صورة «الأب والأم» في شعر محمود درويش

 

 

 

 

عبد الرحيم حمدان حمدان

 

 

 

ملخص الدراسة:

 

تروم هذه الدراسة مقاربة عنصر مهم من العناصر التي شكلت عالم الشاعر محمود درويش الأسري، والذي كان له تأثير بارز في تجربته الشعرية ورؤيته الإنسانية، وهو صــورة "الأب والأم"، التي حرص الشاعر على استحضارها في عدد من نصوصه الأدبية، فـ"الأب والأم" كلاهما يرمزان عنده للوطن والأرض، وهما أيضاً من الرموز الإنسانية التي تمد الحياة بعناصر الديمومة والبقاء.

 

اتخذت الدراسة من المنهج التحليلي الفني وسيلة للكشف عن الملامح الرئيسة في صورة"الأب والأم" في خطاب محمود درويش الشعري، وتطورها، والوقوف عند أهم عناصرها وسماتها الإنسانية والفنية، ومعرفة مدى فاعليتها ودورها في بناء سيرة الشاعر الذاتية وتشكيلها، والوقوف عند الأبعاد الإنسانية في شخصياتهما؛ والكشف عن التقنيات الأسلوبية التي وظفها المبدع في نصه الشعري لرسم أبعاد تلك الصورة وملامحها.

 

تمهيد:

 

تشكل الأسرة مكوناً مهماُ من المكونات الأساسية التي يوظفها الشاعر رموزاً وإيحاءات في نصوصه الشعرية، وهي تصب في حالة الاندغام والتلاحم بين "الأنا" والقضية،"الأنا" وفلسطين، وتقدم تجربة الشاعر محمود درويش مثالاً واضحاً وثرياً لمعنى الأسرة، فمفهوم الأسرة عنده لا يعني الأسرة العادية المألوفة، وإنما هي الانتماء والجذور التي تمده بالصمود والتحدي والإصرار.

من يراجع تجربة محمود درويش الشعرية، يجدها تزخر بعدد وافر من الشخصيات الأسرية منها: شخصية الأب والجد، إلى جانب شخصية الأم، والأخت، والأخوة، وقد تداخلت هذه الشخصيات مع بعضها بعضاً وتشابكت وتناغمت في علاقات متنوعة، بيد أنه يظل لكل شخصية منها ملامح وسمات وأفعال ضمن بنية النص الشعري.

 

ولما كانت هذه الشخصيات الأسرية أثيرة لدى الشاعر، لصيقة بقلبه ووجدانه، فإنه ظل يُكِّنُّ لها كثيراً من الحب والحنان؛ ذلك أن ما ألحقته النكبة بهذه الشخصيات من آلام وشقاء، وما فرضته عليهم من عذابات كثيرة، تركت جرحاً عميقاً في نفسه، ظل مفتوحاً وطرياً حتى اللحظة الأخيرة؛ لذا تراه الذات المتلقية يترجم هذه الأحاسيس والعواطف، ويجسد حبه ووفاءه لها بإهداء أحد دواوينه وهو" لماذا تركت الحصان وحيداً" إلى ذكراهم، إذ يقول:" إلى ذكرى الغائبين: جدي: حسين، جدتي: آمنة، وأبي: سليم، وإلى الحاضرة: حورية, أمي"(#).

إن القراءة الفاحصة لهذه الشخصيات، تكشف أن شخصيتي "الأب" و"الأم" هما من أكثر الشخصيات حضوراً في فضاء النص الشعري لدى الشاعر محمود درويش بصورها ودلالاتها المتنوعة؛ بوصفهما من أبرز المؤثرات التي شكلت عالمه الأسري، وكان لهما دور فاعل في تشكيل شخصيته؛ لذا ستعمد هذه الدراسة إلى مقاربة هاتين الشخصيتين، وتحليل ملامحهما وعناصرهما، والكشف عن علاقتهما بشخصية الشاعر، متخذة من المنهج التحليلي الفني وسيلة للوقوف على حدودهما ومكوناتهما، ورصد أنواعهما وملامحهما، والإبانة عن التقانات الفنية التي استخدمها الشاعر في رسم ملامح هاتين الشخصيتين وأبعادهما وأطرهما الأساسية من: توظيف تراثي، وبنية دلالية وسردية وإيقاعية، وتشكيلات صوتية، وصور فنية ورموز ومفارقة تصويرية وسخرية مرة وغيرها.

