السبت, 19 تشرين1/أكتوير 2019  
19. صفر 1441

تحليلات و ملفات ساخنة

 رماد الجسد ..  قراءة في نصوص ( المحرقة ) للقاصة اليمنية . انتصار السري

 

 

 

 

 

زهير الجبوري

 

 

 

في هذه القراءة , سوف أحاول الكشف عن هواجس الجسد وتحولاته , داخل النسق اللغوي في مجموعة _المحرقة _ الجسد المضمر الذي هو مادة النار التي يتشكل منها البعد الدلالي للعتبة _المحرقة _ و الخط البياني للنص _ البداية والنهاية_ في مسيرته ,وأحاول أيضا تفكيك لغة السرد في بعديها الدلالي والتداولي من خلال تأثير الوحدات الزمنية على فضاء النص , وإسنادها للتكثيف الذي يشكل ومضة تتضمن حساسية اللغة ومدى قدرتها على خلق الصدمة في هذه النصوص التي تعتمد على الجملة الفعلية المتحركة السريعة للوصول إلى الغاية

 

1_العنوان _ عتبة النص

انه يشبه البوصلة التي تشير وتحيل طاقتها الدلالية إلى مشهد النار المتأججة , استدعاء بالضرورة للمادة التي هي وقود هذه المحرقة وهو الجسد , فالمتن الذي تكون من ثلاثة وثلاثين نصّا , كلّها تمثل استجابة دلالية واضحة للعنوان , ففي نص _ المحرقة _وهو النص الأول في المجموعة يتجلى الإحباط والخسران ( نزعت من بنصر يدي خاتمي , قيد زواجي , تأملته قليلا , كان باهتا ,ملست عليه , علّه يلمع كعهدي القديم به , لكنه أبى, لا جدوى منه ,لا نبض فيه ,دون تردد رميته إلى جوف المحرقة , فعاد خفقان قلبي إلي) في هذا المقطع يظهر التلميح كشرط أساسي من شروط كتابة القصة القصيرة , الخاتم , هو قيد , القيد باهت ,رغم ذلك هي حاولت إن تملس عليه لتكون محاولة أخيرة لدفع أي ريبة عن قرار سيأتي سريعا , غير انه لا نبض فيه , انه شرط ميت لاستمرار العلاقة الزوجية , رمته بشجاعة فعاد خفقان قلبها , الحقيقة إن ثمة علاقة تداولية بين نبض الخاتم , ونبض القلب وكأن التخلص من المادة الميّتة , هي شرط الحياة , مثل الخلية السرطانية التي ينبغي التخلص منها للحفاظ على ما تبقى , انه قوة توظيف المختزل من اللغة لخلق مساحة من التلميح , بعد الخاتم , أدارت المرأة معركة ضد سيرتها الزوجية كلّها , الأوراق , الذكريات, صور الطفولة والصبا والشباب والابتسامة الشاحبة في ليلة العرس , كل هذا ذهب إلى المحرقة , إنها محاولة لشطب السيرة و لا تتوقف عملية الشطب إلا عند علبة فيها عطر الماضي ,ورسائل الحب الأول ( تراقصت خلجات قلبي , انسكب له دمعي ,طبعت قبلة عليه ورميته إلى تلك المحرقة ) لقد تجلت صورة الرماد , رماد الجسد ورماد الروح في هذه القصة ,وقد شكلت نسيج اللغة فيها تقنية اللقطة الفوتغرافية شديدة الترميز للتعبير عن الزمن , فبعد كل هذه الحرائق لم يبق شيء سوى رماد الوجود (صار جسدي كورقة صفراء ,تشققت أطرافها , تلتهمها السنة لهب المحرقة )

 

2_ الإهداء

 

يمكن اعتبار الإهداء نصا منفصلا , في نفس الوقت الذي تحيل كلماته الثلاث إلى الفكرة الكلية التي تتجمع حولها نصوص المجموعة (إليهما . إليه , إلي ) وعندما نحاول أن نرجع هذه المفردات إلى حقلها الدلالي , نجد إنها تتكاثف في نقطة واحدة لتعبّر عن الكائن الإنساني , الأنثى والذكر , والعجيب في هذا التوالي الذي ظهرت به المفردات الثلاث إنها سرد قصصي كامل (إليهما ) رجل وامرأة , عاشقان , زوجان يجتمعان في المثنى الذي يتضمن منطقا يتعلق بالاجتماع الذي لا يمكن فصله , ثم تأتي ( إليه ) كتعبير عن الانفصال وهو ضمير الغائب ثم النية الواضحة و إيحاء بتمرير معلومة إن هذا الانفصال هو قراره هو وليس قرار الأنثى , حتى وقوع الدال الثالث ( إلي) هو تحصيل حاصل وليس قرارا بالانفصال عن المثنى , في المستوى الثاني للإهداء , يمكن توظيفه كخط مرور إلى الفكرة الكبيرة في المجموعة وهو رصد كل المساحات الفارغة في علاقة أل (هو , هي ) لهذا فأنا اعتقد إن الإهداء نفسه هو مغامرة قصصية هائلة تتجلى فيها كل العناصر والشروط العامة لكتابة قصة قصيرة جدا ,أو الومضة

