نصير العصافير ....عبد الله علوان

 

 

 

 

علوان الجيلاني

 

 

 لم يكن عبد الله علوان مجرد أديب من أدباء اليمن بالنسبة لنا - كان عبد الله علوان اكثر من ذلك بكثير ، كان أباً وأستاذاً وصديفاً وموجهاً وناقداً ومقدماً لنا إلى المشهد الثقافي ، وإلى الناس ، وإلى أنفسنا أيضاً..


ولم يكن عبد الله علوان مجرد كاتب كبير ، ولكنه كان إنساناً كبير القلب واسع الصدر والروح والعقل ، صاحب علم ودرارية ..ومتصفاً بصفات الفضلاء من تسامح وتعال على الصغائر ، ومتسماً بالمروءة وأخلاق العناية ..



وهو إلى جانب كل ذلك كان يجمع بين عدد من الصفات التي تبدو للناظر إليها بغير إمعان وتأمل مجموعة من النقائض ..لكننا حين نسبرها تتبدى لنا عالماً من الدوائر المتكاملة التي تتشكل منها شخصيته ، وتتضح بها صورته ..فقد كان يجمع بين الشجاعة الأقرب إلى التهور والتواضع المتسامح إلى درجة مدهشة ... وكان يجمع بين حدة الرأي – خاصة حين يستثار - وقوة الصبر حين تتكنفه المكاره.. وتشتد عليه غلبات الرجال ...


كانت شجاعته تجعل أصدقاءه... وتلاميذه في مأمن معه فهو لا يتخلى عن صاحبه تحت أي مبرر وفي أي ظرف .. بل إنه ليجبرك حين يقف موقفاً يناصرك فيه على أن تحاول أنت كبح جماحه ..وكان تواضعه يجعل باب المسامحة والعفو واللا مبالاة بإساءات الآخرين إليه طبعاً من طباعه الراسخة ..وكانت حدة رأيه وعدم قابليته طبعه للتخلي عن قناعاته تجعله هدفاً لعداوات وأعداء لا يتحلون بصفات النبل والتنزه عن إيلام الآخرين ،كما يتصف هو ..فكانو ا ينالون منه إقصاءً وتهميشاً ونبذاً واسبعاداً ..وتسخيفاً لمنهجه في الكتابة ، ومقترباته من النصوص ، وآرائه في المشهد الثقافي ، ووجهة نظره في الحداثة والكتابة الجديدة ..وقراءاته للأفكار ، ورؤيته للعالم إلى آخره

ولأنهم كانوا أكثر عدداً ، وأوسع نفوذاً في المؤسسات السياسية والثقافية والإعلامية ..ناهيك عن تحليهم بالقدرة على احتراح القبح ...واستمراء ضروب الكراهية ..فقد كانوا يحكمون طوق الحصار حوله بدءاً من محاولات التقليل منه ناقداً ومثقفاً وقيمة فكرية ..مروراً باستثنائه من المشاركة في كل ما يستطيعون التحكم فيه من جوانب المشهد الثقافي والأدبي وعلى رأسها المشاركة في الفعاليات والمهرجانات وإتاحة النشر والظهور الإعلامي .. و الإيحاء بعدم التعامل مع آرائه وكتاباته كمرجعيات في الدرس الجامعي أو كموضوعات لأطروحات جامعية ، وصولاً إلى موارد الكسب والحقوق المكتسبة التي يجدر بمن هو مثله ، علماً وأدباً وثقافةً وفكراً ..أن ينالها ..

وهنا كانت تتكشف قدرات عبد الله علوان على الصبر ..بمقدار مايتكشف ذلك الرجل البسيط المتواضع الزاهد عن كبرياء وعناد يطاول شامخات الجبال ...