 

أولاًـ صورة" الأب" في شعر محمود درويش:

 

يمثل"الأب" في التجربة الإبداعية عنصراً مهماً من العناصر الأساسية التي يوظفها المبدع وفق رؤيته الإنسانية، وأفكاره الشعرية، وقد شغلت صورة "الأب" في تجربة محمود درويش الشعرية مساحة واسعة في نصوصه الشعرية، إذ تعددت ملامح هذه الصورة، وتنوعت أبعادها وتوزعت ما بين صور حقيقية، وأخرى ذات أبعاد رمزية. وسيتم تقسيم هذه الصورة أربعة أقسام هي على النحو الآتي: صورة الأب الفلاح، وصورة الأب اللاجئ، وصورة الأب المقاوم، وصورة الأب التراث، وأنه لم يقصد بهذا التقسيم وضع فواصل متباينة بين تلك الأقسام، وإنما هي أقسام متداخلة متشابكة، وقد جاء هذا التقسيم الظاهري لخدمة تحليل الشخصيات، ودراستها دراسة علمية.

 

أ ـ صورة الأب الفلاح:

 

من يتأمل السيرة الذاتية للشاعر محمود درويش، يتبين له أنه ولد في قرية "البروة"، وهي قرية صغيرة تقع شرقي عكا، تميزت بأرضها الخصبة، ومزروعاتها من الزيتون والحبوب والخضروات، وهكذا نشأ الشاعر نشأة ريفية من عائلة معنية بالأرض بالدرجة الأولى(#).

ولا شك أن هذه النشأة الريفية قد انعكست في كثير من قصائده الشعرية، وتجلت في رسم ملامح صورة أبيه "سليم درويش"، فالأب فلاح فلسطيني، كان يملك بعض الأراضي في قرية "البروة" التي دمرها المغتصبون الصهاينة سنة 1948م؛ الأمر الذي اضطره إلى الانتقال مع أفراد أسرته إلى قرية" الجديدة"، وهي إحدى القرى العربية في الأرض المحتلة، والاستقرار بها حتى اليوم.

 

إن النظرة المتفحصة إلى ملامح صورة "الأب" كما رسمها الشاعر، تكشف أن الأب ينتمي إلى أسرة قروية تشتغل بأرضها، وتلتصق بها، وقد ارتبطت مفردات هذه الصورة بالأرض وعناصرها من تراب وأشجار ومحراث، يقول في قصيدة"بطاقة هوية"(#):

 

أبي.... من أسرة المحراث

لا من سادة نجب

وجدي كان فلاحاً

بلا حسب... ولا نسب.

ب- صورة الأب اللاجئ

 

تبدو هذه الصورة تطوراً طبيعياً في حياة "الأب"، بعد أن طُرد من أرضه ووطنه ليصبح لاجئاً، إنها صورة مرتبطة بالواقع الفلسطيني الناجم عن نكبة 1984م، حيث تحول الفلسطينيون إلي لاجئين في داخل بلادهم وخارجها، الأمر الذي أدى إلى احتدام الصراع الصهيوني على الأرض والهوية.

 

فالأب اللاجئ اهتزت مكانته الاجتماعية كأب، ولم يعد قادراً بسبب ما حل به من فقر وجوع وتشرد ولجوء على تقديم الدعم الجسدي والنفسي للأسرة؛ لذا تولى الصليب الأحمر وظيفة الأب، ففي قصيدة" أغنية ساذجة عن الصليب الأحمر"، وتقطر كلمات الابن مرارة حزناً وألماً، وهو يخاطب أباه (#):

 

يا أبي! هل غابة الزيتون تحمينا إذا جاء المطر؟

وهل الأشجار تغنينا عن النار، وهل ضوء القمر

سيذيب الثلج، أو يحرق أشباح الليالي

إنني أسأل مليون سؤال

وبعينك أرى صمت الحجر

فأجبني، يا أبي، أنت أبي

أم تراني صرت ابنا للصليب الأحمر؟!

