الثلاثاء, 12 تشرين2/نوفمبر 2019  
14. ربيع الأول 1441

تحليلات و ملفات ساخنة

 

فلسطين و المثقفون العرب ..ماذا بعد؟

 

 

 

 

الكاتبة الجزائرية هدى درويش

 

 

 

                    قضية أضاعتها الأنظمة السياسية على مر التاريخ, و حكم الدهر على شعبها بالعذاب و بالتهجير و على أرضها بالتدمير , لا لشيء سوى لأن تيودور هارتزل تبادرت إلى ذهنه فكرة الأرض التي لا شعب لها و هو يجول في شوارع مدينة بال السويسرية  ساخرا من ضعف العرب و هوان راهنهم , مؤسسا لفكرة أيّدها الوعد المشؤوم , و من ثمة و لكل سنة من تاريخ العرب بلفور جديد يقرر عنهم مصيرهم و يغيّر منحى تاريخهم و أيامهم و يبعث بشراعهم إلى حيث لا تحتسب ...و لازالت  فلسطين الى يومنا هذا ضحية تسويات لاعادلة  يقررّها  النظام الدولي الجديد بعد أن أضاعها العرب بسياساتهم و نصفوها بأدبهم و ما لنا غير وريقاتنا و حبرنا نكتب به لأجل هذا البلد السليب, و نتغنى بجروحاته في زمن الفولاذ و الاستعمار المقنّع و العولمة.

 

شعراء الأرض المحتلة , عصافير غردت لحب فلسطين: لبقائها , لهويتها ...غردوا لها باكين متحسرين على واقع متأزم يرمي بنا اليوم إلى هاوية تطال الكثير من الأقطار العربية , شعراء الأرض المحتلة ليسوا فقط من فلسطين بل من كل بقاع العالم , هم شعراء وصفهم قباني في قصيدة مطوّلة  بقوة ضعفهم , و يأس آمالهم, بمفارقات زمانهم , بكل تناقضاتهم و أجنحتهم المتكسرة , بدمعاتهم , بابتساماتهم و اعتبر نفسه واحدا منهم , من أولئك الذين كتبوا للحجارة في ليالي التاريخ المظلمة المقهورة المكتوبة على جبين العرب, و منذ ذلك الحين و للمثقفين العرب قصة حب طويلة المدى في التغني بمأساة أورشليم باعتبارها قضية العرب الأولى و قضية كل الشرفاء الواجب دعمها , و التعريف بها , فصورّوا من معاناتها ما صوّروا و كتبوا في رثائها الكثير و استفقنا و إياهم اليوم على مرور أكثر من ستة عقود من النثر السياسي وأوبرات الضمير العربي , من شعر العنتريات لم يقتل ذبابة واحدة...؟  في حين ما كان الفلسطيني الأعزل يقاوم  نيابة عني و عنكم بطائراته الورقية قنابل فسفورية أحرق بها الصهيوني الأخضر و اليابس , يقاوم بكل يأس و عزيمة أكذوبة يرفضها في حين ما صدقتموها أنتم بفكر مباشر أو غير مباشر , يقاوم لا لشيء سوى  لأنه يدرك تماما فحوى حكايتنا البائسة المعنونة باللاوعي و اللامبالاة... قد نكون فشلنا كدعاة  في غرس الثقافة الحقيقية  المجدية التي تبني إنسانا عربيا أخرا حقيقيا... لا ذلك الذي يلبس حلته الوطنية في الأعياد و المناسبات و يضفي القداسة على ماضيه و يعيش فيه في عزلة عن واقع راهن يتشكل و يتحدى الوجود و الهوية العربية...ذلك المواطن العربي اليوم الذي لا يتخذ من فلسطين سوى معضلة الإبهام السياسي التي يمكن لها أن تفيده لساعات طويلة يقضيها على أرصفة المقاهي  في فراغ... 

 

فلسطين قضية كل الشرفاء الواجب دعمها حقيقة لا كلاما, فنحن لا نريد تسول أدب لفلسطين, كفانا تصويرا تقليديا لأوجاعها , لأراملها لإثارة شفقة المجتمع الدولي تجاه قضية عادلة لا غبار عليها , صوّرنا ما صوّرنا و دونّنا ما دوننا لتاريخ أورشليم و ما أثرنا صميم احد سوى بتنديدات و مظاهرات عقيمة تنتهي أمام أول عجلة مطاطية تحرق و تفرق ضجيجها قوات الأمن...من منا لا يعرف محمود درويش على ورقه؟ و لكننا اليوم لبناء إنساننا العربي نحتاج إلى محمود درويش الإنسان , الرجل المثقف, الشاعر الحقيقي الثائر التائه, نحتاج إلى الاقتداء به, أن نغرف من صميم أفكاره , من جوهر  تعلقه  بوطن ضائع كحبة صدف لامعة بين مد و جزر البحار , من عبرة نأخذها لحظة مفارقته الحياة بالولايات المتحدة الأمريكية صارخا من ألام قلبه المعبئ بالشجون معترفا لأقرب اقربائه أنه يحتضر و هو شاعر مهزوم في زمن القوة النووية, رجل مهزوم في زمن عولمة الأوطان و أمركة الشعوب, باكيا كاتما في صدره ألام أمة ما استفاقت و ما اظنها تستفيق, و الكثير الكثير , من عصافير طوقانية غردت, من أحمد على فودة, الشاعر المضطهد الذي اعلنت وفاته بيوم كامل  و هو لا زال على قيد الحياة بإحدى مدن جنوب لبنان, فابتسم لأخر مرة قائلا: "و ما الجديد في ذلك و أنا فلسطيني مغتال منذ عشرات السنين؟"

 

إن مستقبل هذه الأمة بما فيها القطر الفلسطيني الجريح متوقف على مستقبل مثقفيها شرط انتمائهم للثقافة حقيقية لا ادعاءً فأنا بذلك لا اقصد أشباه المثقفين الذين تقزّم فكرهم في المتاجرة بأحزان الأمة , أو أولئك الذين صغروا و استصغروا في أدب غير بناء يحسب زورا على ثقافة و هويات المجتمعات , ففلسطين التي نصفها الادب هوية اصالة و انتماءا يمكنه ان يحررها بقوة فكره , أن ينصفها مرة اخرى ببناء امة واعدة و اجيال صاعدة تقول كلمتها كالرصاصة الطليقة صوب الهدف, شعوب تخلص في حب أوطانها و تجسد ربيعا عربيا حقيقيا لا يشترط الدماء, و لا تترك بثقافتها الواسعة للفتنة مجالا أو سبيلا يوصلها إلى ما لا يحمد عقباه...

 

 

صحيفة الأمة " PDF "

روح الشعر

 

  عبدالحفيظ حسن الخزان   أنا طفلٌ يمنيٌ ظامي...
  معاذ الجنيد   البرُّ والبحرُ والأجواءُ...

فكر و نقد

فنون و تشكيل

لقاءات و استطلاعات ثقافية

عرض كتاب