المضمون الإسلامي في شعر أحمد محمد الشامي

 

 

 

 

عمر محمد العبسو

 

 

 

شاعريته :

 

عرفت اليمن في بداية الأربعينيات من القرن الماضي الشاعر الشاب أحمد محمد الشامي الذي ملأت قصائده الوطنية والرومانسية الساحة الأدبية والثقافية في اليمن .

 

الشاعر أحمد محمد الشامي من أوائل شعراء الوجدان في الشعر اليمني المعاصر، بل هو من أوائل الشعراء الشباب الذين تأثروا بالشعر الرومانسي العربي الذي ظهر في بداية النصف الأول من القرن الماضي .

 

ولم يكن هذا التيار الوجداني الرومانسي الذي ظهر في اليمن  عند قلة من الشعراء  إلا نتيجة طبيعية لتطور الشعر العربي الذي تأثر بالشعر الرومانسي الغربي وعن طريق المصحف والمجلات التي كانت تنشر روائع الشعر الغربي المترجم عن اللغتين جاءت الرومانسية بكل سماتها ومظاهرها الفنية إلى الشعر العربي المعاصر

 

فكان لقصائد إبراهيم ناجي ، وعلي محمود طه ، ومحمود حسن إسماعيل ، وغيرهم من شعراء مصر ولبنان أثر كبير في تطور الشعر الرومانسي المعاصر في الوطن العربي .

 

ونتيجة لهذا المد الرومانسي ظهرت في اليمن أصوات شابة وجدت في هذا النوع الجديد أرضاً خصبة للتعبير عما في نفوسهم الشابة المتطلعة إلى آفاق رحبة .

 

كما وجد هؤلاء الشباب المثقفون ضآلتهم التي طالما كانوا يبحثون عنها، ليخرجوا عن إطار التقليد في الشعر العربي عامة والشعر اليمني خاصة . ..

 

ووجد الشعراء أغراضاً متعددة للتعبير عما تحمله نفوسهم الطموحة ومشاعرهم الفياضة بالحب والعواطف الفياضة بالصدق والوفاء ..بعد أن كانت أغراض الشعر العربي قد توقفت عند حدود المدح والرثاء والتهنئات بالأعياد والمناسبات ..

 

وقد تطرق الشاعر أحمد الشامي إلى جميع تلك الأغراض التقليدية فمدح ورثى وهنأ في مناسبات دينية ووطنية .

 

ولكنه قد ضاق بمواضيع الشعر التقليدي فهو يحدثنا عن نفسه وهو لا يزال في ريعان الشباب .

 

قائلاً : ( في أعماقي شعر ، ولكنه شعر جديد ، جديد عن عالم الشعر المعهود، والجملة البيانية التي في قلبي أسمى من كل تعبير .. والكلمة الكبرى، مابرحت معشعشة في خبايا روحي، حروفها مشاعر مكفوفة معناها تاريخ ألم طويل ..) .

 ويعد الشامي واحداً من أوائل كتاب القصيدة الحديثة من بين الأدباء في اليمن.. وخاض سجالات فكرية مع العديد من المفكرين العرب بينهم الدكتور طه حسين مدافعا عن رصيد اليمن الشعري في العصر الجاهلي الذي تجاهله الدكتور طه  حسين في مؤلفاته

كما خاض سجالات نقدية مع الباحث محمد أحمد العقيلي مدافعاً عن يمنية الشاعر القاسم بن علي بن هتيمل .

 

ماذا قال الشامي عن نفسه : في ليلة تكريمه باثنينية الشيخ عبد المقصود خوجه

التلميذ والأستاذ :

أما التلميذ فهو محسوبكم وأما الشيخ فهو الأستاذ والمعلم - العالم الأديب الشاعر السيد عبد الكريم بن إبراهيم الأمير الذي رعى توجهي الأدبي قبل أن أبلغ وأتجاوز السابعة عشرة وقرأت عليه في النحو وفي الفقه وفي البلاغة وفي المعاني والبيان. وتدارست معه معظم دواوين الشعر العربي وأمهات وأصول الأدب والتاريخ ولعلي أجد من الواجب عليّ في ليلة تكريمي أن أتحدث عن هذا الأستاذ عبد الكريم الأمير الذي ولد سنة 1332ه ، وقرأ ودرس على علماء صنعاء حتى نال المكان المرموق وهو من ذرية الإمام العالم الكبير صاحب ( سبل السلام ) محمد بن إسماعيل الأمير . ويضيف الشامي عن أستاذه: كان آخر لقاء بيني وبينه في تدريسه مع تلاميذه عام 1363ه لان التلميذ سافر مع الرياح ، وتشرد ، وتمرد داخل المعتقلات ، ثم ساح في الأرض ، وظل حليف مجلس تدريسه وكتبه ، وتخرج على يديه أكابر وعلماء وأدباء اليمن من أمثال الشاعر عبد الله البردوني والدكتور عبد العزيز المقالح وكل أدباء الجيل تخرجوا على يد السيد عبد الكريم بن إبراهيم الأمير.. هذه البداية بدايتي كتلميذ يدرس العلوم العربية بالطريقة القديمة وعندما التحق زملائي بالمدرسة العلمية بقيت أدرس في المسجد كما كان يدرس آباؤنا. ويضيء الشامي جزءا من سيرته قائلا: كنت أدرس ما يدرسه القدماء ولا أدري إلى أين اتجه لأني ذكرت حياتي كلها في كتابي : ( رياح التغيير في اليمن ) .