يقوم هذا المقطع على ثنائية الأب والابن، وهي ثنائية ذات أبعاد رمزية، تكشف عن رؤيتين متضادتين، يمثل فيهما "الأب" جيل الآباء والأجداد، ويمثل فيها الابن الجيل الجديد من الشباب الذي يرفض الواقع المعيش ويتمرد عليه، ويجيء استحضار صورة "الأب" في هذا المقطع؛ ليكون شاهداً حياًعلى معاناة الإنسان الفلسطيني في الشتات واللجوء، ويكشفَ زيف رسالة الصليب الأحمر، ويُوقفَ الذات المتلقية على تناقض بعض الهيئات الدولية التي تدعي لنفسها القدرة على حماية المستضعفين في العالم.

 

د- صورة الأب المقاوم:

 

يعد هذا الجانب من صورة "الأب" تطوراً لما سبقه من صور وتمثيلات، فالأب الفلسطينيّ الفلاح المرتبط بأرضه، واللاجئ الذي لا حيلة له، يغدو مقاوماً ثائرا متمرّداً ذا صورة غنيّة بالإيحاءات.

 

حاول الشاعر أن يضفي على ملامح صورة "الأب" الفلسطيني ما يجعله إنساناً مقاوماً ثائراً، فهو شخصية تتسم بصفات الشجاعة، والقوة، والتشبث بالأرض، والمقاومة، إنه يمثل الصورة التاريخية لنضال الفلسطيني ضد أعدائه المحتلين، يقول في قصيدة" الأرض"(#):

 

وفي شهر آذار قبل ثلاثين عام وخمس حروب

ولدت على كومة من قبور الحشيش المضيء

أبي كان في قبضة الانجليز، وأمي تربي جديلتها

واحملها في جيوبي، فتذبل عند الظهيرة.

هـ- صورة الأب التراث:

 

تعد الشخصيات التراثية مادة خصبة وظف الشعراء الفلسطينيون عناصرها بطرق شتى وأشكال مختلفة للتعبير عن رؤيته الإنسانية المتماهية مع أبعاد القضية الوطنية الفلسطينية؛ وفي سبيل ذلك عمد الشاعر إلى استدعاء عدد من الشخصيات التراثية التي تمثل في مواضعاتها صورة "الأب" وأسقطها على شخصية "الأب" الفلسطيني، لما بينهما من تشابهه أو اختلاف يخدم فكرته ورؤاه.

 

وتجدر الإشارة إلى أن أغلب الشخصيات التراثية التي وظفها الشاعر في فضاء نصوصه الشعرية تنتمي الى الموروث الديني الذي يشكل أرضية مشتركة بين الشاعر والمتلقي والذي ربما كان من أكثر المصادر التراثية تغلغلاً في الوعي والوجدان.

 

ومن أهم الشخصيات الدينية التي استخدمها الشاعر في بعض قصائده شخصيات الأنبياء- عليهم السلام – التي شاع استخدامها شيوعاً لافتاً في الشعر العربي المعاصر ، وتأتي شخصية النبي يوسف- عليهم السلام – في طليعة الشخصيات التي استغلها الشاعر فنيا وفكرياً، وذلك في قصيــدته" أنا يوسف يا أبي"، وهو يستخدمها في إطار ملامحها القرآنية المعروفة، يقول في تلك القصيدة (#):

 

"أنا يوسف يا أبي. يا أبي، أخوتي لا يحبونني، لا يريدونني بينهم يا أبي. يعتدون علي ويرمونني بالحصى والكلام. يريدونني أن أموت لكي يمدحوني. وهم أوصدوا باب بيتك دوني. وهم طردوني من الحقل. وهم سمموا عنبي يا أبي. وهم حطموا لعبي يا أبي. حين مر النسيم ولاعب شعري غاروا وثاروا على وثاروا عليك، فماذا صنعت لهم يا أبي"…..

لم تعد صورة "الأب" عند الشاعر محصورة في ثنائية "الأب" و"الابن"، وإنما ثمة عنصر ثالث برز ليكمل جوانب الصورة، ألا وهو عنصر الأخوة، فقد تجلت في هذه اللوحة الفنية ثلاثة أنماط من الصور الإنسانية، أضفي عليها الشاعر أبعاداً رمزية وهي:

 

صورة الابن: وهو النبي" يوسف" – عليه السلام–، وقد اتخذها الشاعر رمزا للتعبير عن الإنسان الفلسطيني، فتحول "يوسف" /الشاعر إلى نموذج للاجئ، الفقير، المنبوذ، وغدا فيها ناطقاً باسم القضية الفلسطينية، يرسم صورة صادقة لمعاناة هذا الشعب.