كان يعرف أن زيارة واحدة لفلان من الأدباء ، أوكتابة موضوع مرضي عنه ، أوحتى السكوت على الإعتلالات التي يخلقها للمثقفين وللساحة الثقافية بسبب إصراره على أن يتم كل شيء وفق رؤيته ووجهة نظره وما يخدم استراتيجيته ومصالحه .. ستعفيه من عناء كثير ..أقله الحصار والعنت الذي يلقاه جرّاء التضييق على تلاميذه والمتصلين به – خاصة أولئك الذين يخافون وهما أو ايحاءً أو حقيقة - أن قربهم منه بأي شكل كان يعني أن يخسروا ميزات كثيرة قد توفرها لهم جهات لا يعجبها عبد الله علوان ، ولا ترحب بمن يتصلون به على أي حال من الأحوال ..
وما أكثر ما تلقى عبد الله علوان من أدباء وكتاب ومثقفين سهام النقد الجارح ، والكيد المؤذي ، والتهم الملفقة الفارغة ..لا لشيء إلا ليثبتوا لجهات بعينها أنهم بعيدون عنه ، مجافون له ،و أنهم يبلون البلاء الحسن في النيل منه ..وأنهم يستحقون أن يكا ل لهم الرضى ، وتصب آياته عليهم صبًا ..

مع هذا فهو لم يكن يبالي بهم ..بل كان يتخذ من كل ذلك وقوداً لعزيمته القوية ..ووعيه النضالي ..ورغبته الدائمة في الكتابة والإنجاز ..وضرورة أن يقول ما لديه بوضوح وشفافية وجرأة تضع إصبعها في عين أي معترض عليه بالباطل ..ولعلنا اليوم ونحن نتأمل بقاءه الباذخ فينا رغم رحيله المفجع .. نستطيع رؤيته على نحو أفضل من رؤيتنا له حين كان جسده معنا ..

اليوم نستطيع القول بيقين قاطع أنه كان صديقاً حقيقياً لعصافير الإبداع ..وأباً مثالياً لزقزقاتهم .. كان سنداً حانياً لمحاولات طيرانهم الأولى ..يقيل عثراتهم ، ويفرح بتوهجاتهم .. كان رافعة لهم وحضناً دافئاً لتطلعاتهم حين كانت الدنيا تتجهمهم ..وركناً شديداً حين كان يجبههم جهل المشهد الثقافي بهم أو تجاهل بطريركياته لهم ..

لقد كتب عبد الله علوان عن عشرات الأدباء والأديبات من كتاب الشعر والسرد والمسرح والنقد وغيرها من فنون الكتابة ..وسجل أكثر من جميع كتاب اليمن – حد علمي – حالات احتفاءات أولى بكتاب وكاتبات جدد على ساحة المشهد الثقافي اليمني بدافع ذاتي ..لا بطلب منهم أو حتى إيحاء بطلب ..

احتفاؤه بأي كاتب جديد وبطريقته تلك التي غالباً ما تفاجىء الكاتب وهو يخطو خطواته الأولى في عالم الكتابة ولا يحلم حتى بمجرد التفاتة تشجيع من قامة عملاقة كقامة عبدالله علوان ..كانت تقدم دافعاً مهما ورائعاً لأولئك الكتاب ..وتمنحهم ثقة غير عادية بأنفسهم ..غير أن احتفاءه بأي قادم جديد لم يكن يقف عند ذلك الحد ..بل كان يرفد الكتابة عنهم بمصاحبتهم ومد جسور صداقة متينة بينه وبينه ..فيعودهم على الإلتقاء الدائم به ..وارتياد بيته حيث بنهلون من مكتبته العامرة بالكتب وأكاد أجزم باستحالة أن تجد كاتبا ممن اتصلوا به وليس عنده كتاب أو أكثر من كتاب من كتب عبد الله علوان استعاره ولم يعده أو استعارها ولم يعدها فوق ذلك كان يفتح لهم جيوبه بكرم وتواضع لا ادعاء فيه ولا استعراض ...وإلى جانب المثاقفة والاستفادة المباشرة من نقده وتوجيهه وتعدد عوالمه المعرفية وموسوعيته كان يحضر فعالياتهم ويقدمهم على منابر المؤسسات الثقافية ويذكر أسماءهم في معارض وسياقات كتابية أخرى تخص غيرهم .. حتى حين كانوا يختلفون معه في الرأي لم يكن ذلك يؤثر في حميميته معهم بل كان يمعن ببساطة فائقة في مناقشتهم بندية واحترام .. ويعاملهم بمحبة وإكرام ..

