الثلاثاء, 12 تشرين2/نوفمبر 2019  
14. ربيع الأول 1441

تحليلات و ملفات ساخنة

كتّاب افتراضيّون وكتّاب حقيقيّون

 

 

 

 

 

عارف حمزة

 

 

صار بإمكان أيّ شخص أن يبني لنفسه جداراً، أو يُغرّد، في مواقع التواصل الاجتماعيّ، بشكل سهل جداً، وبوقت قصير. وخلال وقت قصير أيضاً يصبح بإمكانه أن ينشر كلاماً يُعجَب به الآخرون، وقد يُعلِّقون على كلامه، دافعين به إلى التعليق على تعليقاتهم، ومن حيث لا يدرون يدفعونه للمزيد من الكتابة، وللمزيد من الانتظار لعدد الإعجابات، ولعدد التعليقات. وسيدفعه الأمر، بمزيد من ذلك، إلى اعتبار نفسه كاتباً ولو افتراضيّاً، لديه جمهور ولو افتراضيّ في جانب منه، ينتظر كتابات كاتبهم.

 

علينا الاعتراف أنّ كلّ شخص صار بإمكانه أن يصبح كاتباً، بِغَضّ النظر عن جودة تلك الكتابة، وتعلّقها بالأدب. وصار لكلّ شخص جمهور هم كتّاب أيضاً يُحمِّس بعضهم بعضاً بالإعجابات المتبادلة، والتعليقات التي قد لا تكون سخيفة في جميع الأحوال.

 

ربّما صارت هناك مدرسة جديدة للكتابة هي مدرسة الفيس بوك. وربّما ستصدر كتب عن أجمل الكتابات، أو أفضل كاتب، على الفيس بوك، طالما صار هناك مَن يفتخر بعدد الأصدقاء أو المتابعين لصفحته. وصار الإعلام يتحدّث عن كاتب معيّن تجاوز عدد المعجبين بصفحته المليون شخص، في الوقت الذي يكفي الإعجاب بتلك الصفحة، وليس قراءة محتوى الصفحة على الدوام، حتى تسير أرقام المعجبين إلى الأمام.

 

كما يمكن، في يوم ما، أن تصبح هناك جائزة لأفضل كاتب على الفيس بوك، وقد لا يكون ذلك الفائز هو أفضل روائيّ أو شاعر أو قاصّ أو مسرحيّ. وربّما تكون هناك جائزة لأفضل محلّل سياسيّ، أو أفضل مصمِّم صفحات، أو أفضل فكرة...إلخ. بمعنى آخر: سيصبح هناك كتّاب افتراضيّون على تلك الدرجة من الأهميّة بغضّ النظر عن عدم انتمائهم لأيّة مدرسة فنّية في الكتابة.

 

هناك روائيّون وشعراء وكتّاب مسرح دخلوا هذا السباق، وربّما أصيبوا بخيبة الأمل؛ عندما شاهدوا أنّ كتاباتهم لا تُلاقي متابعة أو إعجاباً أو تعليقاً كما تلاقيها كتابات شخص مغمور جداً، وقد تكون كتاباته لا تستحقّ شيئاً في ميزان الكتابة والثقافة والأدب، إلا أنّه يملك ذلك الجمهور الكبير الذي قد لا يكون لكثير منهم أيّة نظرة فنيّة أو قيمة نقدية. صار هناك من يتحدّى الكاتب الفلاني، الذي صدر له خمس روايات، أو سبع مجموعات شعريّة، بعدد اللايكات والتعليقات التي يحوزها على سطرين أو ثلاثة يكتبها على عجل، ومن دون إتقان لغويّ، مستشهداً بعددها على كتابات ذلك الكاتب!.

 

هناك حياة أخرى صارت تجري بمعزل عن الحياة الشخصيّة لأحدنا، وقد تشكّل كلّ الحياة الشخضيّة لبعض الناس، لدرجة أنّه صار هناك أناس يقضون حياتهم في البيت، أو في محلّات الأنترنت، من أجل الحصول على أهميّة لهم، باتوا يفتقدونها في حياتهم الشخصيّة.