صورة الأخوة: أخوة النبي "يوسف"، الأخوة الأعداء الذين ، الذين حاولوا التخلّص منه بزجه في عمق البئر في سبيل الاستحواذ على الأب، وهم ذئاب، بل إن الذئب بشراسته وشرهه أرحم من إخوته، وهو ترمز بالأخوة لبعض العرب الذين باعوا القضية الفلسطينية كما بيع يوسف من قبل إخوته، وهم الذين اعترضوا على الطريق الذي اختاره "الابن"؛ لنيل حقوقه من العدو طريق المقاومة لا الاستسلام.

 

صورة الأب: وهو النبي"يعقوب"، ويرمز"الأب"هنا للأنظمة العربية التي تبنت القضية الفلسطينية والتي توجهت إليها الذات الشاعرة بالشكوى من الأخوة العرب الذين تخلّوا عنه وتركوه يواجه مصيره بعد أن صار عبئا على استقرارهم في عصر جديد، "وربما كانت هذه الإشارة هي إشارة درويش الأولى والوحيدة إلى اتخاذه أباً عربياً، ولعلّ مسار القصة التي يتناصّ معها هو ما فرض عليه تمثيل هذا الأب الذي لا يتوجّه إليه عادة في خطابه الشعري"(#).

 

هـ- صورة الأب التراث:

 

تعد الشخصيات التراثية مادة خصبة وظف الشعراء الفلسطينيون عناصرها بطرق شتى وأشكال مختلفة للتعبير عن رؤيته الإنسانية المتماهية مع أبعاد القضية الوطنية الفلسطينية؛ وفي سبيل ذلك عمد الشاعر إلى استدعاء عدد من الشخصيات التراثية التي تمثل في مواضعاتها صورة "الأب" وأسقطها على شخصية "الأب" الفلسطيني، لما بينهما من تشابهه أو اختلاف يخدم فكرته ورؤاه.

 

وتجدر الإشارة إلى أن أغلب الشخصيات التراثية التي وظفها الشاعر في فضاء نصوصه الشعرية تنتمي الى الموروث الديني الذي يشكل أرضية مشتركة بين الشاعر والمتلقي والذي ربما كان من أكثر المصادر التراثية تغلغلاً في الوعي والوجدان.

 

ومن أهم الشخصيات الدينية التي استخدمها الشاعر في بعض قصائده شخصيات الأنبياء- عليهم السلام – التي شاع استخدامها شيوعاً لافتاً في الشعر العربي المعاصر ، وتأتي شخصية النبي يوسف- عليهم السلام – في طليعة الشخصيات التي استغلها الشاعر فنيا وفكرياً، وذلك في قصيــدته" أنا يوسف يا أبي"، وهو يستخدمها في إطار ملامحها القرآنية المعروفة، يقول في تلك القصيدة (#):

 

"أنا يوسف يا أبي. يا أبي، أخوتي لا يحبونني، لا يريدونني بينهم يا أبي. يعتدون علي ويرمونني بالحصى والكلام. يريدونني أن أموت لكي يمدحوني. وهم أوصدوا باب بيتك دوني. وهم طردوني من الحقل. وهم سمموا عنبي يا أبي. وهم حطموا لعبي يا أبي. حين مر النسيم ولاعب شعري غاروا وثاروا على وثاروا عليك، فماذا صنعت لهم يا أبي"…..

 

لم تعد صورة "الأب" عند الشاعر محصورة في ثنائية "الأب" و"الابن"، وإنما ثمة عنصر ثالث برز ليكمل جوانب الصورة، ألا وهو عنصر الأخوة، فقد تجلت في هذه اللوحة الفنية ثلاثة أنماط من الصور الإنسانية، أضفي عليها الشاعر أبعاداً رمزية وهي:

 

صورة الابن: وهو النبي" يوسف" – عليه السلام–، وقد اتخذها الشاعر رمزا للتعبير عن الإنسان الفلسطيني، فتحول "يوسف" /الشاعر إلى نموذج للاجئ، الفقير، المنبوذ، وغدا فيها ناطقاً باسم القضية الفلسطينية، يرسم صورة صادقة لمعاناة هذا الشعب.

