الثلاثاء, 12 تشرين2/نوفمبر 2019  
14. ربيع الأول 1441

تحليلات و ملفات ساخنة

أحمد الشامي ورؤيته النقدية لكتابة التاريخ

 

 

 

 

حمدي محمد الرازحي

 

 

                                                                                         

تعاقبت على اليمن أحقاب وأزمنة حملت في طياتها الكثير من المتغيرات السياسية والفكرية والتي ساهمت في تشكيل ملامح الشخصية اليمنية وإبراز هويتها.

وكما أن التكوين الجغرافي والمحيط التضاريسي المتنوع لليمن هو الآخر كان عاملاً مساعداً في صياغة هذه الملامح وإبراز خصائصها، كل هذا جعل اليمن تمتلك رصيداً كبيراً من التراث الإنساني والعطاء التاريخي ولفترات طويلة.

وانطلاقاً من تلك الطبيعة التضاريسية المتنوعة والتي ورث الإنسان اليمني منها شموخها وثباتها ومقاومتها لكل المتغيرات والأحداث، فقد استقى الإنسان اليمني منها روح التغيير والخروج على القيود التي تقيد حركته وتحد من حريته، ومن هنا ولدت الثورة اليمنية، وولد معها أحرارها ورجالها الذين صنعوا للتاريخ عنوانه، ولليمن دولته واستقلاله، وفق مبادئ وقيم خلَّد التاريخ ذكرها، وأكسبها هالة من القداسة والثبات.

فبعد حقبة زمنية طويلة من حكم أسرة آل حميد الدين، بدأ الشعب اليمني متمثلاً في ثواره الشرفاء في التخطيط والتنظيم لتغيير صورة الحكم ونظامه، وفق مطالب ورؤى مشروعة، وعندما لم تستجب الأسرة الحاكمة لمطالب الثوار والذين كان أغلبهم من العلماء والأدباء والشعراء والمفكرين، [والذين ينتمون إلى نفس المذهب الذي تدين به السلطة] بدأ الثوار في إعلان الثورة بشكل أو بآخر، ابتداءً من ثورة الدستور 1948م، وانتهاء بإعلان الجمهورية، وسقوط النظام الملكي في اليمن عام 1962م.

وكان من ضمن رجالات الثورة، وصانعوا التاريخ اليمني المعاصر المفكر اليمني العظيم والشاعر المؤرخ [أحمد محمد الشامي رحمه الله] [1924م – 2005م] رجل الموقف والمبدأ، والضمير الحي.

تلك الشخصية التاريخية التي عرَّفت عن نفسها بكلمات صادقة توجز تاريخها النضالي ودورها في صناعة الأحداث بكل صدق وإخلاص قائلة:

«لقد كنت ثائراً، ومعارضاً، ثم صرت موظفاً حكومياً، وتطورت دستورياً فورياً، واعتقلت وتعذبت، وتعرضت للمنون مراراً، ثم أطلقت، وأصبحت وزيراً وشخصاً بارزاً في حكومة الملكيين، ثم ناديتُ بالمصالحة الوطنية، وانتخبت عضواً في المجلس الجمهوري، وبعدها سفيراً للجمهورية في (لندن) و(باريس) حتى طلبت التقاعد راضياً مختاراً، وأقسم أني أخلصت كل الإخلاص لكل دور مثلته وأرادته الأقدار لي، لم أغش، ولم أخادع، ولم ألعب على حبلين قط»([1]).

بهذه العبارات الموجزة والصياغة الراقية يفتح لنا الشامي الأبواب مشرعة للتعرف على شخصيته التاريخية العريقة، فهو ابن اليمن الذي يحمل كل آلامها، وآمالها، وهو المناضل في سبيل حريتها واستقلالها.

عاش جميع مراحل حياته متنقلاً بين طبقات المجتمع وملتصقاً بجميع شرائحه وأفراده، تارة نراه مع الثائرين في رؤوس الجبال وبطون الأودية وتارة أخرى نجده قابعاً في السجون، والمعتقلات المخصصة للثوار وعشاق الحرية، وهو ما بين هذا وذاك رجل الفكر والآداب والمعارف.

كل هذا جعل من الشامي عنصراً فاعلاً في صناعة الأحداث، ومنفعلاً بها، فكان شاهد عصره، ومؤرخ ميلاد فجر ثورته، ومؤصل فكره وآدابه، وهذا بدوره يجعل من الشامي مرجعية تاريخية بالغة الأهمية في تدوين تاريخ اليمن السياسي والفكري لانطلاقها في تدوين الحدث من واقع الخبرة والمشاهدة.

إن الشامي وزملاءه من رجالات جيل الريادة والتأسيس عاشوا أحلامهم الكبيرة إزاء الوطن فكراً، وتراثاً. وإنساناً، ونافحوا في سبيل الحق والحقيقة، ومنحوهما كل ما يملكون من غال ونفيس، وسطروا هذه الحقيقة بأحرف من دم طاهرٍ زكي،

 

تاريخ الثورة والثوار:

إن المتتبع لمسيرة التاريخ اليمني، وما تضمنه من أحداث ووقائع؛ انطلقت من صميم التفاعل الحي ما بين الإنسان اليمني وواقعه المعاش، وتجربته الخاصة، يجد تراثاً فريداً وجديراً بالاهتمام، لا يزال في انتظار من يخرجه إلى الوجود بصورة صحيحة وصياغة تتخذ الحقيقة والدفاع عنها شعاراً لها، بعيداً عن الصياغات الانتقائية المؤدلجة لأحداث التاريخ ووقائعه، والتي تسعى إلى بتر الأحداث عن أسبابها، وعدم ربطها برجالاتها وقادتها، وبعيداً عن انتهاج سياسة التهميش المتعمد لشخصيات كان لها الأثر الكبير في صناعة تاريخ اليمن المعاصر.