ماذا قال الآخرون عن الشامي .. هذا الذي يتحدث عن شيخه وأستاذه بإجلال كبير:

يقول الأستاذ محمد حسين زيدان رحمه الله : الصديق الشامي تحدثت أعماله عن آماله لم يكن لطلب المادة وإنما كان طبعاً يستهديه هو أحد صناع الكلمة ومن عجبي أن يكون الشامي (يمنيا ً ).. انما أريد أن أتحدث عن اليمن.. أنا لا أقول اليمن السعيد بل أقول اليمن السعيدة فالانتماء إلى الأرض أحب إلى من الانتماء إلى التراب فهي اليمن السعيدة الخضراء , إن الحديث عن اليمن حديث عن العرب جميعا.

الأديب لا السياسي :

ويقول الأستاذ علي العمير الكاتب المعروف : تعرفت على أستاذنا الشامي شخصياً.. لقد كان يغمرني ويشملني بفضله.. أعرف عنه بعض الملامح ، وكنت أعرفه من كتابه ( قصة الأدب في اليمن ) قبل أن أتعرف عليه شخصيا.. في عام 1382ه رأيته أو لمحته في بهو فندق اليمامة بالرياض ، وعرفته من صورته.. رأيته منكباً على أوراق معه.. لا شك أنها أوراق سياسية فدعتني شقاوتي أن أتوجه إليه ، ولما وقفت أمامه سلمت عليه ، وقلت له : أنا فلان وأريد يا سيدي أن أسلم على السيد أحمد الشامي الأديب غير السياسي . لقد كان رغم الجدية الكاملة والوقار فهو يتمتع بروح الدعابة بشكل غريب جداً وهو رجل أديب وسياسي فيعيش في الأدب بروح السياسة.. ويضيف العمير لقد طلبت أن أعيد طباعة كتابه قصة الأدب في اليمن.. فأبدى موافقته بل لقد أرضى غروري إذ طلب مني كتابة مقدمة الطبعة الثانية لهذا الكتاب .

- يقول الأستاذ عباس الديلمي  : " أحمد الشامي عاش الحياة بكل معناها ، وكأنها قد تجمعت فيه امة بأكملها ونوادر هم الرجال الذين مروا بتجاربه في الحياة.. فهو من عاش في الخيمة والقصر، في الكهف وفنادق الخمسة نجوم، وعرف الأغلال والقفازات الحريرية، كما عرف الصداقات والعداوات بكل معانيها حتى صار من اعرف الناس بالعدو العاقل والصديق الجاهل.

ومن يستقرئ حياة هذا الرجل (ورياح التغيير) التي عاصرها وتجاذبته يجد ان هذا الرجل خبر الحياة بحواسه الست واستخدم بشكل جيد كل ما في الإنسان من ردود فعل عاطفية في الحب ، والكراهية ، الغضب ، الغيرة ، الطرب.. الخ.

تغزل في مشرب النرجيلة ( المداعة ) وهو يلامس شفتي الجميلة في نزل ( مقهاية شعبية ) في منطقة ريفية ، وقال الغزل الجميل في (مايو السباحة) فوق مليحة مترفه في «اللنج بتش» بعاصمة الجمال بيروت. وغاص في بحر التاريخ، والبحث والنقد.. كما غاص في بحر الكلمة والجمال وحمل معه اليمن أينما ذهب، وجعل من مفهوم حبه لها معياراً لصداقاته وعداواته حتى وهو يقارع الكبار أمثال طه حسين ومن في قامته ، ومن هم دون ذلك .

- أما الدكتور عائض الردادي فقد قال عنه : عرك حياة اليمن السياسية وغياهب سجونها من أجل الإصلاح* وكَتَب كتابه عن ذلك (رياح التغيير في اليمن) ، كان يملك من الذكريات ما هو جدير بالتدوين* وبخاصة أنه ذو أسلوب أدبي* وهو شاهد على عصره من خلال الأحداث لا من حولها* ويعدّ كتابه هذا من أنفس ما ترك. كان ذواقة حتى في لباسه* متأدباً في حديثه* أنيساً في مجلسه* مبتسماً في معظم أحواله* صاحب طرفة راقية* غزير الانتاج الثقافي بالرغم من اشتغاله بالسياسة* ويعد نموذجاً لعلماء اليمن في زمانه .  

محطّات : 

- قرضَ الشعر وهو في الخامسة عشر من عمره

- كان رابع أربعة من دعاة الإصلاح ، ومن أبرز من شارك في ثورة 1948 م ، وقضى عدة سنوات في المعتقل السياسي على إثر فشل الثورة

   -- تزوّج مرتين وله ولدان و بنت

وابنه الأستاذ طارق الشامي رئيس الدائرة الإعلامية في حزب المؤتمر في اليمن .

- تقاعد من العمل السياسي ، وتفرغ للكتابة والتأليف منذ عام 1974

- الذين يعرفون " أحمد الشامي " السياسي ، والشاعر والمؤرخ والأديب قد لا يعرفون أنه ابتدأ فنانا يعزف على العود ويترنم بمعظم شعر الغناء الصنعاني

- نظراً لنهجهِ الأدبي الملتزم بخط سلفي يغور في تقصي الإرث الأدبي ويتبع التقاليد الأدبية القديمة خاض العديد من المعارك الأدبية والاختلافات مع الكثير من الأدباء والباحثين كان أشهرهم عبد العزيز المقالح وعبد الله البردوني

 

البعد القومي :

 