 

صورة الأخوة: أخوة النبي "يوسف"، الأخوة الأعداء الذين ، الذين حاولوا التخلّص منه بزجه في عمق البئر في سبيل الاستحواذ على الأب، وهم ذئاب، بل إن الذئب بشراسته وشرهه أرحم من إخوته، وهو ترمز بالأخوة لبعض العرب الذين باعوا القضية الفلسطينية كما بيع يوسف من قبل إخوته، وهم الذين اعترضوا على الطريق الذي اختاره "الابن"؛ لنيل حقوقه من العدو طريق المقاومة لا الاستسلام.

 

صورة الأب: وهو النبي"يعقوب"، ويرمز"الأب"هنا للأنظمة العربية التي تبنت القضية الفلسطينية والتي توجهت إليها الذات الشاعرة بالشكوى من الأخوة العرب الذين تخلّوا عنه وتركوه يواجه مصيره بعد أن صار عبئا على استقرارهم في عصر جديد، "وربما كانت هذه الإشارة هي إشارة درويش الأولى والوحيدة إلى اتخاذه أباً عربياً، ولعلّ مسار القصة التي يتناصّ معها هو ما فرض عليه تمثيل هذا الأب الذي لا يتوجّه إليه عادة في خطابه الشعري"(#).

 

ويمكن رصد ملامح صورة "الأب" كما رسمها الشاعر في النقاط الرئيسة الآتية:

 

- برز الاهتمام بصورة الأب واضحاً جلياً مع البواكير الأولى لأشعار محمود، وظل هذا الاهتمام متواصلاً حتى المرحلة الأخيرة من تجربته الشعرية.

 

- تطورت صورة الأب في وعي الشاعر ورؤيته الإنسانية من أب فلاح متشبث بأرضه، إلى لاجئ يقيم على تخوم جنّته المفقودة، حزيناً مستسلما،ً ملوماً من جهة "الابن"على بعض مواقفه، إلى شخصية مقاومة ثائرة مناضلة، وهذا التطور متصل بتطور الفن الشعري لدى الشاعر، ففي الوقت الذي تجلت فيه ملامح "الأب" في صورة مباشرة واضحة المعالم قريبة التناول، فإنها تطورت إلى شخصية مبنية على الإيحاء والتكثيف والدرامية في رسم أبعادها وملامحها، مع توظيف التقنيات الحداثية من صور شعرية ورموز وتصوير سردي وحوار درامي.

 

- ظلت صورة الأب حاضرة في ذهن الشاعر، لم يغفلها، ولم يسقطها من موقفه ورؤيته، وإنما أعطاها مساحة واسعة من الاهتمام، والتفاعل والمشاركة.

 

- تجلت العلاقة بين الابن والأب بأنها علاقة تواصل إنساني حميم، وتشكلت في ظل الواقع الذي يعيشه الإنسان الفلسطيني في ظل الاحتلال، وإن اعترى هذه العلاقة أحياناً نوع من التوتر، والنزاع والخلاف بسبب تباين الرؤى والمواقف ، فإنه يظل توتراً ونزاعاً مؤقتاً، سرعان ما يزول ، وتعود العلاقة إلى علاقة محبة ووئام والتحام.

 

- ظل الشاعر ابناً باراً بأبيه وجده، فهو يعترف لهما بدورهم الجليل في تكوين شخصيته، وفي بذر كثير من القيم الوطنية في فكره ووجدانه، فقد غرسا في نفسه حب الأرض وعشقها، وارتباطه بها، وأمداه بزاد لا ينفد من الصمود والتحدي، فكان امتداداً لهما.

 

- كانت صورة الأب كما رسمها الشاعر قريبة من أرض الواقع المعيش، لصيقةً بها، لم يخيب الأب طموحات أبنائه، ولم يفقد دوره في تنشئتهم وتربيتهم على حب الوطن، ومقاومة المحتل، ولم يتهاون في إعطائهم الإحساس بالأمل في عودتهم يوماً إلى أرضهم التي اغتصبها المحتلون الصهاينة.