لأن التعاطي مع المعطيات التاريخية إذا لم يتخذ الأمانة في النقل والرواية شعاراً له، فإنه سوف يُولّد تاريخاً مظلماً لا يحمل إلاَّ أسباب الفرقة والخلاف ويُولّد بالتالي ثقافة تاريخية هشة، تنذر بكارثة كبيرة تحمل عنوان (فقدان الهوية).

كل هذا، نجده مما تَحَمَّل ثقله بأمانة واقتدار المرحوم أحمد محمد الشامي وعلى امتداد مسيرته النضالية، وهو يكتب عن تاريخ اليمن، موثقاً لأحداثه ووقائعه، من واقع تجربته الخاصة واحتكاكه بالحدث.

فالشامي - وكما هو معروف عنه - قد وهب حياته للحق والحقيقة، وهو يسعى جاهداً لترسيخهما في أذهان الناس والدفاع عنهما بالكلمة والموقف.

ويتجلى هذا واضحاً من خلال كتاباته القيمة وعلى رأسها كتابه القيم «رياح التغيير في اليمن» وهو وإن كان كتاباً خاصاً عن ذكريات الشامي، فهو يُعَدُّ بحقٍّ من أهم مصادر ومراجع التاريخ اليمني المعاصر لأنه ليس مجرد توثيق لذكريات خاصة فحسب، ولكنه توثيق لتاريخ ثورة، وإعلانٌ لميلاد مجتمع جديد، يمتلك من المقومات ما يؤهله للنهوض بأعبائه والالتحاق بركب التقدم والمدنية.

لقد تميزت منهجية أحمد الشامي التاريخية بموضوعية صادقة في نقل الحقيقة وتدوينها بأسلوب أدبي راقٍ، بعيداً عن المزايدات وتزييف الحقائق والأحداث وتضليلها.

فهو يتميز بحس تاريخي فريد يدفعه دائماً إلى توثيق الحدث بكل صدق، ويوجهه إلى كشف أوجه الزيف بقوة المنطق والبرهان والحجة الدامغة.

إن مفهوم النقد ودلالته العميقة على استجلاء الحقائق وتمحيصها قد اقترن مع رؤية الشامي التاريخية بصورة كبيرة.

وهو ما حدا بالشامي إلى أن يؤرخ للثورة اليمنية وأبطالها الأبرار بصورة ناصعة لا تشوبها شائبة المحاباة أو التزييف.

وانطلاقاً من هذه الرؤية المنهجية لكتابة التاريخ نجد الشامي قد حَفِظَ لرجالات الثورة مقاماتهم، ودافع عنهم أشد الدفاع وهذا ما تؤكده ردوده العنيفة على بعض رجالات اليمن خصوصاً إذا تبين له من وجهة نظره أنهم يحاولون تشويه تاريخ الثورة، والنيل من أبطالها، كما هو الحال في مواقفه مع الدكتور عبدالرحمن البيضاني([2]).

لقد انطلق مفهوم الثورة عند الشامي من صميم وطنيته الصادقة، والتي تجلَّت في ولائه المطلق للوطن، وتقاليده، وقيمه، الأمر الذي دفع بالشامي إلى الدفاع عنه بكل ما أوتي من قوة، سواء أكان ذلك الدفاع في ميدان التضحية والفداء، أو ميدان التوثيق وتدوين تاريخ الثورة والثوَّار، وهو دفاع مقدس لا ينهض بأعبائه إلاَّ كل غيور على وطنه وشعبه أرضاً وفكراً وإنساناً.

لقد حرص الشامي – وعلى امتداد مسيرته النضالية والعلمية – على تحري الحق والبحث عن الحقيقة، والتحليل لجميع الأحداث والوقائع، بحثاً عن أسبابها وتوصلاً إلى نتائجها، كل ذلك من أجل تقديم مادة علمية موثقة تكتسب ثقتها بنفسها بما تمتلكه من أدلة وبراهين.

ولهذا نجده قد كتب ما كتب متجرداً من ميوله واتجاهاته، وابتعد عن تتبع الهفوات والسقطات، ولم يتفاخر بما قدم وإنما فعل كل ذلك بدافع البحث عن الحقيقة لوجه الحقيقة، وهو ما دفعه إلى الثقة بما عنده، ولهذا نجده يقول: «إني قد فعلت ما فعلت أو قلت ما قلت وأنا مقتنع بأنه الحق والخير والصواب لنفسي وقومي وبلادي..» ([3]).

ومن هنا يمكننا أن نستوحي الإطار النظري العام، والمنهج النقدي الذي رسمه الشامي وسار على منواله، بل ودعى إلى التزامه عند صياغة الموروث التاريخي وتدوينه، ويبدو ذلك واضحاً من خلال الدعوة التي أطلقها الشامي تحت عنوان ((نقد الدراية.. وخطورة التعميم». في سياق الدعوة إلى كتابة تاريخ الثورة اليمنية والتي أطلقها مركز الدراسات والبحوث اليمني عام 1984م.

حيث دعى الشامي إلى كتابة وتدوين تاريخ الثورة اليمنية وفق أسلوب منهجي يتميز بالصدق التاريخي الخالص في نقل الحقائق والأحداث، والالتزام بالشفافية والموضوعية.

