الأوَّل للآخر شيئًا".

 

إن التناصَّ شيء قديم معروف في نقْدنا، وهو يعني أن النصَّ الأدبيَّ ليس بمَعزِل عن الخارج، ولا هو مستقِلٌّ مُغلَق كما تقول البنيوية وغيرها؛ بل هو نص مُنفتِح على البيئة والثقافة والمجتمع والناس، وهو منتوج لعلاقات كثيرة، إنه لا يعيش في عُزْلة، أو فراغ، ولا يُولَد من عدم؛ إنه مكرور معاد بصيغ مختلفة، وإضافات وتحويرات متنوِّعة، بحسب عبقريَّة قائله، وقد يَصِل هذا التحوير - عند المبدعين الحقيقيين - حدَّ أنْ يُظَنَّ أنه جديدٌ كلَّ الجدة.

 

كان سيدنا علي - رضي الله عنه - يقول: "لولا أن الكلام يُعاد لنَفِد".

 

إن الكتَّاب يتغذَّى بعضهم بأفكار بعض، وبأخذ بعضهم عن بعض، قال الجاحظ مصوِّرًا هذه الحقيقة أدقَّ تصوير: "لا يُعلم في الأرض شاعر تَقدَّم في تشبيه مصيب تامٍّ، وفي معنى غريب عجيب، أو معنى شريف كريم، أو في بديع مُخترَع، إلا وكلُّ من جاء من الشعراء من بعده أو معه، إنْ هو لم يعدُ على لفظه، فيَسرِق بعضه، أو يدَّعيه بأسْرِه، فإنه لا يدع أن يستعين بالمعنى، ويجعل نفسه شريكًا فيه، كالمعنى الذي تتنازَعه الشعراء، فتختلِف ألفاظهم وأعاريض أشعارهم، ولا يكون أحدٌ منهم أحقَّ بذلك المعنى من صاحبه، أو لعلَّه أن يجحد أنه سمِع بذلك المعنى قط، وقال: إنه خطر على بالي من غير سماعٍ كما خطر على بالِ الأول"[1].

 

ولا ينفي ذلك الأخذُ أو التناصُّ الواقعان لا محالة الإبداعَ عن اللاحق، ولا يعني - كما يقول بعضهم -: إنه مجرد ناسخٍ أو مجترٍّ لنصوصٍ سبقته؛ إذ إن اللاحق الذي يأخذ من السابق يُضيف إلى ما أخذ، ويُخرِجه إخراجًا طريفًا، وهو يكسوه باستمرار حُلَّةً جديدةً، إنْ في اللفظ وإنْ في المعنى.

 

ما من نصٍّ أدبيٍّ إذًا بلا جذور؛ إنه دائمًا من محصول نصوصٍ سابقة، كان الشاعر الفرنسي بول فاليري يقول: "لا شيء أدعى إلى أصالة الكاتب وشخصيَّته من أن يتغذَّى بآراء الآخرين؛ فما الليث إلا عدة خِراف مهضومة"[2].

 

إن أبا تمام، أو البحتري، أو المتنبي، أو أبا العلاء، أو غيرهم، هم أحفاد امرئ القيس، وزهير، وبشار، وغيرهم وغيرهم، ولكنهم ليسوا نُسَخًا مكرورة عنهم؛ في أشعارهم أصداء من أولئك وبصمات، ولكنها - مع ذلك - شيء آخر، شيء جديد.

 

إن التناصَّ حقيقة تعني أن ما نقوله مولود من رَحِم أقوال مَن سبقنا، مصنوعٌ من مادتها، ولكن فيه رؤيتنا الخاصة، وتصوُّرنا الذاتي للكون والأشياء والناس.

 

[1] الحيوان (3: 311).

[2] نقلاً عن تداخل النصوص في الرواية العربية؛ لحسن محمد حماد (ص: 38).

 

 

 

صحيفة الأمة " PDF "

روح الشعر

 

  عبدالحفيظ حسن الخزان   أنا طفلٌ يمنيٌ ظامي...
  معاذ الجنيد   البرُّ والبحرُ والأجواءُ...

فكر و نقد

فنون و تشكيل

لقاءات و استطلاعات ثقافية

عرض كتاب