السبت, 19 تشرين1/أكتوير 2019  
19. صفر 1441

تحليلات و ملفات ساخنة

كانَ وكُنَّـــا .. ثنائيةُ حياةٍ حافلةٍ بالعطاءِ والخُذلان

 

 

 

 

 

عبدالرقيب الوصابي

 

 

 

كان في بداية مشوراه المعرفي ووثباته الفكرية ، في رغد كثيف ، وهناء وفير ، لم تبخل عليه الحياة في شيء ، فتحت ذراعيها واستقبلته استقبالا مغايراً، وكانت كثيرة التبسُّمِ في وجهه ، تأخذه بلطف في أحضانها وحناياها ، كان بمقدوره أن يخلو بها ليثرى وكان بوسعه أن يتشبث بكل أسباب القوة والحياة ، كما كان في متناول أنامله الاحتماء بخلاص فردي يجعله سعيدا مع صغاره قريبا منهم ومتابعاً ومثاقفا ومنتجاً في الآن ذاته ..

كان بمقدوره أن يعيش لذاته في أبراجٍ عاجيةٍ من الصعب أن يتفيأ ظلالها الآخرون ، كان متاحاً له أن ينزوي بنفسه بعيدا عن هموم الآخرين وآلامهم وانكساراتهم ، وكان وكان وكان ....

ولكن حاشاه أن يعيش لذاته وأن يتغنى بأناه، لأنه يدرك أن الطريق إلى الحقيقة يعنى فناء الذات وامحائها في الآخر، نذر حياته وكل أسباب نعيمه ووسائط سعادته للآخرين ، فعاش لهم ومعهم ولأجلهم، ارتضى أن يقاسم الناس أحزانهم وأتراحهم ، وأن يقاسمهم اللحظة بما فيها من آلام وآمال ..

أحب الآخرين وأهداهم عن طيب خاطر زهرة قلبه ، وفضاءات روحه ، كانت ذاته تمحى ، ورغباته تتلاشى يوما بعد يوم ، مكتفياً بالأثر الحميم ، الذي تسطره أياديه على صفحات وجوه الآخرين ، كان ينسى نفسه وأبناءه ليمنح حياة الآخرين قيمةً ومعنى ، السعادة تتوهج في عينيه عندما يكتظُّ منزله برفاق الدرب الشائكة وأصدقاء الفكرة والمعنى المختلف ..

لم يعد يشغل باله شيء سوى أن يسكن المفردة ، ويعيش بعمقٍ الفكرة ، يشاطر لأجلهما الآخرين مرارة الحياة وحلاوتها، انتصاراتها وانكساراتها كذلك ..

كنَّا وقتها كائنات هشةٍ ، لا تقوى بعد على التحليق الحر، كائنات حائرة لا تعرف بعد غايتها في الحياة ، وليس بإمكانها تحديد مسارات وجودها ، كنا كائنات تثرثر ، تتغنى بحضورها ، نعيد ترديد بعض الأفكار والمصطلحات أو على أحسن حال نعيد تلخيص كتب قرأناها ـ ذات ثغرةٍ من الزمن ـ كنَّا نظننا مركز الكون ومحور الطاقة وأنه لا أحد إلا نحن يحق له البقاء على ظهر هذا الكوكب " والآخرون الجحيم " كنا نتهيأ لتعزيز وهم ينمو بأعماقنا كهذا. كنا نتباهى بما نقول ، ولكننا نعجز عن تحقيق أبسط مقومات الحياة .