موضحاً بذلك الإطار العام لكتابة التاريخ بعيداً عن إملاءات الآخر، وتوجهاته الأيديولوجية.. حيث قال في موضعه سالف الذكر «نقد الدراسة وخطورة التعميم» ما نصه: «وأود أن أذكر بما لا يعزب عن بال عالم.. وهو أن التزوير قد شمل الكثير مما نسميه مستندات ووثائق، ولا سيما ما كان منها كتابة أو تصويراً..» ([4]).

وفي هذا إيحاء بأهمية التثبت في نقل الأخبار، وعدم تدوينها إلاَّ بعد التحقق من صدقها، ومدى مطابقتها مع الواقع.

لأن عدم التحقق من صدق الوثائق المتداولة يفتح المجال أمام كل متلاعب بالتاريخ – خصوصاً في وقتنا الحاضر – وبالتالي سهولة تزييف الحقائق والأحداث وصنع تاريخ مبتور الصلة عن الواقع بأحداثه ورجاله.

وهذا بدوره يؤدي إلى خلق سياسة تجهيلية تسعى إلى قطع علاقة الأجيال الحاضرة بماضيها وتراثها الإنساني.

وهذا بحد ذاته جريمة نكراء ترتكب بحق الأجيال وتراثها الإنساني وتأثيرها «لا يسيء إلى ما مضى من تأريخنا وحسب وإنما يسيء إلى تاريخنا الراهن وإلى تاريخنا في المستقبل..» ([5])على حد تعبير الدكتور عبدالعزيز المقالح.

ومما يؤكد ما تنبأ به الشامي وأشار وألمح إليه في مقولته النقدية السابقة تلك الوثائق التاريخية التي أوردها الشامي مصورة في كتابه «رياح التغيير في اليمن» هذا وقد نسبها إلى الوثائق المزورة والتي سعى الدكتور البيضاني من خلالها إلى محاولة إثبات صلته وانتسابه إلى رجالات الثورة وصناعة الأحداث. وقد أورد الشامي هذه  الوثائق مصورة بخط يدوي ومدونة بتاريخ 14/2/1955م والثانية بتاريخ 12/4/1955م.

وقد علق الشامي على هاتين الوثيقتين بأسلوب نقدي منطلقاً من مضمون الرسالتين ووصولاً إلى تضارب التواريخ المدونة عليهما مع أحداث الثورة زماناً ومكاناً.

وإذا كان هذا هو المصير المشئوم الذي يهدد معظم الوثائق التاريخية والمستندات فإن هذا يحتم على الباحث والمؤرخ السعي إلى تعزيز مصداقية هذه الوثائق عن طريق مطابقتها مع المرويات الشفاهية والتي يمتلك أغلبها من عاصر الحدث وعاش وقائعه.

وهذا ما ألمح إليه الدكتور عبدالعزيز المقالح مدير مركز الدراسات والبحوث اليمنية في ذلك الوقت بقوله: «وقد أكدت التجارب المتتابعة أن الوثيقة الحية المتمثلة في الإنسان المعاصر للحدث نفسه هي في حالة الأمانة والتجرد من الذاتية والانحياز أهم الوثائق وأصدقها..» ([6]).

ولكن هذا لا يعني أن تلك المرويات الشفاهية ستكون خالصة من إيحاءات الآخر وتأثير الأيديولوجيات التي يخضع لها الراوي. ولهذا فلا بد من نقد تلك المرويات والتحقق من مصداقيتها ومطابقتها لأحداث التاريخ ووقائعه.. وهذا ما ركز عليه الشامي بقوله:

«ومع ذلك فلا بد من نقد الدراية([7])، فقد عزت الأمانة إن لم تكن قد رفعت»([8]).

ومن الملاحظ في خطابات الشامي النقدية تلك المقدرة الرهيبة على توظيف أكثر من مصطلح للدلالة على مفاهيمه النقدية مثل استخدامه مصطلح «الدراية» والذي يعتبر من أبرز مصطلحات علم الحديث وتوظيفه في عملية توثيق المرويات التاريخية واستخدامه للدلالة على الرواية المشفوعة بالمشاهدة والمعايشة.

وفي هذا دلالة على تميز عقليته الموسوعية وسعة تمكنه مما يكتب.

ولا يكتفي الشامي بالتوجيه إلى تحري الدقة في نقل وتدوين أي وثيقة تاريخية إلاَّ بعد التحقق من صدقها ومطابقتها لواقعها، بل نجده يحذر من خطورة تعميم الأحكام والتكلم بصيغة الإجمال لأن ذلك يؤدي إلى التمويه وعدم كشف الحقيقة بصورة واضحة وهو مما يؤدي في الأخير إلى توليد ثقافة مهتزة لا تستند إلى دليل قاطع.

وهذا ما أشار إليه الشامي بقوله: «وإلى جانب نقد الدراية أذكّر أيضاً بخطورة الإجمال والتعميم، عندما ننقد فكرة أو رأياً أو انحرافاً دون أن نسمي ونحدد صراحة اسم المخطئ أو المضلل أو المنحرف؛ لأن التعميم يربك طالب المعرفة، ويأخذ البريء بالمذنب ويخلط الصواب والحق بالخطأ والباطل..»([9]).

