رأي في البنية الفنية للشكل الحداثوي في الشعر

 

 

 

 

مجيب السوسي

 

 

 

يبدو أن القصيدة الحديثة، وهي انتقال مضطرب بين اللحظة والماضي والغيب المتخيل، قد أحدثت بهذه النقلة  غير المطمئنة  من الشكل العمودي إلى الشكل الحداثوي، اهتزازات عنيفة، أدت إلى انهدامات في أرضية التلقي، وبخاصة أرضية النقد الذي تخيل  في البداية  أن الماضوية يجب أن تنتهي بشكل مسعور، فراح يسوق بحماس شديد للحداثة مع وجود خيط من الضمير المكتوم في داخله، وهذا الخيط يلح على عدم القناعة في هذه السيرورة المحمومة، لأن المشهد الشعري لا يزال متحسراً على قيم العمودي الفذ.

 

 

غير أن فاعليه لم يعودوا مهندسين قادرين على رفع بنيانه بالطراز الذي كان، ولهذا نشعر بالنفس الموحد والمتشابه للقصيدة الحديثة التي سيطرت عليها المفردات الانزياحية المنقذة للرتابة وللمباشرة والسردية.

 

 

قليل من الذين يكتبون القصيدة الحديثة المبهرة والصاعقة، يستطيعون  بنصف البهر أن يبدعوا قصيدة عمودية، وسرهان ما ينفلتون من عقالها، ليشعروا بطمأنينة انسيابهم في ضبابية القصيدة المكهربة، أو اللاواعية، أو الانهزامية أحياناً وهم قادرون على تأدية قيمة عليا في جرسها الداخلي يزينونها ويجعلونها قريبة ومقنعة لمتلقي الذائقة.

 

 

الحبال الإنقاذية وطاقات النجاة التي يعتمدها شاعر الحداثة الهارب من سطوة وضوابط العمود هي امتلاكه المفردة، وقدرته على اللعب باللغة، ناشراً في القصيدة الصورة المطلقة، والمتباعدة والعابثة والمهربة من خزانات اللغة فيبني على أساس ذلك قصيدته بجنون محبب، أو قصيدة مفضوحة الضبابية.

 

 

الشكل الشعري الكلاسيكي  كما أرى  كان يلبس ثوبه أو سترته أو قميصه أما الشكل الحداثوي فهو فضائحي الملابس، مرة يقرب ورقة التوت ومراراً يرى أنه لا يحتاجها.

 

 

الشكل الشعري الكلاسيكي عقلاني »قتل الحياة الشعرية خبرة« اما الشكل الحداثوي فمجنون، أو مراهق أو عصبي أو جامح والجنون يتسع لكثير من الشغب والمخاطرة والتسلق وطالما أن العالم الذي حوله مجنون أيضاً فإنه  لحسن حظه  ينجح بمخاطراته.

 

 

الإلهام والحدس والرؤيا والحلم طاقات غير عاقلة، ولكنها حيوية للوصول إلى المعرفة وهي متشابكة مع الواقعي والمحسوس ولهذا فإن البساطة والتجربة متوحدتان، وكذلك العقل والنفس، أما العيون التي يبصر بها شاعر الحداثة لينفذ إلى العالم وقضاياه فهي الرؤيا والتصور والحدس.

 

 