كانت ـ على مهل ـ تأتينا فتوحاته ، وتنساب في حقول آذاننا أنهار معارفه ، تخفف من حدة تعاطينا ، وتضيء بدورها ظلمات المخبوء في أرواحنا ، كان هكذا ، وكنَّا أقل جــــدوى

وأقل فاعليةٍ

وكنَّا عندما تشتد شمس الظهيرة ، وتزداد شموس معارفه إضاءة وإبانةً إلى الحد الذي نحسُّ معه زقزقة عصافير بطونِنا الخاوية ، عند اللحظة صفر على وجه الدقة ، وفي الوقت العدميِّ الذي يبدأ فيه أصدقاءٌ متخمون الانتسال عنا ، كان هو الوحيد الذي يحسُّ بنا ، ويشعر بآلامنا، يصمت قليلا ليعلن عن مبادراته المعتادة " نحن ضيوف بن علوان "

لم تضق في وجوهنا الدنيا ، ولم تداهمنا العدائية تجاه هذا العالم الفظِّ الذي لا يؤمن بأحلام الشعراء ، ولا يقدس أفكار الحالمين وتطلعاتهم ، لأنّه ببساطة كان معنا ، يطمئننا وينمي أشجار التفاؤل في أعماق أرواحنا وقلوبنا ، نفيض بحضوره الشاهق بيننا حدَّ الامتلاء ، نهشُّ به على جوعنا ، ولنا في بذخ عطاءاته مآرب أخرى ...

كان يأخذنا معه، لم يتذمر يوما لكثرة عددنا وتراكم احتياجاتنا ، عند أفخر مطعم يحط بنا ، يلبي كل ما نريد ، يقوم على خدمتنا بنفسه ، أليس هو سيدُ القوم ؟

بـــــــــــــــلى

وحتى لا نشعر بشيء من الحرج ، كان يأخذنا في رحلة موازية إلى عالم البعيد يضج بالأفكار والأحلام الوردية، ننسى أنفسنا ونتوه في أغوار حوار مدهشٍ يرفع من معنوياتنا ، ويعزز من قيمة ومعنى وجودنا في هذا العالم الغاشم ..

لم يكن يرضى ببلوغ هذا المدى من الاحتفاء بنا ، يواصل العطاء كمحيط لا يعرف قعره ، بابتسامةٍ ناصعة وأكفٍ خضراء يواصل احتفاءه بنا ..

يأخذنا إلى منزله يعرفنا على أبنائه، يطارد آخر أرتال الرسمية والتصنعٍ ، يقوِّض الحواجز النفسية، يمنحنا الكثير ، نقضي ساعات حميمية ، نتثاقف ونتحاور ونملأ الدنيا ابتساما ، وحين يجنُّ الليل جنونه ، ويمضي بعضنا إلى أهله وداره ، يتبعه حتى يصل به إلى عتبات الدار بأهله وأرواحهم الجبارة ، هناك يتفقد أحوال الرفاق قبل توديعهم ، بفراسة عارف برصد التلعثم المرتسم على شفاههم وقسمات وجوههم ، يدس يده في جيبه ، يزودهم ببعض المال بقصد أن تظلَّ الحميمة والتصالح النفسي رفيقهم حتى عندما يكونون بمعية صغارهم / فلذات الأكباد المعذبة في الأرض.

كان يفعل ذلك بمنتهى الرضى والسرور ، وكأنه يؤدي واجبا إنسانيا وأخلاقيا تجاه كل هؤلاء الأصدقاء ، ينساب عطاءً لا يخشى معه الفقر . وهنا تلكأ الراوي وندَّت عن أحداقه دمعة حرى

أردف قائلاً

يــا إلهي كم هي السعادة التي كان يشعر بها ـ هذا الشاهق معنى الياذخ حضورا ـ وهو ينزع الشوك عن قلوبنا و الكآبة عن أرواحنا !! وكم كنا أسعد وهو يمحو رماد الجهل و الأيام عن مآقينا وشفاهنا ! ...

ويستمرُّ في عطائه

كنهرٍ زاده العطاء تدفقاً وجلالا ...