إن هذا الحرص الشديد في تحري الدقة والصدق في نقل الحقائق وتوثيقها والتأكد من مدى مطابقتها مع أحداث الواقع عن طريق البحث والتنقيب عن المصادر الحقيقية والموثوقة للمعلومة، وعدم الاقتصار على المرويات المسموعة والشفاهية فقط، كل ذلك يوضح لنا طبيعة المفهوم النقدي لكتابة التاريخ عند الشامي، ويوضح لنا أيضاً طبيعة الأدوار التي يجب على المؤرخ أن يقوم بها والغاية التي يسعى لتحقيقها بوصفها طلباً للحق وتوضيحاً للحقيقة.

لقد استطاع الشامي بفطنته وذكائه أن يدرك الدور الذي تلعبه الأيديولوجيات السياسية في تحوير الحقائق وطمس معالمها عن طريق العمليات الانتقائية المؤدلجة لكتابة التاريخ سواء أكان تاريخ أحداث أم تاريخ شخصيات ومعالم، وما يترتب على هذه العمليات الانتقائية من إرباك (لطالب المعرفة) ومؤاخذة البريء بالمذنب.

وهذا ما دفع بالشامي إلى التصدي لمثل هذه المحاولات عن طريق دعوته إلى اتخاذ الصراحة شعاراً هاماً في نقد الأحداث وتدوينها والابتعاد عن التعميمات وإطلاق الأحكام الجاهزة لأنها لا تمتلك ما يؤهلها للبقاء ويرتقي بها إلى مستوى الخبر المؤكد بالقرائن والأدلة.

إن عملية التوثيق وجمع الشواهد التاريخية عملية ذات أهمية بالغة في منظور الشامي، حيث تعد مصدراً أساسياً، ورافداً قوياً في منح عملية تدوين التاريخ مصداقيته بعيداً عن المحاباة والبتر المتعمد لكل ما لا يتوافق مع ميول المؤرخ وأهوائه وتوجهاته الأيديولوجية التي يستقي منها أهدافه، وعلى ضوئها يسعى لتحقيق غاياته ومآربه.

وإذا كان الحياد والموضوعية عنصران أساسيان في عملية النقد بشكل عام فإن التجرد من الميول والأهواء يعد هو الآخر مطلباً أساسياً وهاماً في عملية النقد والتدوين التاريخي حتى يتم تقديم وعرض المادة التاريخية بصورة نزيهة بعيداً عن إملاءات الميول والأهواء السياسية والطائفية والمذهبية.

وهذا هو لُبّ دعوة الشامي النقدية لصياغة تاريخ نزيه من شوائب التعصب والتشفي وذلك في قاعدته النقدية التي تقول: «إن على المؤرخ أن لا يتباهى بانتصار أو فوز، ولا يشمت باندحار أو فشل»([10])؛ لأن مهمة الباحث والمؤرخ هي تقديم الحقيقة وعرض المشهد التاريخي بكل حسناته وسيئاته، وبذل الجهد في تحليل الأحداث والبحث عن الأسباب والمؤثرات المسيطرة على الحدث، للوصول إلى نتائج حقيقة يمكن تعميمها والاستفادة منها مستقبلاً، وهذا هو الاتجاه السليم والطريق الصحيح لكتابة التاريخ وتوثيق أحداثه.

أما عمليات التشفي والسخرية والاستهزاء من هذا المشهد أو ذاك فإنما يورث الضغينة، وينمي الأحقاد ويوسع دائرة الخلاف.

ولهذا نجد الشامي يهتف دائماً في آذان الزمن «سأروي ما حدث كما عاينته وشاهدته.. وأترك الحكم له أو عليه للتاريخ»([11])، وذلك «لأن التاريخ معرض أعمال البشر حميدها، وذميمها، فالإنسان هو التاريخ عارضاً ومعروضاً، كاتباً ومكتوباً»([12])، فالتشفي والسخرية من أحداث بعينها مصطلحات لا وجود لها في قاموس الشامي النقدي.

إن أحداث التاريخ ومعطياته ملك للجميع وتراث تتناقله الأجيال لأخذ العبرة والاستفادة من تجارب الآخرين وطرق تعاملهم مع مستجدات الحياة وتقلباتها ومن الخطأ تجاهل أحداث قد وَقعَتْ حضورها على صفحات الزمان والمكان، وأصبحت تراثاً خالداً، وجزءاً لا يتجزأ من وجود الإنسان ومسيرته التاريخية.

وها هو الشامي يواصل توجيهاته النقدية لكل باحث وناشد للحقيقة ويدعو إلى احترام كل أحداث ووقائع التاريخ لأنها قد أصبحت تراثاً إنسانياً لا يعترف بالحدود والقيود قائلاً: «قد أصبح ما كان ملكاً للتاريخ..» ([13]).

ومن هنا يكون الشامي قد أحاط منهج كتابة التاريخ ونقده بسياج منيع من القواعد والأصول والتي تؤسس لنظرية نقدية جديدة في أصول ومناهج البحث التاريخي، وليس مجرد التجميع لمعطيات الأحداث ودلالاتها التاريخية.

إن الرؤية المستقبلية لكتابة التاريخ والتي تنبأ الشامي بمنهجيتها المحورة تؤكد ذلك الحس التاريخي الذي تميز به الشامي وتؤكد تلك الروح الوطنية التي تمتع بها صاحبنا حتى وهو بعيد عن وطنه فلا يزال هاجس الوطن وحب الثورة والدفاع عن أهدافها ورجالاتها وآدابها يؤرق بال الشامي ويدفعه إلى وضع الأصول والقواعد النقدية التي يجب أن يرتكز عليها البحث التاريخي في توثيقه لوقائع وأحداث حقبة زمنية كان لها دورها الرئيسي في تغيير مجريات الأمور وتأسيس النظام الجمهوري في يمن الحكمة والإيمان.