رغم العزلة الكاملة التي كان يعاني منها اليمن فقد كان الشاعر يتابع بنهم شديد أحداث أمته العربية ليستفيد من تلك الأحداث ، وهذا الشاعر أحمد محمد الشامي يسهم في تصوير الفرحة التي غمرت نفوس اليمنيين غداة إعلان جلاء القوات الفرنسية عن لبنان الشقيق ، وقصيدة الشامي في هذه المناسبة تكشف عن ثقافته المعاصرة ، فهو يتحدث فيها عن الثورة الفرنسية عن روسو وكتابه العقد الاجتماعي ويذكر كيف أن فرنسا قد خفرت تعاليم الثورة الرائدة وتنكرت لمبادئ ذلك المفكر العظيم :

 للعلى أم ليومه المشهود     أم لثواره أباة القيود

أصرخ اليوم بالقوافي وأشدو   خاشع الفكر ممعناً في السجود

ومنها :

إن يكن مشعل العدالة قد أذ      كته باريس منذ عهد بعيد

فبنوها الأولى حطموا العدل    وساموا الأحرار سوم العبيد

أين روسو وأين ما حررته     كفه من مبادئ وعقود

أنكرتها باريس في سفح بيروت   وعاشت بها فيا للجحود

وفي وفاة المجاهد والزعيم التونسي عبد العزيز الثعالبي لا ينسى الشامي في قصيدة التأبين أن يعرج على الصلات الأخوية العربية التي تربط بين أبناء الأمة العربية الواحدة في مشرق الوطن العربي ومغربه ، وبالخصوص نحو تونس الشقيقة المناضلة الواقعة – حينذاك تحت السيطرة الاستعمارية :

إيه يا تونس العزيزة آلامك       في ربعنا تؤج لظاها

لست بالحامل المصاب وحيداً    كل شعب بالخطب حاد وتاها

تعست أمة تضيع آثار       صناديد غابها وحماها

لا ترى للأبطال حقاً وإن ماتوا     ضحايا فخارها وعلاها

كم عظيم قضى ولم يلق تقديراً    لأعماله ولا حاز جاها

أمة لا تقدس البطولة لا تبقى       وحتم بأن تلاقي مناها – الشعر المعاصر في اليمن : 78 ، 79 .

ويعدد الشاعر صفات الفقيد الذي توفي عام 1944 م فأنشأ أحمد محمد الشامي قصيدة طويلة في تأبين الثعالبي بعدن يقول فيها مخاطباً الفقيد :

كنت تبني لها فخاراً ومجداً    كنت في كل نكبة ترعاها

طالما صحت بالعروبة تستنهض آمالها وتحيى مناها

تربط الشام والعراق بنجد    ولصنعا تدعو الحجاز أخاها

غب كما غابت الشموس فقد خلّدت مجداً ومحتداً لا يضاهى

وإذا ما لقيت سيد عدنان      فحدث عن يعرب وشقاها

قل له أمة العروبة ضاعت    بعد ما ضاع دينها وعلاها

وبنو يعرب أقاموا على الضيم وسادت على البلاد عداها

سيمت الخسف فارتضته مع الجهل وغطت موهونة في كراها – من اليمن : ص 177

فالشاعر هنا يبكي واحداً من قادة النهضة في العالم العربي ودعاة التحرير وبناة المجد فقد ناضل في مقاومة الاستعمار في تونس وجاهر بطلب الحرية لبلاده ، واشترك في الحركات الوطنية لمقاومة الاستعمار في عدة أقطار عربية .

البعد الوطني :

والغربة عند الشامي هي غربة فكرية ومكانية ، ففي قصيدة ( ندم ) بما تتركه مفرداتها من أصداء وإيحاءات عن الرجوع ، والتوبة ، والطين ، والجنون ، والنزق ، والحماقة ، والخيال الجامح ، والوهم الكذوب ، وجهالة المصير ، هذه القصيدة بدلالاتها المختلفة أكثر القصائد اغترابية بالمفهوم الذي وضعناه للاغتراب الأول :

لا قد رجعت إلى الصواب

وتلك غضبة ثائر

نزقت عواطفه فهاجت ثورة

عمياء طائشة كبركان غضوب

يا ويحها ..

لم ترع حرمة ذلك الحب الطهور

قطعت وآذت قدس حرمته

وعاثت بالمشاعر والقلوب

يا للجنون ..أأحمق أنا ؟

كيف طار بي الخيال ...؟

الجامح المجنون ..بل كيف استفز خواطري

وطغى بي الوهم الكذوب

يا للجهالة ..في مجال مظلم

أرسلت أفكاري وهمت وراءها ..

أعدو ..ولا أدري المصير

وهل بما أهوى أأوب ؟ - النفس الأول : ص 56 .

الشاعر النادم ، الراجع يثور ويتمزق لماذا ؟ هاهو ذا يتحدث عن العودة إلى الصواب بعد رحلة الطيش والوهم الكذوب أية عودة يعني ؟ وأية رحلة طائشة قام بها ، لقد كان سجيناً يجوب أنحاء المعتقل الصغير في أشرف رحلة يقوم بها إنسان ، هل كان لا يدري بأنه سيواجه نفس المصير ؟

كان الوطنيون يتصورون أن طريق الثورة مفروش بالزهور ؟ وفي قصيدة أخرى من النوع العمودي تتعزز صورة هذا الاغتراب الذي تزيده الغربة المكانية والبعد عن الأهل مع قربهم عنفاً وحدة :

إلى من أبث الشجو ؟ قلبي موجع    ونفسي في نيران يأسي وخيبتي

قطعت حياتي تائها أجرع الأسى    ضروباً وأشقى في ميامي ويقظتي

وأنقذ أيامي بكاء ولوعة        وأسكبها في شعر بؤسي وشقوتي

وأجري وراء الوهم حيران استقي     كؤوس الفنا من كف تيهي وحيرتي

وأغذي مرارات الخطوب وأشتوي   على جاحم من نار حزني وحسرتي

ولا صاحب إلا الدموع أذيلها      وإلا بقايا زفرة طي مهجتي

وأشلاء روح مزقتها همومها        وأنقاض نفس حطمت بالتشتت

إلى من أبث الشجو ؟ لم يشفني البكا    ولم تغن آهاتي ولم تجد زفرتي

خلقت شقياً مزق اليتم خافقي       صغيراً وأبلى الحب رسم شبيبتي

وألوت بي الأسفار شرقاً ومغرباً     ولم ترعني في أسرتي وأحبتي – النفس الأول : 105 .