- ظهر استثمار الشاعر للتراث في استدعائه لعدد من الشخصيات الدينية كشخصيات الأنبياء، وقد جاءت هذه الشخصيات منسجمة مع أفكاره ومعاناته, ومتسقة مع سياق النصوص الشعرية، كأنها لبنة من لبناتها، وأدت دورها في تعميق التجربة وإكساب الموقف والشخصية مزيداً من التكثيف والإيحاء.

 

ثانياً – صورة الأم في شعر محمود درويش:

 

شكلت المرأة بعامة والأم بخاصة موضوعاً أساسياً في نتاجات محمود درويش الشعرية، فقد استأثر موضوع "الأم" باهتمام الشاعر وعنايته، وكان لصورتها حضور مكثف في قصائده.

تنوعت صورة الأم لدى الشاعر وفق القيم الإنسانية التي عبر عنها من: حب وحنان وتضحية وإيثار ووفاء وحنو وتفان وإخلاص وعطاء بلا حدود. وتعددت أيضا صورتها بتعدد رؤى الشاعر وأساليبه الفنية، فقد تناول صورتها أحيانا بشكل مباشر، وأضفي أحيانا أخرى على ملامحها دلالات رمزية، وأسقط على شخصيتها أبعاداً أسطورية مزجت بين الحقيقة والخيال؛ بقصد إبراز تعلقه بهذا الرمز الذي بلغ عنده حد التقديس، فجعل منها رمزاً للوفاء والتضحية، وربط بينهما وبين الأرض والوطن، فغدت مرادفاً له.

 

وفي مكنة الباحث تناول صورة "الأم" في شعر محمود درويش من جوانب أربعة هي: صورة الأم الحقيقية، وصورة الأم الجمعية، وصورة الأم الأرض والوطن، وصورة الأم التراثية(#).

 

أ - صورة الأم الحقيقية:

 

تعد الأم نبض الحنان الذي لا ينضب، ومصدر الحب والعطف والحنين، وهي الحضن الذي يستقبل المرء أول لحظة في هذه الحياة، وهي ذات قرب من القلب، والتصاق بالروح.

إن الانطباع الذي قدمه الشاعر محمود درويش في سيرته الذاتية عن علاقته بأمه في مرحلة الطفولة حين قال(#):

 

"علاقتي مع أمي في الطفولة، كانت علاقة ملتبسة، تولد لدي شعور بأنّ أمي تكرهني كان هذا عندي عقدة، أو شبه عقدة، كنت أشعر.. ولم أعلم أنّه ليس صحيحًا إلا حين دخلت السجن للمرة الأولى، وأنا في السادسة عشرة. زارتني أمي في السجن، وحملت لي قهوة، واحتضنتني وقبلتني، فعلمت أنّ أمي لا تكرهني، وأصبحت فجأة الابن المدلل لأمي".

هذا الانطباع قد وجّه شعره وشكّله على نسق خاص، منذ أن نشر باكورة أعماله إلى آخر ديوان صدر في حياته، لقد ظلت الأم رفيقة مساره الشعري، ولاشك في أن حضورها الدائم في أشعاره وحالة الحزن التي رافقته تؤكد هاجسيتها.‏ فما الصورة التي قدمها لنا الشاعر عن الأم الحقيقية في شعره؟ ‏

 

الأم "حورية" من الشخصيات الأسرية التي كانت حاضرة في مواضع عدة من النصوص الشعرية لابنها درويش، الذي كانت تربطه بأمه علاقة تفيض بالحب والأحاسيس الوجدانية والمشاعر العاطفية. الذي كان يحب أمه حباً جماً، إنه يخاطبها وتخاطبه

 

عمد إلى رسم ملامح أمه "حورية" وقسماتها بريشة الفنان البارع، متوخياً في ذلك الدقة والصدق، محاولاً تجسيدها وصبها في قالب سردي موح، يقول: في قصيدة "تعاليم حورية"(#):

 

فكرتُ يوماً بالرحيل، فحطّ حسّونٌ على

يدها ونام. وكان يكفي أن أداعب غصنَ

داليةٍ على خجل... لتدرك أنّ كأس نبيذي

امتلأت. ويكفي أن أنام مبكراً لترى

مناميَ واضحاً، فتطيل ليلتها لتحرسه...