تأصيل تاريخ الأدب اليمني:

لا توجد مقاومة تتحدى الصعاب في سبيل تحقيق أهدافها وانتصار القضية التي تؤمن بها، دون أن يكون لها أدب يتناول قضاياها ويشدو بآلامها وآمالها، ورجال يقومون على هذا الجانب، لا يقلون شأناً عن أولئك الذين يحملون أرواحهم على أكفهم في ميادين التضحية والنضال.

ولا يقل شأن الاهتمام بهذا الأدب ورجاله عن الاهتمام بتاريخ الثورة وفلسفتها لأن هذا الأدب هو الترجمان الوحيد والمنبر العالي الذي تنطلق منه الكلمة الثائرة، والقصيدة الحماسية الملتهبة التي تثير حماية الجماهير وعاطفتهم وتخطب ودهم، وتكشف زيف الخصوم وظلمهم.

والثورة اليمنية شأنها شأن غيرها من الثورات كان لها رجالها ولها آدابها وتراثها – لا سيما ورجالها كانوا في أغلبهم من حملة العلم ومشاعل الفكر والآداب والمعارف العصرية – وكل إهمال أو تجاهل لأدب المواجهة وتراثها – نصاً وشخصاً – يُعَدُّ في حقيقته اعتداء صارخ على قداسة الثورة ودماء الشهداء الزكية.

وهذا ما دفع بالشامي إلى تصحيح ما ورد من أدب المواجهة في بعض المؤلفات التي تناولت هذا الجانب من الأدب من أمثال كتاب «الشعر المعاصر في اليمن» تأليف الدكتور المرحوم عز الدين إسماعيل وغيره من الكتب.

فقد قام الشامي بتصحيح نسبة بعض القصائد إلى أصحابها وتعديل تاريخ كتابتها وأسباب نشأتها وتحديد زمان ومكان إلقائها وبشكل دقيق، وهذه خدمة كبيرة وعمل جبار يحسب للشامي في ميزان دفاعه المقدس عن أدب السعيدة وتراثها الفكري ولم يقتصر اهتمام الشامي على توثيق وتصحيح تاريخ أدب المواجهة فقط بل امتد به المجال إلى ملاحظة وتوثيق تاريخ الأدب في اليمن قديماً وحديثاً وفق رؤية نقدية تتخذ من الصدق التاريخي والأمانة شعاراً لها في إثبات الحقائق والأحداث.

لقد بدأ هاجس التوثيق لآداب السعيدة وتراثها قديماً وحديثاً يؤرق بال الشامي منذ عام 1948م وتحديداً بعد فشل حركة الدستور.. وذلك عندما توجه الشامي مع قافلة الأحرار إلى معتقل قاهرة حجة، وهناك اجتمع الشامي مع كوكبة من خيرة شباب اليمن.. وكانت هذه الكوكبة تضم بين جوانحها خليطاً غير متجانس من العلماء والأدباء والشعراء والمفكرين، وفي هذا الجو الممتلئ بالأحزان والأشجان.. امتزجت الأهواء وتلاقحت الأفكار والرؤى فأثمرت فكراً نيراً وعلماً ناضجاً.. استوعب خيرة أمهات الكتب في التفسير والفقه والأصول والفلسفة وعلوم اللغة من نحو وبلاغة، واستطاع هؤلاء الشباب أن يهضموا كل تلك العلوم ويستوعبوا كل ما ورد فيها، بل وينقدوا وبشكل منهجي بعض الأفكار والآراء الواردة هنا أو هناك.

وكان من أكثر هؤلاء الشباب الأحرار تركيزاً وأبعدهم نظراً المرحوم أحمد الشامي، فقد استطاع أن يستشفِ ذلك الإهمال – المتعمد أو غير المتعمد – لذكر اليمن وآدابها، وعدم التطرق لذكرها على ألسنة رواد النهضة الأدبية في تلك الحقبة الزمنية بالذات.

وهذا ما أورده الشامي بصريح العبارة وهو يوثق لمرحلة تاريخية مهمة في حياة الثورة والثوار.. مرحلة السجن والاعتقال في معتقل قاهرة حجة، بقوله: «وكنت أثناء تلك الدراسة ألاحظ أن الذين أرَّخوا لآداب العرب، أو كتبوا عنها من المحدثين أمثال الرافعي والزيَّات وأحمد أمين وزكي مبارك وطه حسين وجرجي زيدان، لا يتكلمون عن علماء وأدباء وشعراء اليمن ولا يتعرضون لذكرهم إلاَّ نادراً.

ولا سيما إذا تجاوزوا العصر الجاهلي وفترة صدر الإسلام وأوائل العهد الأموي، وهبطوا إلى العصر العباسي فنازلاً»([14]).

إذا كان هؤلاء هم رواد النهضة الأدبية في بلاد العرب..

وإذا كان هذا هو حظ اليمن وأدبها وتراثها في كتبهم ومدوناتهم.

فإن هذا يؤذن بكارثة كبيرة تعني في مضمونها ضياع تاريخ بلد بأكمله لأننا نعلم يقيناً أن آداب الشعوب وأشعارها تعتبر مصدراً أساسياً من مصادر كتابة التاريخ وتدوين أحداثه.

