الأحد, 13 تشرين1/أكتوير 2019  
13. صفر 1441

تحليلات و ملفات ساخنة

 

سمية .. مرآة لا تشبه أحدا .. امرأة ..ظل الياسمينة

 

 

 

 

 

 

ميسون الإرياني

 

 

 

تقول كوكو شانيل :

 ابحث عن المرأة من فستانها ، فاذا لم تجد المرأة فلا يوجد فستان

 

حين تحاول الكتابة عن كتاب مثل امرأة ..ظل الياسمينة للكتابة المبدعة سمية طه من الجميل أنك لا تشعر بالإرهاق أو الحيرة ليس لفقر الكتاب من اللغة ، الصورة أو الفكرة ولكن لأنك لا تحتاج إلا أن تسرد ببساطة وصدق كلما يجول في خاطرك تماما كما هو الحال في رسائل سمية طه في الكتاب..عليك فقط أن تستمع لامرأة يافعة قررت أن تحكي نقلا عن مرآة لا أعتقد أن أحدا قد أبصر بألوانها من قبل..كانت هنا امرأة بكل وضوح تتحدث مع وعن كل ما قد يخطر ببالها ويمر من والدتها الراحلة ومرورا  بحبيبها والطقوس الغريبة المجنونة التي لن يبوح بها أحد كما فعلت،سمية  قبل أن تكون كاتبة تبحث عن التقييم النقدي أو هذيان و فذلكات من يدعون معرفتهم للنقد أو تطويع الكلام الخالي من الروح الإنسانة التي قبلت الضدين في أحَد صورهما وتعاملت معهما _مع كامل التقدير للنقاد الحقيقيين الذي يعرفون  ويحترمون ما يقولون_ اهتمت سمية اهتماما بالغا في إيصال قلبها للعالم كما هو  بلا مواربة وهذه شجاعة تحسد عليها. أنا لست ناقدة لا أعرف شيئا عن مدارسه أو اساليبه ولست مهتمة في ممارسة النقد وشهادتي في سمية قد تكون مجروحة جدا إذا ما عرف الناس أننا تجمعنا صداقة دامت أكثر من أربعة عشر عاما حتى  الان ولكني سأحاول أن أضيء تارة بعض النقاط و أضع تارة أخرى بعض التساؤلات بما تفرضه مهمة القراءة .

 

امرأة ..ظل الياسمينة ..عتبة مهمة  تفضي إلى الكثير من القراءات كما أشار الدكتور رياض القرشي في مقدمته ولكن كما هي من مرآتي هي عتبة تفضي إلى المرير من الصراع الذي يدور في خلج الكاتبة ما بين أن تكون امرأة وأن تكون ظلا ..بين أن تكون مظلمة وباردة كالظل وأن تكون  جميلة كياسمينة ، بين أن تكون معتمة بحيث يمكن أن تخفي داخلها منشارا مضرجا بروح أحدهم وفي أن تكون بيضاء تبتسم للشمس بكل وضوح وحدة ..بين أن تختفي كظل أو تظهر بلون مشرق ,جميل ورائحة كامرأة كما تشير كوكو شانيل في العبارة السالفة ..يتضح هذا الصراع بشكل أوضح من خلال النصوص والرسائل فهي في أماكن ترضخ برقة و انكسار لبعض العثرات التي يضعها المجتمع للأنثى كقولها :

 

تكسوني حلة من وحشة وعزلة..

لا أشعر أن هذا الوطن وطني ولا هؤلاء الناس أهلي ..

أتمنى أن أمنح هوية جديدة لا أحتفظ فيها إلا باسمي الأول الذي اخترته أنت لي، وأن أمنح جوازًا

جديدًا لا أنتمي فيه لأي وطن..

ووجهًا جديدًا لا يعرفه أحد..

 

 وفي بعض الأماكن تصر سمية طه على التمرد بشكل أو بآخر وبيأس من خلال تكرار تركيب "طقوس غريبة، الطقوس الخاصة بي" وغيرها مما يدل على نبذ ما هو بسيط أو مألوف ولا يتمرد الإنسان بواسطة ما هو متداول.

 

ولا شك أن من يقرأ سمية طه ستسحره اللغة واسلوب تركيبها المغاير على مستوى التركيب البسيط وتركيب الجملة  الذي تفرضه مرآة سمية طه في وضع انزياحي مبتكر لصور كلية بالغة الفتنة والعمق بالفعل فبدلا من الأشياء التي تسحب ظل الموت على الناس تمنح سمية الموت القدرة ليس فقط على سحب نفسه على العالم ولكن سحب ظله وهو تجسيد بالرغم من أنه مرعب لكنه مدهش ..