 

3_الحوارات القصيرة

في قصة الغريب ,وهي واحدة من أجمل القصص , إضافة لكونها استخدمت آلية الحوار لتكثيف المساحة وملأ الفراغات , ف(هي ) ضمير الغائبة , تجلس على كرسي هزاز , استرخاء ومتعة وهما وجهان دلاليان للكرسي الهزاز بمعناه البعيد الانزياحي_ الحياة الجميلة _ , يرافق هذا المعنى وجو كتاب للقراءة( كتاب الروح لابن الجوزية ) يدخل الغريب ويدعوها إلى الرحيل معه من عالم المادة الى عالم اخر هو نفسه العالم الذي يتضمنه كتاب ابن الجوزية , تستسلم له , ثم تغادر جسدها , تاركة مادتها على الكرسي الهزاز وتغط في غياب عميق , قبل أن تتدارك نفسها في اليقظة (التفت للخلف , كنت جالسة على الكرسي الهزاز ) في الحوار يتجلى حب الحياة ( كلا لا أريد الذهاب ,فانا مازلت يافعة وقلبي ينبض بالحياة ) رغم ذلك تهيمن الطاقة السالبة للروح في كلام الغريب عليها ( انه عبق كاذب ) يقصد إن عبق الحياة هو وهم , والحقيقة هي في ترك المادة ّ على الكرسي لوحدها ) هذه القصة ذات طبيعة مرنة . تتنوع فيها الأبنية , من الحوار إلى السرد , إلى الوصف , ثم إن بوصلتها ترسم إشارة مباشرة إلى الهدف لتحقيق غايته وفيه تناص تراثي ديني _ الكتاب يساوي الغريب _ بينما الكرسي الهزاز يساوي الحياة اليافعة

 

4_ الحدث الدائري ازدهار الروح وغياب الجسد

مرة أخرى , تحضر الثنائية بين الجسد المتصدع والروح باعتبارها فكرة خالصة عن الحرية , في قصة رماد الروح , هو استعارة عن رماد الجسد , هي متزوجة , بطريقة شطب الذكريات السعيدة والدخول في عالم تدون من خلاله سيرة جديدة ليس لها علاقة بها (في المنزل , كان جسدك حاضرا ,وتجردت أنا مني , صرت آلة عسل وطبخ ..) في هذه المساحة , تشكيل لنوع العلاقة , إنها علاقة جسد وحسب (في جنبات البنك كان هو حاضرا روحا ..) إذا ثمة دالين ,روح وجسد , وضميرين ,كاف المخاطب المتعلق بالجسد , وكاف الغياب المتعلق بالروح , والعلاقة بينهما متوترة , فالجسد حاضر لكنه حضور مخرّب , أما الروح وهي الحلم ,الحب هي غائبة , بكل تجلياتها , واهم هذه التجليات هو الرماد , بل هو خلاصة التجليات , النشاط التركيبي للغة في هذه القصة كان ناجحا في التعبير عن جدلية المعنى في العلاقة بين جسد الأنثى وروحها انه فصل حاد , له علاقة وطيدة بالتشكلات الاجتماعية والأنساق الثقافية التي تجعل من قضية الزواج هو غائية الجسد , انه شطب للأحلام والفن والمغامرة , وأي خروج عن هذا النسق التقليدي هو بمثابة انتحار كما يرد في نهاية القصة ( همت به فتبعثرت فيك , تساقطت بقايا امرأة

 

5_الدلالة المشعة في المعنى

ونقد الأنساق الاجتماعية

في قصة الممر . لم يكن الخيال وحده من تدخل لصياغة بنية النص , بل ان الرغبة بالتنوير والكشف عن ما هو مسكوت عنه كان شرطا مهما جعل اللغة جريئة في انتخاب المفردات الملائمة ( ساقيّ تخوران _ تمهلت خطواتي , تعثرت بذيل فستاني _ تراقصت دمعاتي , الغصة _شفقة _ تشفي ) كل هذه المفردات هي تعبير عن الخوف , هواجس نفسية , هي ممر للقارئ حتى يصل للمفاجأة , الممر هو أسئلة سريعة ومتلاحقة لن تتأخر الإجابة عليها , حركة عدسة الكاميرا وهي تلتقط كل شاردة وواردة , هذه العدسة هي عيون الناس الذين حضروا حفلة العرس , وإيصال العروس إلى نهاية الممر , ولكن أي ممر؟ هل هذه إشارة جنسية المقصود منها إن غاية كل هذا المهرجان من اجل وجود ممر يجب أن يكون جاهزا لأول مرة للعبور , ماذا لو كان هذا الممر لا يصلح ليكون محتفى به حسب الأنساق الثقافية والاجتماعية والدينية ؟ هذا هو السؤال الذي بشبه رمي حجر في بركة ساكنة , والتي أرادت منه القاصة انتصار السري أن يكون مثار جدل ونقاش(فكما إن الشمس لن تتوقف عن شروقها ,والأرض لن تتوقف عن دورانها , فلن يكون هناك ملاية ملطخة بالدم ) انه سؤال أم انه خطاب يائس , على كل حال , الفكرة كانت واضحة واللغة مطواعة للتعبير عن المعنى الذي هو خيط من خيوط العنوان , انه رماد الجسد الملقى في محرقة الرؤية الذكرية القاسية