هكذا عبر الشامي في سجنه الفاجع عن الغربتين الفكرية والمكانية وكان أكثر زملائه جرأة وشجاعة على رصد آلام السجن وأحزان المساجين ، وعن الكشف عن حالة الحيرة والضياع التي تستبد بمشاعرهم .

والشاعر أحمد محمد الشامي كان ما يزال قريب عهد بالسجن عندما تفجرت أحداث الانقلاب ، وقد وجد نفسه وسط حاشية البدر يعمل على تقويض الانقلاب بالقول والعمل ، وبعد سقوط الانقلاب بأيام كان يلقي بين يدي الإمام المنتصر قصيدته التي تحمل عنوان ( للتاريخ ) ومطلعها :

قف خاشع الطرف إجلالا وإكبارا      واخفض جبينك إذعاناً وإقرارا

ومنها :

ثبت وحدك في الميدان ممتطياً      عزماً لو انهارت الأفلاك ما انهارا

وفزت وحدك لم تترك لمجتهد    مجال عون ولا استنجدت أنصارا

وكانت الأرض قد قامت قيامتها    ودمدم الأفق أهوالاً وأخطارا

وأسرع البدر بالأجناد يحشدها     ويبعث الأسد من قحطان ثوارا

وصاح في القوم صوتاً ساقهم قدما   إليك يقتحمون الشر موارا

والبدر ليث وغى إذ أنت والده     وكنت أنت الذي رباه مغوارا

ويرسل الشامي قصيدة ضراعة وشكوى ممزوجتين بالنصح والإرشاد والتحذير من المنافقين والوشاة ، وقد كتبها في سجن حجة يقول فيها :

توقّ أحاديث الوشاة فإنها    أباطيل مكر أو أحابيل خدعة

أرادوا بها جمع الحطام ونكّبوا   عن الحق فيها والهدى والفضيلة

ولم يكسبوا منها سوى الاثم والخنا   على الدين وابتاعوا التقى بالرذيلة

وكم بائس أودوا به في شباكهم     وكم تعس ألقوه في قعر هوّة

وليس ببدع شأنهم فمحمد      أبوك تلقى منهم كل طعنة

وحذر منهم قومه ورماهم     نكالاً وتحذيراً بأخلد لعنة

فويل لمن يجني الحياة دميمة     وقد دنستها موبقات النميمة

فهذه القصيدة تمثل الحركة الإصلاحية في مراحلها الأولى وهي مرحلة الإصلاح عن طريق طريق الحكام القائمين بالأمر ، فكان المدح هو الوسيلة للإصلاح غير أن هذه الوسيلة لم تجد نفعاً ....

الشوق والحنين :

من كتاباته هذه الأبيات التي حفظتها الأجيال وراحت ترددها في مراحل عمرها

وتحكي عن حنينه للوطن :

لولا هواي البكر في عرصاتها

ما فاض دمعي عند ذكر صفاتها

بلد شبابي ماد بين غصونها

وطفولتي رقصت على همساتها

بلد دمي من عطرها ومشاعري

من نسجها وحشاشتي من ذاتها

بلدي حماك الله كم لك من يد

عندي أعيش على حساب هباتها

إن كان لي مجد فمن أفضالها

أو كان لي خير فمن حسناتها

تاريخك استعلى على نظرائه

كجبالك استعلت على أخواتها

ما الكون إلا نغمةٌ قدسية ال

ألحان أنت أحب مقطوعاتها

مدحي وتمجيدي وكل مشاعري

لك بل وأشعاري على علاتها

البعد الاجتماعي :

وتقدم إلينا قصيدة ( منافق يتلو القرآن ) للشاعر أحمد محمد الشامي صورة شعرية لمتدين مريض لم تستطع القيم الروحية التي يزخر بها القرآن أن ترتفع به عن حضيض الواقع الاجتماعي والسياسي المنحط ، كما تشير إلى أي مدى أساء الحاكمون باسم الدين والمتدينين حين يعتمدون في الحصول على معلوماتهم على أمثال هذا المنافق المستتر خلف مظاهر الصلاة والتلاوة ..

ومنافق لا يستجيب ضميره      إلا لصوت الإثم والبهتان

متفيهق بكلامه ، متشدق       ببيانه ، متعدد الألوان

وتراه يظهر للورى متبتلاً       متعبداً بتلاوة القرآن

لص يصلي في الظلام وفكره    يصطاد من حض الكرى بأمان

لو جاء عيسى والكليم وأحمد    لفراهم بخناجر العدوان

يا عابد الطغيان حسبك خسة    علمي بأنك عابد الطغيان

فاترك كلام الله لا تعبث به      واغرف بيانك من فم الشيطان – من اليمن : ص 118 .