 

"الموتُ يا حبيبي يتسلل إليّ خفية شيئًا فشيئًا .. يسحب نفسه على ظلال الأشياء، يخبيء نفسه خلف

ضحكاتي ..

ويعيش على ما يمتصه من لمعان عيني .."

 

أنا أتساءل كيف لعينين لهما هذه المرايا المميزة أن يتم امتصاص بريقهما ,,كنت أمازح الكاتبه  قبل زمن بقولي " هناك عفريت الذي يشتعل في عينيك/ "  ..عفريت اللغة.عفريت الصورة.عفريت المعنى والعمق وهذا ما تزيده المآسي ولا تمتصه مطلقا ..

 

وهناك أيضا عدة إشارات يمكن للنقاد تحليلهما مثل :

 

*تعاودني فكرة الموت بثيابها القديمة والرغبة في الخلاص من الحياة ..

*ألم تكن كهانسل وجريتل ؟ تريد أن تلتهم المنزل المبني من الحلوى والبسكويت دون أن تلتهمك

الساحرة مطبوخًا على نار فرنها ..

أخطأت اختيار منزل الساحرة هذه المرة ..

وأنت عالقٌ في بيت حورية الجنة المسحورة حتى تكف عن حماقاتك ..

 

 المفارقة بين الساحرة في القصة والتي تفرض الإشارة شرها وبين الساحرة سمية التي يفترض الحكم عليها بالخير والحورية ..الحورية التي يقتضي ذكرها بالخير ولكنها تستطيع جعلك عالقا  كذلك ولمرة أخرى ..فهل الساحرة ..خيرة أم شريرة ..حورية أم شمطاء ! سمية أم الجزء العالق من روحها  والذي لم تكتشفه بعد ؟

 

وهناك أيضا مما يمكن للنقاد ملاحظته وتناوله ،

 

قلبي الطفل حين يحزن وحين يفرح بصفاء سماويٍ خالص

أحب فرحه الجميل، وحزنه الجميل ..

 

زاوجت الكاتبة بين الحزن والفرح  أي تضاد الأبيض والأسود بما يعتبر بسيطا ومستهلكا ولكنها كسرت المتوقع حين تلت هذا المزاوجة بمثيلتها ولكن في هيئة معكوسة حيث قدمت الفرح على الحزن في السطر التالي كأنها تذكرت شيئا جميلا لتستدرك أن الحزن ليس السمة المسيطرة على كل واقعها ..الأمر كما لو أن السباح يتذكر أن يلفظ أنفاسه بينما كان على وشك الغرق.

 

وهناك مفارقة أخرى لا بد لي من ذكرها وهي عبارتها :

 

عدت يا أمي لنقطة البداية،

للمكان ذاته أعود دائمًا وأنطلق منه باتجاه مختلف لكن كل الاتجاهات تعيدني إليه

في إشارة للمقولة القديمة التي تقول  "كل الطرق تؤدي إلى روما "

 

 

تكسر سمية سائد هذه المقولة في تعبيرها وتعكسها بقولها "كل الاتجاهات تعيدني إليه" وهناك الكثير والكثير إذا ما قرأنا الكتاب من وجهة نظر تحليلها التي يختص بها النقاد ويدركها القراء بالحدس والحساسية.

وأخيرا أعود للمقدمة التي كتبتها الكاتبة في مستهل كتابها "لأعوامٍ طويلة توقفت عن الكتابة لأنها تشعرني بالخواء،"

 

أريد أن أقول .. قد تجلب الكتابة الخواء فعلا ،  لكننا نعالجه بالقراءة ولكن بالمقابل الكتابة تملأ خواء العالم بالبهجة وتؤثث بيوتا  بنوافذ وسماوات جديدة  للكثير من القلوب التائهة و الحزينة .

 

 

صحيفة الأمة " PDF "

روح الشعر

 

  عبدالحفيظ حسن الخزان   أنا طفلٌ يمنيٌ ظامي...
  معاذ الجنيد   البرُّ والبحرُ والأجواءُ...

فكر و نقد

فنون و تشكيل

لقاءات و استطلاعات ثقافية

عرض كتاب