وإذا كان الشعر ديوان العرب تذكر فيه مآثرها ومفاخرها، وأيامها فإن الأدب بشكل عام يُعَدّ هو الآخر لبّ تاريخها الثقافي وضياعه يعني ضياع الهوية الثقافية وبالتالي ضياع الهوية التاريخية.

لقد أصبحت اليمن بهذا المنظور الخاطئ لدى أدباء عصر النهضة عبارة عن صحراء قاحلة لا تحمل سوى الموت الزعاف لمن يقترب منها.

«حتى لا نكاد نعرف عن اليمن إلاَّ أنها مقبرة الأتراك»([15]).

ومن هنا فلا عجب أن «نستمع إلى عميد الأدب العربي في جامعة فؤاد (القاهرة) يحاضر طلابه ويتساءل «وهل لليمن شعر أو أدب عربي في الجاهلية أو صدر الإسلام»([16]).

هذا ما حصل فعلاً لتاريخ اليمن الأدبي، وهذا مما زاد من هم الشامي الوطني ودفعه إلى بذل الجهد في سبيل تصحيح هذا المفهوم الخاطئ لمسيرة اليمن الأدبية وتراثها الخالد عبر التاريخ قديماً وحديثاً.

وهذا يفسر لنا حرص الشامي على تدوين وتسجيل كل ما وقع في يده من نصوص أدبية شعراً أو نثراً وهو في سجن قاهرة حجة، وهذا في حد ذاته يعتبر خطوة إيجابية هامة في سبيل إنقاذ آداب اليمن وتراثها من الضياع والحفاظ على معالم هويتها الثقافية من الاندحار أمام زحف جيوش النسيان والإهمال ومحاولتها طمس تلك المعالم ومحو محاسنها.

لقد اتخذت ذلك الإهمال لذكر آداب اليمن بعد الإسلام صيغة التعميم وغدا سمة يتوارثها الأدباء والكتاب ولا نجد هناك من يدافع عن اليمن بين أبنائها أو بين المنصفين من أدباء العرب ومفكريهم.

لقد عاش هذا الهم الأدبي وترعرع مع الشامي منذ فترة مبكرة من مسيرته النضالية حتى إذا كان عام 1955م تم تعيين الشامي عضواً في وفد اليمن في الجامعة العربية.

وهناك بدأ الشامي في استثمار تلك الفرصة وبدأ بالتعريف بتاريخ آداب اليمن وألقى عدة محاضرات تعرف بآداب اليمن ومسيرتها التاريخية.

ولعل الحدث الهام الذي أنجزه الشامي في تلك المرحلة يتمثل في التقائه بعميد الأدب العربي الدكتور (طه حسين) وتعريفه بالأخطاء التي تبناها في كتابه «الشعر الجاهلي» وقد سعى الشامي إلى عرض البراهين والأدلة التي توضح وتؤكد أن اليمن كان ذا نصيب لا يستهان به من الآداب والمعارف وليس من الوقت الحاضر فقط ولكن منذ بداية التاريخ الأدبي للشعوب العربية وهذا ما دفع بالدكتور طه حسين إلى الاعتذار والتصريح بأنه لم يعد يعتقد حرفاً مما كتب.

لقد حرص الشامي على توثيق آداب اليمن وتمحيص نسبتها التاريخية وتحسين صورتها في أعين الآخرين وفق أسلوب نقدي دقيق، وهذا ما يتجلى واضحاً في كتابه المعروف «قصة الأدب في اليمن» والذي صدر عام 1965م كمحاولة أولية جادة في سبيل إنقاذ تاريخ اليمن الأدبي.

هذا وقد أوضح فيه سبب تدوين الكتاب والدافع إلى نشره بقوله في مقدمة الكتاب: «لعل الأدب اليمني هو الأدب الوحيد بين آداب اللغة العربية الذي لم يعن به الأدباء.. لا أقوال العناية التامة، بل حتى ولا القليل منها، لا من قِبَل أدباء اليمن، ولا من قبل أدباء العربية ومؤرخي آدابها في الأقطار الأخرى..»([17]).

لقد كان الشامي كثير الإطلاع على آداب الشعوب العربية، وشديد الحرص على متابعة وقراءة كل جديد من العلوم الأدبية والنقدية لرواد النهضة الأدبية العربية، ولكنه كان يصاب بخيبة أمل عندما لا يجد ذكراً لليمن ولا لآدابها بين سلسلة الآداب المذكورة والمدونة هنا أو هناك.

وإن كانت تلوح في الأفق بارقة أمل تومض من بعيد تمثلت في مجموعة من الإصدارات المحلية قام بها مجموعة من مفكري اليمن وآدبائها أمثال (حسين الويسي – عبدالله الشماحي – حسين الهمداني – عبدالله البردوني – زيد الوزير – أحمد شرف الدين – عبدالله الثور – الدكتور عبدالعزيز المقالح..)، وغيرهم من أدباء العرب، ولكن ذلك لم يكشف ستار العزلة والتجاهل عن آداب اليمن، وهذا ما دفع بالشامي إلى القول: «ومع كل ذلك فكلما قرأت كتاباً يُعْنَى بتاريخ آداب العرب بعد الإسلام سمعت صوتاً صارخاًً من أعماقي يقول: وأين آداب اليمن؟»([18]).

لقد استطاع الشامي أن يوضح الصورة المجهولة للأدب العربي في اليمن وذلك من خلال فصول كتابه القيّم «قصة الأدب في اليمن».. ومساهمته في تأليف كتاب جامعة كمبردج عن «تاريخ الأدب العربي» فيما يتعلق بآداب اليمن وخصوصاً الحقبة الزمنية الممتدة من 113هـ إلى 656هـ، وهو جهد كبير لا يستهان به.

