الأحد, 13 تشرين1/أكتوير 2019  
13. صفر 1441

تحليلات و ملفات ساخنة

 

وقفة نقدية .. مقالة غربة الأديب للكاتب البريطاني وليام هيغ

 

 

 

أ.د الياس خلف

 

 

الأديب إنسان مرهف الأحاسيس, يعي بروحه الطافحة بحب الخير والسلام والحق, هموم الآخرين وآمالهم... هذا هو الأديب.. وتكمن الطامّة الكبرى, في عيون الأديب, في إساءة فهم الأدب, أو التقبّل المنقوص لرسالة العمل الأدبي ورؤاه المجازية..‏

 

أجل, ههنا تكمن المشكلة الحقيقية, فإساءة فهم مغزى الأديب أشد وقعاً وإيلاماً بالنسبة إليه, لأن هذا يمثّل تقزيماً أو مسخاً لإبداعاته.. فالأدب ذو رسالة جمالية تبتعد عن التقريرية والهتاف والمباشرة.. الأدب بارقة أمل وبشارة فأل, لأنه يشير إلى الخطأ على نحو غير مباشر.. فحين يتحدث الأديب هيغ عن رائعة شكسبير التراجيدية (هامليت) , فإنه يؤكد أن مبدعها لم يكن يعنى بأحداثها بل بدلالاتها البعيدة الأثر , يقول هيغ:‏

 

أين الإنسانية في هذه المأساة المفجعة؟ أين وفاء الزوجة؟ لقد تزوجت الملكة الأرملة من قاتل زوجها على نحو سريع.. أين عاطفة الأخ تجاه أخيه؟ فقد قتل كلوديوس أخاه وتزوج من أرملة واغتصب عرشه وحرم ابن أخيه من حقوقه الملكية..‏

 

لو عاد شكسبير لقال لنا:‏

 

أين صوت الإنسانية؟ بل لِمَ لمْ يركّز المخرجون والنقاد والقراء على أبعادها الإنسانية, فقد استفحل الشر بعد أن أصبحت دنيانا ديستوبيا حيث يقتل الغني الفقير ويفتك القوي بمن أضعف منه...‏

 

يدل التدقيق هنا أن الأبعاد الإنسانية هي الروح التي تنعش جسد المسرحية, أي أحداثها اليومية, وهنا يمكننا أن نتساءل: هل يستطيع الجسد أن يحيا دون الروح التي تنعشه وتمدّه بالقدرة على البقاء.. وهذه الروح هي سر حياة الأدب الرفيع, إنها أسّه وجوهره.. يقول هيغ في معرض حديثه عن رواية (أوليفر تويست) للروائي البريطاني تشارلز ديكنز:‏

 

يقدّم تشارلز ديكنز لوحة بانورامية لمجتمع الظلم والبؤس الذي ساد إثر انتصار مجتمع الثورة الصناعية ودخول الآلة إلى المعامل, لقد رافق دخول “الصناعية” شيوع آفة الطمع وحب الاستغلال, فصحيح أن الثورة الصناعية حققت تقدماً تقنياً, إلا أنها أسهمت في تفشي الأوبئة النفسية كالطمع والرغبة الجامحة في استغلال الفقراء.‏

 

إذن, هذه هي رسالة ديكنز, إنها تتمحور حول حنين إلى عالم أفضل, عالم ينصف المستضعفين والمهمشين... وبهذا نرى أن ديكنز لايكتب بهدف نشر كتاب دعائي ضد الظلم والاستغلال.. إنه يكتب من أجل إثارة الروح الإنسانية القابعة في صدور الطيبين.. إنه يخاطب الروح الخيرة والطيبة والسامية التي لن تبرح الفاضلين...‏

 

هذه هي القراءة المثلى لهذه الرواية, إنها قراءة تنأى عن الهتاف الثوري الفارغ, إنها دعوة إلى إحياء الروح الإنسانية التي تشجعنا على تمثّل القيم الفاضلة والأخلاق النبيلة.. وهذه هي نقاط الجمال في هذه الرواية, فالأدب لحظة وقفة مع الذات, إنه تأمل وتبصّر وليس بعمل دعائي يقوم على الضجة الإعلامية.‏

 

ويمضي الأديب هيغ فيقول:‏

 

غربة الأديب أقسى تجربة إنسانية... إنها الألم ذاته... إنها العذاب الإنساني الذي يقبع في الروح الإنسانية... وتشتد غربته حين يرى أن القراء أو النقاد أو المخرجين غدوا أناساً ذوي أنصاف العقول... لقد غدوا أشباه بشر... لقد تخلوا عن تلك الشرارة المتقدة في نفوسهم... تلك الشرارة التي تساعدهم في فهم الأدب ورسالته في ضوء قيمهم المثلى...‏

 

إذن, دعونا نستجيب إلى الأدب ورسالته الفاضلة.. دعونا نقف على روحه وجوهره وذلك بالابتعاد عن قشوره الخارجية... فالغوص مثمر لأننا نحصل في النهاية على الدرر الكامنة في القاع... ويزداد سرورنا بالظفر لأنه يأتي بعد العناء والإرهاق الذهنيين... وما أجمل من التمتع بالجمال وتذوقه بعد عملية البحث عن المعنى.. البحث عن الجوهر الأصيل الذي يختفي خلف أسوار الأدب, وهنا نتذكر الصورة البديعة لقلعة حصينة تسكنها دوقة أو كونتيسة غاية في الجمال, وحين يصل الفارس النبيل إلى هذه القلعة بعد عناء وصبر طويلين, يلقى ضالته المنشودة... وصفوة القول:‏

 

تعالوا يا معشر القراء نقرأ الأدب على النحو المطلوب فنغوص إلى خباياه حيث تتربع كنوزه النفيسة التي تكتنف روحه الإنسانية.‏

صحيفة الأمة " PDF "

روح الشعر

 

  عبدالحفيظ حسن الخزان   أنا طفلٌ يمنيٌ ظامي...
  معاذ الجنيد   البرُّ والبحرُ والأجواءُ...

فكر و نقد

فنون و تشكيل

لقاءات و استطلاعات ثقافية

عرض كتاب