 

عدد اللايكات والتعليقات تدخل في خانة التصويت الذي بات ميزة في كثير من البرامج لتحديد جودة المطرب الصاعد (كما في برنامج «THE VOICE»)، أو الفرقة الاستعراضيّة أو الشخص صاحب العرض الأفضل (كما في برنامج «ARABS GOT TALENT»)، أو حتى «شاعر العرب»..إلخ. ومن نافل القول أنّ هذه الأصوات، التي تحدّد جودة أو مقدرة أو تفوّق شخص أو مجموعة، هي أصوات غامضة، ولا نعرف مقدرتها الحقيقيّة في المجال الذي تؤثّر فيه بمجرّد التصويت. رغم معرفتنا بالأرباح الباهظة التي تحقّقها شركات المحمول المتعاقدة مع تلك القنوات.

 

لطالما كان هناك كلام عن الكاتب «الاستهلاكيّ»، شاعراً كان أم روائيّاً أم كاتباً بوليسيّاً، الذي كان يحصل على شهرة كبيرة من خلال أرقام المبيعات، والقرّاء العادييّن، والكلام العاديّ، وليس من خلال التقييم النقديّ الحقيقيّ. وربّما مواقع التواصل الاجتماعيّ صارت المكان المناسب لذلك الكاتب.

 

قليلون هم مَن يقرأون المقالات على الفيس بوك، أو فصلاً من رواية، أو نصوصاً شعريّة طويلة؛ فالكثرة يعتمدون على القراءة السريعة للكتابات القصيرة، ولهذا تمّ إطلاق مصطلح «الفيسبوكيّين» عليهم؛ حيث اليد تظلّ تضغط بسرعة على «اللايك» من دون تقييم شخصيّ في كثير من الأحيان. وفي كثير من الأحيان يتمّ تبادل الإعجابات كردّ للجميل على إعجاب مماثل.

 

من ناحية أخرى أعطى الفيس بوك الشهرة لأناس يستحقّون الشهرة، كما جعل الكتّاب يعثر كل منهم على الآخر بالصدفة وبتلك السهولة، ويقرأ أحدهم نتاج الآخر, ويتبادلون الأفكار عن كل ما يخطر في بالهم بشكلّ راقٍ وخلاّق. وفي الوقت ذاته صار الجدار الذي يبنيه أحدهم، في هذا الفضاء الإلكترونيّ، هو الجدار الوحيد الذي يشعر فيه بنفسه، وبدواخله. وصارت حياته الحقيقيّة، في الشوارع والمقاهي والأسواق، هي عبارة عن حياة جانبيّة عليه أداؤها لضرورات شخصيّة، قبل أن يعود سريعاً إلى وحدته التي يتمنّاها في ذلك الاحتشاد الافتراضيّ.

 

صار هناك مَن يظنّ نفسه شاعراً، دفعة واحدة، من كثرة ما جاءته تعليقات من أصحاب، قد لا تكون لجميعهم أيّة علاقة بالشعر، علّقوا على بوحه العاديّ، والعاطفيّ في العادة، بأنّه شعر رائع. وصاروا ينادونه بالشاعر!!. ولقب الشاعر هنا، هو الأكثر رواجاً، طالما «الفيسبوكيّون» يُفضّلون قراءة وكتابة الكلام القليل و«الاجتماعيّ» في الغالب. لقد صار علينا أن نبحث إذن عن الناس العادييّن القليلين بين كوكب الشعراء هذا.

صحيفة الأمة " PDF "

روح الشعر

 

  عبدالحفيظ حسن الخزان   أنا طفلٌ يمنيٌ ظامي...
  معاذ الجنيد   البرُّ والبحرُ والأجواءُ...

فكر و نقد

فنون و تشكيل

لقاءات و استطلاعات ثقافية

عرض كتاب