وللشاعر نفسه قصيدة أخرى بعنوان ( ساعات عتاب ) وقد تجاوز العتاب فيها إلى الهجوم المرّ ، وتعدت السخرية إلى التبكيت العنيف ، وربما كان المبرر الوحيد للشاعر على ذلك الأسلوب الجارح أنه قد قصد من وراء عتابه المر استفزاز أقصى درجات الاستجابة في المشاعر النائمة على مظاهر القهر والتفرقة الاجتماعية :

من عذيري للأمة اليمنية      وهم في الوجود شر البرية

خلقوا للأغلال والسوط      والجلاد لا للدستور والحرية

يتبارون في مجاملة الظلم وتقديس الجهل والهمجية

ويوالون من يسومهم الخسف ويقضي على النفوس الأبية

قد عرضنا صحوا عليهم فقالوا    قد ألفنا الغيبوبة الأبدية

كلما جئناهم بعلم وفن       أقبلوا بالزوامل القبلية

وإذا رتلنا عليهم بياناً     أعرضوا ينشدون يا دود حية

وإذا قدمنا علاجاً لمسلول أبوه واستبدلوه بكيه

وإذا لوحنا لهم بكتاب     لوحوا بالعسيب والبندقية

شوهت في عقولهم صور الإسلام فهي الخضوع والطائفية

وهي تفريق الناس مذهب هذا   شافعي وذا من الزيدية

هم حالهم ضلالا وعيا       واختلافاً كأمة وثنية – إلياذة من صنعاء : ص 245 .

تربية الأطفال :

وكان الشاعر على جانب كبير من الحق عندما رأى أن السلام ، وكل عمران على الأرض يتوقف على تربية الأطفال هذه الصفحات النقية البيضاء التي تطبع عليها المدارس صورة المستقبل بأحلامه وآماله :

قل لمن ينشد السلام ويهوى       أن يرى الأرض جنة وظلالا

رمت شيئاً إذا ، وحاولت أمراً    ربما عده الأنام محالا

أنا لو كنت للأنام طبيباً        لأداوي داء الأنام العضالا

لنشرت الحنان والخير فيهم      ولهذبت فيهم الأطفالا

صفحات بيضاء يطبع فيها     كل ما صور المربي وقالا – ديوان النفس الأول : ص 61 .

البعد العاطفي :

شعر الشامي العاطفي يوحي بالقتامة والحزن والشيخوخة المبكرة ، وربما كانت قصيدة أقبل الليل من أكثر غزلياته بهجة ومرحاً رغم اللهيب والضرام وحنين النجوم وعويلها :

أقبل الليل : فهيا يا حبيبي        نفعم الكأس ونحسوها هناء

أقبل الليل فلم لا يا حياتي        تنفذ الليل حديثاً وغناء

أقبل الليل علينا سدفا       حجبت منا لهيباً وضراما

نحن ما بين دياجيه هوى     ثائر بل مهج تهفو غراما

آه هذا الفجر ينساب إلينا      مثلما تنساب أفعى في الظلام

فتعالي نودع الليل السرورا   والأماني وتباريح الهيام – النفس الأول : ص 18 .

 

وهو شاعر رومانسي الهوى ، ومن رومانسياته ، التي ألقته مكتوفاً بين الصخور محترق المشاعر ، كسير القلب :

أواه ها أنا في الظلام أنوح محترق الشعور

ودمي يضج من الهموم ، ومهجتي الحرى تفور

ومشاعري مكفوفة الرغبات تخبط كالضرير

وخواطري تهفو وراء أماني القلب الكسير

والكون غاف ، لا ضجيج ، ولا رقيب ، ولا سمير

لا مشفق يحنو علي ، ولا نصير ، ولا عشير

إلا فؤاد  دامي الزفرات ، أو دمع غزيز  - النفس الأول : ص 32 .

فن الرثاء في شعره :

ولم تكن مرثيات شعراء اليمن الإسلامية قاصرة على علماء ورجالات الفكر فيها فحسب ، بل إنها شملت علماء الإسلام ورواد الفكر الإسلامي المعاصر في بقاع شتى من العالم الإسلامي من أمثال : الشهيد حسن البنا في مصر ، والأستاذ أبي الأعلى المودودي في باكستان ، والأستاذ الفضيل الورتلاني في الجزائر ...وغيرهم ، فقد أشاد الشعر اليمني بجهاد هؤلاء ونوه بجهادهم في سبيل إعلاء كلمة الله والدين . ففي الذكرى الثالثة لاستشهاد الإمام حسن البنا تجود قريحة الشاعر أحمد محمد الشامي بقصيدة من أرق قصائد الشعر اليمني حينذاك وأقدرها على التصوير والبيان وأقواها حجة وبرهاناً .

والقصيدة طويلة وهذه بعض أبياتها :

يا يراع أصخ لذكرى إمام            عاش مستبسلاً ومات شهيدا

جسمته إرادة الله للحق             مثالاً وقائداً صنديدا

كان صوتاً علت به دعوة الدين تشق الدجى وتفري السدودا

صوت حق تفزعت خيفة منه عرو        ش وأوشكت أن تميدا

صوت هدى أصغت إليه البرايا       تستقي منه حلمها المنشودا

فجرته السماء ينبوع نور      لبني الأرض لم يزل مورودا

فهذا الإمام عاش في حياته شجاعاً صنديدا ، ومات شهيداً حميدا ، إنه بدد بنور دعوته ظلام الجاهلية ، ودكَّ الحدود المصطنعة ، والأسوار المنيعة التي سُجن بها المسلمون ، أطلق الإمام البنا صيحة الحق فدكت عروش الطغاة ، إنه صوت الرشاد والحق والهدى الذي أنصتت إليه الكائنات وراحت ترتشف من رحيقه ، ولكن هذا الإمام لم يسلم من الأذى ، حيث تآمرت عليه وعلى حركته المباركة قوى الشر في الشرق والغرب :