 

6_الجسد موضوعا , الروح حقل الأحلام

 

في باقي نصوص المجموعة, لم تخرج انتصار السري ,_باستثناء خمسة نصوص _ عن ثيمة الجسد المفصول عن مادته المشعة , انه جسد منطفئ , أو حالة غير مكتملة , وقد امتازت البني السردية في هذه القصص , بتنوع بين الطول كصفحة كاملة وبين القصر , إنها تشتغل في المنطقة بين القصة القصيرة وبين الومضة أحيانا كما في قصة _ وجدتها _وهي مفارقة لطيفة , أيضا تمتاز بعض نصوص المجموعة بالإيحاء المكثف , كما في قصة (أكذوبة) فهي تسرد حلما مزعجا يعبر عن رؤية سوداوية للعالم المحيط بها _ سكن جسدي , توقفت أجهزته عن عملها , ما عدت أتنفس الهواء الفاسد , عجز لساني عن الكلام ,قرت عيني عن رؤية قبح العالم , تصلب قلبي عن ضخ دمه وفشل خيالي عن رسم الأحلام _ وقد لاحظت عن قراءة بعض النصوص , إن ثمة مقصدية ونزعة لتشكيل عالم أنثوي يعبر عن نفسه من خلال نقده للأنساق التي تؤسس لهتك الوجود الحر والفاعل للمرأة , كل هذا يتجلى في نزعة قصصية تظهر في تلوين أ بنية السرد والوصف للوصول إلى الغاية من اقصر الطرق , تقول في قصة مفاجأة ( تفتح باب غرفتها . عيناها شاخصتان , يتوقف قلبها عن النبض , يسقط عليها صمت كامل ,.. تجد زوجها نائما في سريرها مع جارتها التي يعمل زوجها في الصباح ) في هذا النص يظهر بقوة كيف استخدمت القاصة الأفعال في جعل المشهد متوترا وسريعا وبه تكثيف عالي , سبقته جملة مكثفة أيضا تتضمن إن زوجها يعمل في المساء وهي تعمل في الصباح , زوج جارتها يعمل في الصباح , ماذا تريد أن تقول القاصة في هذه التداولية المربكة . هل هي حوار داخلي في نفس الشخصية لطرح أسئلة تتعلق بتبادل الأدوار باعتبار إن خيانة زوجها يستدعي رد فعل منها أن تقوم بنفس فعلته ؟ ماذا لو قامت بها ؟ وماذا يعني إن الزوجة توقف نبضها , هل تقصد إن حياتها النزيهة انتهت مع هذا المشهد ؟ , اعتقد إن ثمة رمزية ليست غامضة تماما , بل هي أشبه بالتحفيز للمشاركة في كتابة النص نفسه او إعادة إنتاجه من قبل القارئ, نصوص انتصار السري ذكية وتجرّ القارئ فعلا إلى التفاعل معها والمشاركة في إعادة نسج وتدوير أحداثها و حتى رسم شخصياتها . كل هذا بفضل خاصية التلميح والاقتضاب, وهي لها نفس في بناء الجملة القصيرة التي تحقق انزياحا في المعنى اعتماد على لغة لها صفة الخرق الدلالي تقول في قصة ( إذا غادرت الحلبة . خاسرا , ينبطح رأسك , تنصهر خطواتك بين شقوق الإسفلت , تسحب أذيال هزيمتك , أين سيف عشقك البتار ) انه جمل مشحونة بالتوتر فيها حذف والاختزال وإضمار ومناطق بيضاء . كتعبير واضح عن مفهوم الانزياح والخرق الجمالي, وتتكرر هذه المعاني كلها , في قصص ( حفلة , شرفة , عباية, معطف , مساواة ) فهي نصوص الجسد موضوعها , نصوص حالمة بالروح الغائبة دائما عن جعل الجسد مزدهرا , بالفرح , طيعا في التعبير عن رغباته كاملة , المحرقة , لانتصار السري , كتاب ممتع لطاقة السرد التي فيه , مدهش في لغته المراوغة ,ومهم لجرأته وتصديه لما هو مسكوت عنه والمتعلق بانتهاك الأنثى تحت معطف الرجل

صحيفة الأمة " PDF "

روح الشعر

 

  عبدالحفيظ حسن الخزان   أنا طفلٌ يمنيٌ ظامي...
  معاذ الجنيد   البرُّ والبحرُ والأجواءُ...

فكر و نقد

فنون و تشكيل

لقاءات و استطلاعات ثقافية

عرض كتاب