وحين يغادر آخر الرفاق ، يظل ُّ مهموماً بنا ، يقارب نتاجاتنا الإبداعية ، ويراقب مستوى تحليقنا الإبداعي ، وطرائق تفكيرنا كجيل تتجاور نصوصه ، وتتنامى أفكاره ورؤاه ، لنتفاجأ باكرا صباح اليوم التالي أنه قد قارب تجربة واحدٍ منا ..

بينما كنا لا نملك شيئا سوى مفردات قلقة ٍ تعجز عن تأدية شكره ورد بعض عطاياه وأياديه ..

كان مثقفا إشكالياً صاحب رأي خاص ، يسعى للتفكير خارج الأطر المعتادة، لا يرضيه انتهاج المشاريع الصغيرة ولو أعطي أموال قارون، بانفعاله الشفاف ، ومصداقيته المعهودة يعري أنساق التخلف ، ومحددات خطابه البائس..

هنا توقف الراوي عن السرد ..

داهمته غُصةٌ ، انسابت على إثرها الدموع..

لكنه أردف قائلاً

حين ألمَّ به المرض ، وحاول النيل منه ، كنّا بعيدين عنه ، نصارع من أجل بقائنا وخلاصنا الفردي، أنانيون نحن وتافهون ، نعيش لذواتنا ، بسهولةٍ ننسى الآخرين ، لم نفكر لحظة به ، لم نقايضه تفكيره بنا لسنواتٍ ، وكأن شيئاً ما لم يحدث لأجلنا ، وكـــأنه لم يحضر السنابل يوماً لأجلنا ..

تجاهلناه ، وتجاهلته المؤسسات الثقافية التي ما كان لها أن تكون إلا بِهِ..

لم يتألم لتنكرنا الموجع، كان يرمم خدوشه بابتسامة عريضة يبذرها على جنبات أرواحنا القاحلة

كان يصنع كل َّ هذا وذاك حتى لا ينقل إلينا وطأة آلامه وأوجاعه ..

وفجيـــــعته بنا

وحين أشتد به المرض ، وقرر الأطباء ضرورة إقامة تحت العناية والإشراف الطبي ...

لم يُقلق أحدا منا، بل أحب أن يشاكس المرض ويصارع الموت بسخاء روحه ، واتساع فضائله ومعارفه المتعددة..

بينما كنَّا نثرثر ساعات ـ كعجائز القرى ـ نتباهى بمعارفنا الزائفة ، نتسكع في الشوارع والمطاعم والمقاهي ...

كنا نرعى الشتائم والضجيج والنميمة ...

 

خذلناه كثيراً ولم نصنع لأجله شيئا ..

نحاصر الفضاء المفتوح بدخان سجائرنا ، لنواري به سوءاتنا وكآبة أرواحنا

بسذاجة ٍ نحتفي بتساقطنا وخلافاتنا وتفاهة مقولنا ومنقولنا ..

خذلنــــاهُ بينما كان يعول علينا كثيراً بأن نستأصل الغرغرينا النابتة في خلايا جسده ، خذلنــاهُ بينما كان بمقدورنا أن نكون أكثر حضوراً وفاعليةً من مباضع الأطباء ، وتكالب الداء والدواء ..

كان هناك وحيداً غريبا لا ينتظر أحداً ، يقلِّب كفيهِ في الراغ ، يمعن التأمل ـ كعادته ـ فيما وراء لوح السماء الزجاجي

حيث تتجلى له القصور والأنهار

أفكـــاراً ورؤى لكتـــاب مختلف ، يخطط لإصداره هنااااااك

في

جنــَّـاتِ

النَّعيم.

 

 

 

* المصدر / صفحة الناقد الفيسبوكية .

صحيفة الأمة " PDF "

روح الشعر

 

  عبدالحفيظ حسن الخزان   أنا طفلٌ يمنيٌ ظامي...
  معاذ الجنيد   البرُّ والبحرُ والأجواءُ...

فكر و نقد

فنون و تشكيل

لقاءات و استطلاعات ثقافية

عرض كتاب