ومن الملاحظ على كتابات الشامي الأدبية والفكرية ارتباط مفهوم النقد فيها بالتاريخ حتى غدا ذلك طابعاً رئيسياً وصفة مميزة لأكثر كتاباته.

وفي هذا إيحاء عميق ودلالة واضحة على تجلي ذلك الحس التاريخي الفريد الذي ألهم الشامي ودفعه إلى تقصي الحقائق وإثباتها بصورة نقية خالصة من الشوائب لا لشيء، وإنما خدمة للأجيال والتاريخ.

إن تلك الازدواجية الثنائية فيما بين النقد والتاريخ في مؤلفات الشامي توحي بمنهجية صاحبها العلمية الدقيقة والحريصة على منح ما تملك مصداقية مدعمة بالوثائق والأدلة حتى يُقدِّمَ صورة واضحة عن تاريخ بلد أحبه وبذل في سبيله وقته وجهده وروحه.

وهذه بعض مؤلفات الشامي في مجال التاريخ الأدبي مرتبة حسب تاريخ صدورها:-

1- قصة الأدب في اليمن، دراسات وتاريخ ط/1965م.

2- من الأدب اليمني نقد وتاريخ ط/1974م.

3-   جناية الأكوع على ذخائر الهمداني نقد وتاريخ ط/1980م.

4-   مع الشعر المعاصر في اليمن نقد وتاريخ ط/1984م.

5- شعراء اليمن في الجاهلية والإسلام، ج1 ط/1986م.

6- تاريخ اليمن الفكري، 4 مجلدات ط/1987م.

هذه بعض مؤلفات الشامي النقدية والتي عنت بدراسة وتوثيق التاريخ الأدبي لليمن وتصحيح النظرة الخاطئة عنه، محلياً وعالمياً.

لقد دعى الشامي في كل كتاباته إلى التحلي بالأمانة في النقل والتحقق من صحة المعلومة زماناً ومكاناً ومادة قبل الشروع في توثيقها ونشرها.

ويكفي أن نطالع كتابه «مع الشعر المعاصر في اليمن نقد وتاريخ» لنكتشف تلك المعركة التي خاضها الشامي وحمل أعباءها وهو يصحح تلك الأخطاء التاريخية التي وقع فيها الدكتور عز الدين إسماعيل، وهو يوثق لتاريخ اليمن، سواء أكانت تلك الأخطاء زمانية من حيث الخلط في تواريخ بعض القصائد، أو مكانية من حيث نسبتها إلى غير مكانها الذي قيلت فيه، أو من حيث الملكية ونسبتها لغير قائلها، وسواء أكانت تلك الأغاليط التي وقع فيها المرحوم الدكتور عز الدين إسماعيل متعمدة أو لأسباب أخرى كالجهل ونحوه، فإن الشامي قد وضع قاعدة نقدية جديرة بالاهتمام تدعو إلى عدم التأثر بالحدث أو المادة المعروضة أو العوامل المؤثرة وبشكل سطحي دون الغوص إلى الأعماق لأن المظاهر البراقة قد لا تقود إلى الحقيقة، ولكن إلى سراب وهمي ولهذا نجده يقول:

«على المؤرخ والناقد الحصيف أن لا ينفعل بالعوامل المؤقتة فيضفي صفات المجد والخلود على ما يرتضيه مزاجاً؛ لأن رياح الأقدار العاتية يدير تغيراتها خبير قدير..»([19]).

ولعل خير مثال على ذلك هو تصحيحه لمعلومات الدكتور عز الدين إسماعيل عن شعراء الإيقاظ الجماهيري في اليمن، حيث قام الدكتور عز الدين بتصنيف الشهيد زيد الموشكي ضمن المؤسسين والرواد لشعر الإيقاظ الجماهيري إلى جانب الشهيد محمد محمود الزبيري، مع أن شعر الموشكي لا يرتقي إلى مستوى شعر الزبيري جودة وتأثيراً، كما أنه أهمل ذكر أسماء مجموعة كبيرة من رجالات الأدب والثورة كانوا رواداً في شعر الإيقاظ الجماهيري حتى من قبل أن يوجد الزبيري والموشكي، من أمثال:

(أحمد الوريث – القاضي علي الشماحي – القاضي علي الإرياني – السيد أحمد المطاع – القاضي عبدالله العزي.. ) وغيرهم كثير.

كما دعى الشامي نظرياً إلى تحري الصدق والدقة عند سرد الحقائق التاريخية  سياسية كانت أو ثقافية لأن ذلك من وجهة نظره هو المعيار الحقيقي الذي يمنح ما يعرضه الكاتب مصداقية مدعمة بالدليل والحجة.

كما دعى الشامي إلى عدم الميل مع العواطف والأهواء، لأن ذلك يشوه صورة الحقيقة، ويطمس معالمها، وذلك انطلاقاً من مبدأ (لا محاباة في التاريخ).

ولعل تصحيحه لتواريخ إنشاء وإنشاد بعض القصائد التي أوردها الدكتور عز الدين إسماعيل في كتابه «الشعر المعاصر في اليمن» ينتظم ضمن الإطار التطبيقي لنظريته النقدية.