ويكفي أن تجيء رسالة مني لتعرف أنّ

عنواني تغيّر، فوق قارعة السجون، وأنّ

أيامي تُحوِّم حولها... وحيالها.

ب ـ صورة الأم الجمعية:

 

لم يقف الشاعر في رسمه لصورة الأم عند الأم الحقيقية، وإنما امتدت دلالتها واتسع معناها لتشمل أم الجميع، الأم التي ترمز إلى كل أم فلسطينية.

 

ومن المعروف في علم النقد أن الدلالة الواحدة قد تحمل معنيين: أحدهما يعبر عن مستوى مباشر، والآخر يحمل أبعاداً رمزية ، وهذا الأسلوب محبب لدى الشاعر محمود درويش، إذ يقول:" أريد أن ينظر إليّ من دون أن أحمّل أعباء رمزية مبالغًا فيها. ولكن يشرفني أن ينظر إلى صوتي الشخصي وكأنه أكثر من صوت. أو أنّ "أناي" الشعرية لا تمثل ذاتي فقط وإنما الذات الجماعية أيضًا"(#).

 

الأم عند الشاعر هي الأم الحقيقية التي امتدت لتشمل كل الأمهات الفلسطينيات، فهي أحياناً تمثل له صورة الأم الفلسطينية التي أمضت حياتها تنتظر عودة أبنائها من الغربة وبلاد الشتات والمنافي، يقول في قصيدة "انتظار العائدين"(#):

 

يا أمنا انتظري أمام الباب إنا عائدون

...ماذا طبخت لنا؟ فإنا عائدون

نهبوا خوابي الزيت يا أمي، وأكياس الطحين

هاتي بقول الحقل! وهاتي العشب! إنا عائدون!

 

ج ـ صورة الأم الأرض والوطن:

 

شكل التوحد والربط بين الأم والأرض مظهراً بارزاً لدى الشعراء العرب المحدثين؛ بوصف الأم صنواً للأرض وندّاً له ، وشبيهاً بها ، فكما أن الأرض تنبت الحياة، وتوفر سبل العيش للإنسان، كذلك الأم، من حوضها تتدفق الحياة وتستمر، فهي صانعتها ورمز تجددها (#)، لما بينهما من وجوه تشابه والتقاء، فكلتاهما رمز للخصب والنماء، كما أنهما رمز للحياة والعطاء المتواصل، يقول الشاعر وقد جعل من دال الأرض رمزاً للأم، يقول في قصيدة" لديني... لديني لأعرف"(#):

لديني … لديني لأعرف في أي أرضٍ أموت وفي أي أرضٍ سأبعث حيا سلامٌ عليك وأنت تعدّين نار الصّباح، سلامٌ عليك…سلامٌ عليك. أما آن لي أن أقدّم بعض الهدايا إليك: أما آن لي أن أعود إليك؟... لديني لأشرب منك حليب البلاد وأبقى صبياً على ساعديك وأبقى صبياً إلى أبد الآبدين رأيت كثيراً ي َ أمي رأيت لديني لأبقى على راحتيك.

 

تجسد هذه الأسطر علاقة الأم بالأرض، فالأرض هي التي تملك وحدها القدرة على الولادة وإعطاء صفة الحياة ، وتأخذ الأرض من الأم صفة الأمومة، وذلك من الدلالة التي يفرزها الفعل المتكرر"لديني" و"وأنت تعدين نار الصباح"و" حليب البلاد"، فقد جعل الشاعر من الأرض مرادفاً للأم.

 

د. الأم التراثية:

 

حاول الشاعر محمود درويش أن يستحضر- وهو يرسم لوحات فنية لصورة أمه" حورية" -عدداً من الشخصيات التراثية التي تجسدت فيها صورة الأم والتي تماهت مع موقفه من أمه، مضفياً على ملامح تلك الأمهات سمات وأبعاداً ذات طابع تراثي ديني، ففي قصيدة "تعاليم حورية" استدعى شخصية السيدة "هاجر" وابنها إسماعيل - عليهما السلام- ، يقول متحدثاً عن ملامح صورة أمه (#):

 

هي أختُ هاجر. أختها من أمها. تبكي

مع النايات موتى لم يموتوا. لا مقابر حول

خيمتها لتعرف كيف تنفتح السماء، ولا

ترى الصحراء خلف أصابعي لترى حديقتها

على وجه السراب، فيركض الزّمن القديم

بها إلى عبثٍ ضروريّ.