خنقته كفّ الضلالة غدراً         فمضى سافر الجلال حميدا

حول جثمانه ملائكة الرحمة         تبكي إحسانه المحمودا

يا لها من جريمة لغشوم        كان للبغي والضلال عميدا

نصبته إرادة الشرك للإسلا         م فخّاً يطارد التوحيدا

فتمطى على العقول ظلاماً         وتعدى على المحارم سيدا

وتحدى إرادة الشعب والدين وغل النهى وأدمى الجلودا

حطمت خسة الطواغيت سيفاً      كان في مهجة الخنا مغمودا

وأراقت دماً زكياً وأبلت        مِقولاً صارماً ورأياً سديدا – ديوان من اليمن : ص 186 .

ويشيع نعش الإمام تحفه ملائكة الرحمة ، بعد أن منع أتباعه من المشي خلف جنازته ، فشيعه والده الشيخ العجوز ، وأفراد الأسرة ، ولم يسمح إلا لمكرم عبيد في المشاركة لأنه مسيحي يحب الإمام ، ويصور الشاعر حال والده ، وحال اليتامى بعد رحيل الإمام :

وقلوب الأيتام تهفو عليه        حسرة تندب السنا الموءودا

وخطى الشيخ ذاهلات        وعينان تريقان قلبه المفؤودا

ناظراً نعش ابنه في أكف الظلم    يُدمي مشاعراً وكبودا

وارتقى فكره على معبر الآلام     يسمو نحو السماء صعودا

ويهاجم عصبة الظلم ، ويطلب منهم أن يغيروا شريعة الطغيان ، فحياة القيود لم تعد تنفع ، وسقطت ربوبية الفراعنة ، فليعتبروا بمصير الملك فاروق ، الذي طرد غير مأسوف عليه ، ولاحقته لعنة الشعب :

أيها الظالمون قد مات عهد الظلم     فاستبدلوا شعاراً جديدا

شرعة القيد لم تعد ترهب الناس     ولكن يبلونها تفنيدا

والقوي الجبّار لم يبق ربّاً         مبدئاً في رقيقه ومعيدا

والسلالات قد خوت بالمساواة      وأضحى الورى عليها شهودا

إنها حكمة الشريعة تأبى          أن ترى الناس سيداً ومسودا

فاهبطوا من عروشكم واسكبوا الماضي دموعاً وحسرة وسجودا

واجرعوا الذلّ من كؤوس عصرتم    خمرها مرّة ً وموتوا عبيدا

لكم في الفاروق عبرة جان ٍ      ضلّ في أمره ضلالاً بعيدا

أسلمته الحظوظ للملك طفلاً       فاجتنى غصنه الرطيب وليدا

وتوالت أيامه ولياليه        عرايا يُردْنَه ُ .. أن يريدا

لا يبالي الحياة ..إلا نعيماً      وسروراً ولذّة ً وسعودا

والجماهير حوله يتفانون       هتافاً في حبّه ، وقصيدا

والألبّاء يشعلون الدم الغالي    لهيباً ..فيحرقون الوجودا

والملايين من بني الشعب في     ضنك يقاسون البؤس والتنكيدا

أيها الفجر صغ سناك زهوراً      عطرات الشذى ودراً نضيدا

ينبغي أن نعلم أن تذكر الشاعر للإمام حسن البنا لم تكن وراءه دوافع قومية وأغراض سياسية ، لقد كان حسن البنا بحق هو رجل هذه المرحلة يشهد بذلك أصدقاؤه وخصومه على السواء ، كان داعياً إسلامياً ناجحاً ومرشداً ربانياً ملهماً ، ومن هنا جاءت قصيدة الشامي تحمل بعض سماته التي كانت مثار إعجاب كثير من الشعراء والكتاب في العالم الإسلامي – الشعر اليمني المعاصر : أحمد قاسم علي المخلافي : ص 242 ، 243 .

تعزية الموشكي :

وللشاعر أحمد الشامي مقطوعة أخرى بعنوان تعزية أهداها إلى الأستاذ زيد الموشكي مبيناً فيها تأثره البالغ لهدم حكام اليمن داره ومبدياً إعجابه بكفاحه وتضحيته يقول فيها مخاطباً الموشكي ومعرضاً بالإمام :

أيثور محتداً عليك مهدماً   بيتاً هو الركن المحبب والحمى

لم يخش رباً في السماء ولا رعى   حقاً ولا صان الذمار ولا استحى

هدم الفضيلة واستباح حرامها    وطغى على دين الحنيفة واعتدى

يا أيها الجبار مهلاً إنما     هدّمت مجدك والكرامة والعلا

أصبحت بين العالمين عجيبة   باللؤم توصف والخديعة والشقا

ما تلك أحجاراً ولكن أنفساً     ستريك يوماً كيف تسحق من عتا

هدمتها لا بل أثرت شعورها    لتهبّ من ليل الجهالة والكرى – شعراء اليمن المعاصرون : هلال ناجي : ص 91 .

ففي هذه القصيدة روح إسلامية واضحة المعالم ، وفيها هجوم عنيف يدل على أن مرحلة الصراع العلني بين الحكومة والمعارضين كانت قد بدأت فعلاً وأن المعارضين لم يعودوا يطمحون بالإصلاح عن طريق الأئمة .