بعبارات أخرى ..كان الرجل بشكل لكل قادم إليه منظومة دعم ثقافي ونقدي ومعنوي ومادي متكاملة .. وكان يفعل للواحد منا كل ذلك دون أن يشعره به ..فأنت في خضم تواصلك اليومي معه واستعارتك من كتبه وقراءتك معه ..وقراءة مايكتبه عنك أو عن الآخرين أما يكتبه في مواضيع ومعارف أخرى ، وأكلك في بيته وجلوسك معه في المقهى ، واستمدادك المال من جيبه حين يخلو جيبك من المال ..تنسى أن هذا المتواضع الكبير يعطيك كل شيء ولا بأخذ منك شيئاًُ .. مع ذلك فهو يبدو سعيداً بك أكثر من سعادتك به .
 
لهذا السبب بل لهذه الأسباب التي تنضاف لبقية صفاته الإيجابية ككاتب كبير متعدد الإشتغالات خدم العلم والمعرفة والإبداع والنقد والمشهد الثقافي لأكثر من أربعين عاماً بدأب لا ينقطع ..وعصامية تثير الإعجاب ، فإن شعورنا جميعاً بالعرفان تجاه عبد الله علوان يظل ناقصاً .. وإذا كان هو قد أسهم في ذلك منذ البداية حين رسم تعامله معنا على النديّة ..ولم يسرب إلينا أي إحساس بجميله علينا ..ولم يلزمنا بأستاذيته لنا ولا حتم عليتا ألقابه أو من علينا بأياديه ..ولم يكن ممن يعاقب من يخرج عليه أو يتساهل في حقه حتى بالعتاب الجميل المازح ....فإن تعامله معنا على ذلك النحو لا يبرر تقصيرنا في حقه ..بل يفترض أن يؤكد واجبه ويضاعفه عندنا ..
 
ثمة عيب إذن في ضمائرنا نحن ..ثقافتنا وسلوكياتنا تقوم على الجحود والنكران والأنانية وقلة الإنصاف .. بعضنا بعد أن رسخت أقدامهم في الساحة الثقافية كان يتعامل مع عبد الله علوان بوصفه محطة أولى مرّ بها ثم فارقها .. وأن من طبائع الاشتغال بالأدب والفن أن تجد في محطات حياتك الأولى من يقف إلى جانبك .. بعضنا الآخر لم يحاول الإحتفاء به ..بل كان يقف ضد أي توجه للإحتفاء به لظنه أن في ذلك مجازفة ثمنها كبير لأنها قد تغضب آخرين لا يعجبهم عبد الله علوان ..وبعض ثالث منا كان مازال يرتبط به ارتباطاً وثيقاً ويكن له المحبة والإحترام والتقدير ويرغب في الإحتفاء به ..لكنه يستسلم لانشغالاته ركوناً على ان في العمر متسعاً لذلك ..


إن التدهور السريع لصحة الأستاذ عبدالله علوان ومارافق ذلك من عدم اهتمام رسمي به وبمرضة ..ثم رحيله الفاجع ومشهد وداعه الخالي من حضور كان يجب أن يحتشد فيه تلاميذه , وأصدقاؤه إلى جانب من يحتشد من الجهات الرسمية والشعب .. أقصد الاحتشاد الذي يليق بقامة كقامته الادبية والفكرية والانسانية ..قد فتح عيوننا على عيوبنا عيوب واقعنا الثقافي والاجتماعي والسياسي والانساني أكثر من أي وقت مضى .
 
 
 
 
- الثورة