 أرى أن سبب انسداد النقد أو انحساره كثيراً إلى درجة الغياب  في ما يتعلق بالحداثة الشعرية  هو الكم الكبير جداً، والمتدفق من هذا النمط الشعري، بحيث لا تواكبه موازنات نقدية جادة، أو مدارس نقدية  كما كان يحدث- وأرى أن ذلك يعود إلى معادل موضوعي  فليس هناك قصور في الأصل من حيث الخلق النقدي قلت أن البناء الشعري العمودي هو بناء هندسي يكاد يشبه فن العمارة، وهو بناء عقلاني محكم الصيغة والضوابط وفي هذه الحالة »العقلانية والهندسية« يحتاج الأمر إلى مراقبة عمرانية وسلوكية، لكي لا تتصدع أركانه، أو تزاد بمساحات تشويهية تسيء إلى لوحته، وإبداعه التناسقي فكان التمخض المتناسب هو النقد، والمدارس النقدية التي اختصت بتنقية الشعر العمودي من الشوائب والهوامش، أو الحرص على عدم دخولها واختصت بالتقويم والتصويب والضبط مواكبة لهذا الفن، وقلت أيضاً أن الشكل الشعري الحداثوي مجنون أو مراهق أو عصبي أو جامح، يشارك فيه الإلهام والحدس والحلم، وهي مخلوقات حيوية، وغير مرئية وغير عاقلة ولكنها تقود إلى مشاهدة المعرفة أو الوصول إليها، وهي في هذه الحال لا تحتاج إلى ضوابط ولكنها تحتاج إلى جواز عبور من المتلقي والذائقة الذي يقف حراساً يقظاً وأميناً على بوابات الدخول وهي التي تسمع بولوج الشاعر المبدع وتقصي الآخر الهش، والذي لا يتقن الجمح والجنون والتشظي.

 

 

وأنا على يقين أن الشعراء العقلاء ذوي التجربة في حقل الشعر العمودي هم الأكثر قدرة على ولوج ساحات الحداثوية، ولا غرابة في دخولهم ساحات الجنون الجميلة هذه وبحثهم عن جديد الذي يجدونه في ذروة العقل وأعني بذروة العقل هنا/ الجنون/ فهم يمتلكون في الأصل أدواتهم الفنية من خلال تجربتهم الإبداعية الواعية التي انتقلت وانطلقت بحثاً عن الجديد وغير المراوح في الدائرة إلى اللاوعي، والسرعة تماشياً مع العصر الجنوني، ومن هنا فإنني أرى أن الناقد للقصيدة الحديثة ينبغي أن يكون شاعراً أولاً، يمارس كتابة الشعر ولا متذوقاً أو متلقياً فحسب وأن يكون قد تلبسه هوس الحداثة، أو أن يكون قارئاً لعلم النفس، ويمتلك ميزة الكشف السري الداخلي والتي تبني القصيدة الحديثة على انسياحاتها، وفضاءاتها فغير كاف أن تبهرك الصورة المركبة والانزياحية والهلامية أحياناً كثيرة فيها، وإنما يتوجب عليك- كناقد  أن تبحث عن دوافعها المشتتة ذات المساحات الواسعة والطليقة، وأن تكون صياداً أو قرصاناً تمسك بطرف ما من الشاعر المتنقل بسرعة الهواء، والمتشظي في إقاليم قصيدته ذات الدفق العصبي، أو الساخن المتعدد الانتشار واللاهث، والضبابي والمتنافر  والمتآلف والمنسرب، والمبصر والكفيف والصائب والطائش من هنا وبناء على جسارة القصيدة الحديثة لا يمكن للناقد اقتفاء أثرها بضوابط ذات مهنة أو حرفية في النقد، وإنما هي بحاجة إلى دراسة سريرية لمكنوناتها وقنواتها المفرطة في التشابك مع دراسة لمفردات وجمل القصيدة المتعرجة من حيث فنيتها، وقدرة الشاعر على إيواء فضائية المعنى في هذا المقطع أو ذاك، وثانياً من حق الناقد، وليس الدارس أن يعلق على النص الحداثوي بوجهة النظر الانطباعية، وما خلفته في وجدانه الناقد من أثر فني »انسجاماً أو حالة أو موسيقى« لأن القصيدة الشفوية  كما ذكرنا تعتمد الإلهام والحدس والرؤيا والحلم،واللاوعي وليس المحسوس المادي والتوصيفي وربما أجرؤ على القول إن القصيدة الحديثة لا تحتاج إلى مذهبية في النقد، أو مدرسة في الضوابط لأنها في الأصل خرجت متخفية عن الضوابط إلى بنية لا شواطئ لها، وإلى عوالم متناقضة ومتشظية.