رثاء الوريث :

ففي عام 1940م انتقل إلى رحمة الله الأستاذ المجاهد أحمد عبد الوهاب الوريث صاحب مجلة الحكمة فرثاه الشاعر أحمد محمد الشامي بقصيدة همزية كانت من أوائل محاولات الشامي الشعرية وكان الوريث من رواد الفكر الإسلامي المعاصر في اليمن وزعيماً من زعماء الإصلاح الحديثة ولهذا جاءت المرثاة معبرة عما يجيش في صدور وضمائر اليمنيين جميعاً نحو هذا الفقيد الغالي :

وهذه بعض أبيات المرثاة :

يا بن الوريث عن الشعر هاك الرثاء

لو استطاعت أبانت       عن حزنها الفصحاء

كانت إليك تولّي       وجوهها الضعفاء

والظالمون يخافو     ن منك والسفهاء

وكنت تزحف ثبتاً     وفي يديك اللواء

بحكمة واتزان      وحولك الأولياء

تدعو إلى كل خير     كما دعا الأنبياء

واليوم قد خمد الصو    ت واستحال الضياء

يا بن الوريث ابتهال    صلاتك والدعاء

في الخلد فانعم سعيداً   لنا سيبقى الشقاء – من اليمن : ص 190 .

والأبيات على الرغم من بساطة تعبيرها وضعف تراكيبها إلا أنها تحمل أفكاراً سامية ومعاني ذات دلالات مؤثرة وهي تؤدي الغرض منها بين عامة الناس على خير وجه ، ويكفي أن نعلم أن الوريث ظل وفياً لشعبه وأمته طيلة حياته ومات شاهراً قلمه داعياً إلى الخير ومحارباً لنوازع الشر .

البعد الإسلامي في شعره :

الشاعر أحمد محمد الشامي له قصيدة بعنوان ( محمد رسول الله ) أنشدها في حفلة لذكرى المولد النبوي بعدن عام 1944 م بين فيها حال البشرية قبل بعثته صلى الله عليه وسلم – وما كانت تعانيه من آلام الجهل والظلم والبؤس والشقاء فجاءها محمد – صلى الله عليه وسلم – هادياً ومرشداً ، شعاره العدل والشورى والمساواة بين أبناء البشر في الحقوق والواجبات ونال عليه السلام في سبيل ذلك أنواع الأذى فصبر واحتسب ذلك وثبت كالطود العظيم فكان جزاؤه النصر والعزة والتمكين في الدنيا والثواب والحمد في الآخرة :

يا منقذ الإنسان من آلامه     بالخير والحق الذي يهواه

الكون كان بجهله في ظلمة   إنسانه لا يستبين خطاه

ضلت مسالكه على رواده     فتعثروا متسكعين وتاهوا

قد كنت مرشده الأمين إلى الهدى ودليل حائره وكنت سناه

وأبنتها سماء لا عوج ولا     أمت ولا ظلم ولا إكراه

العدل والشورى شعار دعاتها    والحق فيها لا يباح حماه

والناس في دستورها لا عنصر    يسمو بفرد منهم أو جاه

والأمر لا إرث يوزع أسهماً   فيناله السفهاء والأشباه

والمال كسب لا يضر وربه      يشقى به إلا إذا زكاه

أذيتَ لما قمت تدعو صابراً    الله محتسباً تريد رضاه

وثبت كالطود الأشم وهكذا الرجل العظيم ثباته سيماه

وصبرت تستلقي الحوادث باسماً والصبر تحمد في الورى عقباه

صفحاً رسول الله إنا معشر    حادوا عن الحق القويم وتاهوا

لو قمت راعتك الحياة وظلمها والأرض والعيش الذي تحياه

زنديقها نبراس كل فضيلة    وجهولها المتعبد الأواه

وسفيهها اللبق الذكي ولصها   الحامي الأمين وناسها الأشباه

كنا هداة العالمين شعارنا الحق القراح وهديه وسناه

واليوم لو بعث النبي لراعه    أنا أضعنا دينه وهداه – من اليمن : ص 14 .

فالقصيدة دعوة إلى الحق والخير والاستقامة على هدى رسول الله والعودة إلى تاريخنا وأمجادنا لكي ترتفع راية العرب والمسلمين خفاقة كما كانت ، وهذه كلها معان إسلامية صحيحة .

الأخلاق الإسلامية :

ولما كان العفو من القيم الإسلامية الرفيعة فقد عالجه الأستاذ أحمد محمد الشامي معالجة تاريخية في قصيدة ( الإسلام والعفو ) وقد اتخذ الشاعر من بعض مواقف الرسول – صلى الله عليه وسلم – التي ضرب فيها المثل الأعلى في العفو :

بني يعرب هذي شريعة أحمد    وهذي قوانين الهدى والفضيلة

لقد قام في البيت العتيق وحوله   رؤوس الأعادي من صناديد مكة

فقال ألا تدرون ما أنا صانع    بكم وقد كنتم عداء لدعوتي

وأخرجتموني من بلادي مشرداً   وجرعتموني بالأذى كل غصة

وها أنتم في قبضتي ورؤوسكم     تطأطئ إذعاناً لصادق صولتي

فقالوا أخ لا يقطن الحقد قلبه     سيضفي علينا كل عطف ورحمة

فيا لجلال الوحي ، هاهو صوته   تهز مثانيه كيان الجزيرة

يخاطب من كانوا قذى في جفونه   ومن هتكوا هزؤوا به كل حرمة

ومن ناصبوه الشر ظلماً وألبوا     عليه جنود البغي من كل وجهة

عفا الله عنكم فاذهبوا أين شئتم    جزاؤكم صفحي وأخذي بالتي

وكعب أتاه خائفاً فأجاره     وبايع هنداً بل وقاتل حمزة – من اليمن : ص 108 .