فقد صحح مثلاً تاريخ إنشاء قصيدة الزبيري الميمية والتي مطلعها:

سجل مكانك في التاريخ يا قلم * فها هنا تبعث الأجيال والأمم

حيث ذكر الدكتور عز الدين إسماعيل أن الشامي أنشد القصيدة السابقة في عدن في حفلة افتتاح الاتحاد اليمني لحزب الأحرار وذلك عام 1955م، وفي هذا قفزة تاريخية ومغالطة كبيرة؛ لأن القصيدة أنشدت عام 1944م في الجلسات الأولى لحزب الأحرار بمدينة التّواهي في مقر نادي الأغابرة([20]).

ولم يكتف الشامي بتصحيح الجوانب الزمانية لإنشاء وإنشاد الأدب في اليمن ولكنه تعدى ذلك إلى كشف الأكاذيب وفضح محاولات تزييف الأدب اليمني وخصوصاً أدب المواجهة عن طريق نسبة الأدب شعراً أو نثراً إلى غير قائله، ففضح تلك المحاولات وتصدى لها وهو يصرخ في آذان الزمن «أن الأكاذيب التاريخية لا تستطيع الصمود ولا تثبت أمام التحقيق والتدقيق..» ([21]).

وختاماً؛

فإن تاريخ اليمن السياسي والثقافي لم يسلم من تلك المزايدات وعمليات البتر والتحوير المتعمد وغير المتعمد، شأنه في ذلك شأن غيره من الآداب العالمية التي يكون للأيديولوجيات على اختلاف أشكالها تأثيرها وسلطتها عليه. وهذا مما يفسح المجال للشك والطعن في مصداقية هذا النوع من الأدب أو ذاك بل والتشكيك في صحة نسبتها وثبوتها تاريخياً.

ولهذا نجد الشامي وعلى امتداد مشواره النقدي لتوثيق تاريخ اليمن الأدبي يقول انطلاقاً من واقع تجربته وممارسته واطلاعه:

«لعله يجدر بي أن أشير إلى أن بعض المؤلفين المحدثين في تاريخ اليمن وقضيتها الوطنية قد زايدوا في بعض الروايات ولم يمحصوا ما تناقلوه منها، إن لم يكونوا قد اختلقوها ولذلك فلا يجوز في نظري الاعتماد على تلك الروايات عن الحركة الوطنية في اليمن دون نقد دراية وتمحيص للتحقيق من صحة ما رواه بعض أولئك المؤلفين»([22]).

لقد أمسك الشامي قلمه وهو يوثق تاريخ الماضي ولكنه ينظر بعين الحاضر، ويستشرف المستقبل، وكله أمل أن يأتي ولو بعد حين من يحمل راية القلم، ويتقدم بها إلى الأمام؛ ليدحر جحافل الجهل ويمسح عن تاريخنا غبار النسيان والإهمال.

 

 

([1]) رياح التغيير في اليمن. أحمد محمد الشامي ص 14 ط/1 1405هـ، 1984م.

([2]) انظر مواقف الشامي وردوده العنيفة على الدكتور البيضاني في كتابه «رياح التغيير في اليمن» للشامي، ص468 – 476، ص498 وما بعدها، إلخ.

([3]) محمد أحمد الشامي «رياح التغيير في اليمن» ص87/ط الأولى 1405هـ/1984م.

([4]) نفس المصدر ص96.

([5]) الشامي «رياح التغيير في اليمن» ص94، مصدر سابق.

([6]) الشامي «رياح التغيير في اليمن» ص95، مصدر سابق.

([7])  الدراية مصطلح من مصطلحات علم الحديث، وهو علم يعرف منه حقيقة الرواية وشروطها وأنواعها وأحكامها وحال الرواة وشرطهم وأصناف المرويات وما يتعلق بها.

      ((سليمان الحرشي وحسين الجمل ((معجم مصطلحات الحديث)). ص80 مكتبة العبيكان ط(1) 1417هـ/1996م.

([8]) «رياح التغيير في اليمن» ص97، مصدر سابق.

([9]) «رياح التغيير في اليمن» مصدر سابق،ص97.

([10]) «رياح التغيير» ص 88، مصدر سابق.

([11]) «رياح التغيير»، ص53. مصدر سابق.

([12]) عبدالله البردوني، اليمن الجمهوري ص5/ط السادسة 2008م طبعة شعبية.

([13]) رياح التغيير، ص87، مصدر سابق.

([14]) أحمد محمد الشامي، تاريخ اليمن الفكري، ص10، ط/...

([15]) الشامي، تاريخ اليمن الفكري، ص10، مصدر سابق.

([16]) تاريخ اليمن الفكري، مصدر سابق، ص10.

([17]) تاريخ اليمن الفكري، ص12، الشامي، مصدر سابق، ط/1987م.

([18]) الشامي، تاريخ اليمن الفكري، ص13، مصدر سابق، ط/1987م.

([19]) انظر تفصيل ذلك في كتابه الشامي «مع الشعر المعاصر في اليمن نقد وتاريخ»، ص30.

([20]) انظر تفصيل ذلك في كتاب الشامي (مع الشعر المعاصر في اليمن نقد وتاريخ).

([21]) الشامي/ رياح التغيير في اليمن، ص97، مصدر سابق.

([22]) الشامي/ مع الشعر المعاصر في اليمن نقد وتاريخ، ص24، مصدر سابق.

 

صحيفة الأمة " PDF "

روح الشعر

 

  عبدالحفيظ حسن الخزان   أنا طفلٌ يمنيٌ ظامي...
  معاذ الجنيد   البرُّ والبحرُ والأجواءُ...

فكر و نقد

فنون و تشكيل

لقاءات و استطلاعات ثقافية

عرض كتاب