اكتسبت شخصية"الأم" في المقطع السابق بعداً دينياً تاريخياً،من خلال استدعاء الشاعر شخصيات تراثية من عمق الموروث الديني مثل: شخصية السيدة "هاجر" التي تقابل عنده شخصية الأم "حورية"، أما شخصية ابنها "إسماعيل" فهي تقابل شخصية الابن الطفل "محمود"، وغدت شخصيتا"الأم" في النص الشعري تتفقان في الصبر والجلد والرحمة والشفقة، والقدرة على الاحتمال والبحث عن الحياة، ومقاومة الموت والسعي الحثيث من أجل البحث عن الحياة والاستمرار.

 

وصفوة القول، فإن قصائد درويش التي توجه فيها إلى أمه مناجياً ومحاوراً تمتلك سمات محددة، تساعد على معرفة أسرار تجربة درويش الإبداعية والتي منها:

برزت صفة الأمومة بشكل لافت في القصائد التى توجه بها الشاعر إلى أمه، فهي لذلك تعد شكلاً من أشكال أدب الأمومة، ولوناً من ألوانه من وجهة النظر الفكرية والفنية، إذ صور الشاعر/ الابن بصدق وأمانة طبيعة علاقته بأمه في مرحلة الطفولة التى تقوم على عاطفة الأم الصادقة المتدفقة، وعلى الحب والحنان والشوق، بوصف الأم موئل الحنين، وعنوان الرقة والعطف، ومرفأ الأمان، وقد حمل الشاعر/ الطفل أيضاً لأمه أسمى معاني الوفاء إلى درجة التفاني، إذ كان ينزع إلى الاتحاد بأمه كي يتخلص من الغربة والضياع، ويتمتع بالأمن، والحماية والسعادة، بل إن صفة الأمومة تجاوزت عند الشاعر الأم الحقيقية، لتنسحب على الأرض والوطن، التي جعل من الأرض أماً تتمتع بكل صفات الأمومة.

 

لم يقف الشاعر فى رسمة للملامح الرئيسية للأم عند صورة الأم الحقيقية، بل امتدت صورتها واتسعت؛ لتشمل الأم الجمعية، والأم الأرض والوطن، والأم التراثية.

 

وحًد الشاعر بين الأم والأرض فى علاقة حب صوفي، من خلال كون الأرض وطناً يناضل الشاعر فى سبيله، دون أن يفقد أمل الحلم بالانتصار، بالرغم من المجازر التى ترتكب بحق هذه الأرض وأبنائها.

 

طفت في علاقة الابن بأمه صور الطفولة السعيدة، ومعاني العطف والمحبة والبنوة والشوق والحنين إلي الطفولة، والوفاء إلي درجة التفاني، وتجلت أيضاً صور المستقبل الذي يحمل الأمل بالعودة إلى حضن الأم / فلسطين.

 

- زاوج الشاعر بين صورة الأب والأم في حضورهما في نصوصه الشعرية، بحيث لم تطغ صورة أحدهما على الآخر، وإنما كانا حاضرين بشكل متوازٍ، وكان لكليهما حضوره المبكر والواضح في شعره, فقد وردت صورتهما أحياناً في قصائد مستقلة يرسم لكل واحد منهما لوحات متكاملة نابضة بالحياة، وجاءت أحياناً أخرى في صور جزئية مبثوثة في عدد من القصائد، وقد تجتمع صورتهما معاً في قصيدة واحدة.

 

تمايزت صورة الأب عن صورة الأم، ففي حين بدت عاطفة الأبوة صادقة متوهجة في علاقة الابن بالأب من خلال الحوار العاطفي، والحنان الأبوي، فإن ذلك التوهج العاطفي الحزين ضعف في علاقة الأم بالابن، بل كاد أن يتلاشى أحياناً.