المذاهب الإسلامية :

يقول الأستاذ أحمد محمد الشامي : إن أول من حاول إثارة النعرة الطائفية ، من أجل تمزيق اليمن وتحريض الشافعي على الزيدي ، هم الإنجليز في عدن أيام حرب الطائرات بين عدن واليمن عام 1928 – 1346 ه وذلك بواسطة منشورات باللغة الإنجليزية وزعت بالطائرات على المناطق الشافعية .

وقد صور الشاعر أحمد الشامي تلك الحادثة في هذه القصيدة :

وهيج المستعمرون

عناصر الفرقة والفساد

وحركة مشاعر التميز

ونبشوا دوافن التفريق

وتلك منشوراتهم

معروفة لدى الجميع

بطائرات حربهم كانوا يوزعون

تلك المناشير التي تقول

الشافعي في الجنوب

عليه أن يحذر ويخاف

من ذلك الزيدي في الشمال

ونسوا أن اليمن

بكل ما فيها من السهول والجبال

بكل ما فيها من الوديان والنجود

جغرافيا موحدة ..سكانها موحدون

ولم يكن قحطان زيدياً ولا قد كان شافعي

ولم يكن عدنان شيعياً ولا قد كان ناصبي

ولم يكن تبع أي تبع يدين بالمذهب أي مذهب

إلا بأنه يعيش باليمن

شمالها جنوبها جغرافيا موحدة ....- إلياذة من صنعاء : ص 16 .

التعصب لقحطان وعدنان :

كتب عبد الرحمن البيضاني الذي كان من المقربين للإمام أحمد قبل الثور ، ثم شغل منصب رئيس وزراء اليمن في أول حكومة في عهد الثورة ، حيث دعا إلى التفرقة المذهبية في اليمن ، وقام بحملة مكثفة باسم القحطانية أطلق لبيانه العنان سباً وقذفاً وتهريجا ً .

فرد عليه الأستاذ أحمد الشامي بقصيدة فخرية طويلة منتصراً للعدنانية ، وبأسلوب يشبه أسلوب الكميت بن زيد الأسدي شاعر الهاشميين في العصر الأموي .

والقصيدة بعنوان ( عدنان وقحطان ) وفيها يقول :

سأظل أهتف بالحمى وأسوده     واذود عنه وأفتديه وأمنع

في مهيعي أمضي وحولي عصبة   يمنية طابت وطاب المهيع

ما أن حنوا يوماً لذل جبهة     مذ كان فيهم ذو نواس وتبع

والعبقريون الأئمة من بني     حسن ويحيى من إليهم أرجع

في العدل والتوحيد في ديني وفي غضب الأسود إذ استثيروا أودعوا

لا يجبنون إذا تضايق مخنق      أو ينكصون مخافة أن يصرعوا

ثم راح يهجو البيضاني :

فتنح يا خدن الجهالة والخنا      واطرق فمثلك رمحه لا يشرع

واترك مجالات العلى لرجالها   ما ضيك معروف ويومك أبشع

هلا ذكرت وأنت في زمن الصبا تحنو جبينك للأنام وتركع

والبؤس يرقص في جبينك رغبة والجوع ذل في الجفون وأدمع

وأتيت أهل الخير تزعم نسبة     وتقول جدي حمير أو تبع

ماذا دهاك فعدت تشتم سادة     جادوا عليك بمالهم وتبرعوا

فارجع بطرفك خاسراً عدنان    قد جلت وقحطان أعز وامنع

أخوان في العليا ما افترقا وما    خابا وما خافا ولن يتمزعوا – من اليمن : ص 126 .

والشامي كان حذراً من السقوط في مهاوي التعصب العرقي ولكن انزلق من حيث لا يشعر في التعصب المذهبي .

التجديد في القافية :

ولعل تنوع القوافي وتعددها أصبح شائعاً ومن مزدوج القافية عند الشاعر أحمد الشامي قصيدة عندما أحب :

وكم من ليلة طالت      ولم يهدأ له بال

وكم من عبرة سالت   ولم يصف له حال

لياليه منغصة        بآلام أمانيه

أمانيه معذبة    بساعات لياليه

أحب فخانه الحب     ولم يظفر بمطلوب

كذاك المغرم الصب    يعذب أي تعذيب – النفس الأول : ص 35 .

ومن المزدوج عنده مقطوعته الصغيرة ( عشرون عاماً ) :

من أين للشاعر أن يستريح       قبل انطواء الجسم في رمسه ؟

وكيف والشاعر صب جريح      ويومه أشأم من أمسه

عشرون عاماً من حياتي مضت    كأنها طيف خيال ألم

تصرمت أيامها وانقضت       وخلفتني بعدها للألم – نفس المرجع : ص 28 .

وعلى هذا النمط يكتب أحمد الشامي قصيدته ( النور الشهيد ) مع قدر أكبر من الانطلاق من أسلوب البناء القديم وهي من بحر الكامل :

حطمت مصباحي

والليل يرزح تحت وطأته الوجود

وخنقت صوتي في فمي

وكسرت قيثارتي

والكون يصغي للنشيد

ونحرت أحلامي الجميلة

وارتميت على التراب – النفس الأول : ص 25 .

مصادر البحث :

1-الشعر المعاصر في اليمن – د . عبد العزيز المقالح .

2-الشعر المعاصر في اليمن : بين الأصالة والتجديد – أحمد قاسم المخلافي .

3- ديوان أحمد محمد الشامي : الأعمال الكاملة .