الثلاثاء, 12 تشرين2/نوفمبر 2019  
14. ربيع الأول 1441

تحليلات و ملفات ساخنة

 

الحكــواتـــي

 

 

 

 

أحمد العرامي

 

 

 

الحكاية/الإنسان

 

حين كان الإنسان كانت الحكاية، وحين كانت الحكاية توطن الإنسان في الأرض، منذ ميلاده بدأت الحكاية، إنها مرتبطة به وجودياً، لقد عاش الإنسان حياته وحكاها هو والآخرون، لكن فعل الحكي لم يكن كذلك وحسب، لقد كان أعمق من مجرد إعادة سرد الأحداث بطريقةِ التقرير، فمن خلال السرد أو فعل الحكي وعى الإنسان وجوده، الحكاية لم تكن رصداً للحياة فقط، بل كانت تعبيراً عنها أيضاً، تعبيراً عن الوجود، عن فلسفة الإنسان الأول، في مرآتها رأى نفسه، ومن خلالها كان له أن يعي حياته بوصفها قصة، أن يسرد المكان أن يسرده...، أن يعي الزمن بوصفه خيط السرد صراط الحياة/الحكاية، أن يقاوم الفناء وتأثير الزمن، أن يحتفظ بلحظاته الهاربة... أن يرى الآخر، أن يفسر الظواهر، أن يفكر في الآلهةِ...

 

الحكاية حكايات، طبقات جيولوجية من السرد المتراكم، تماماً كالأرض، تماماً كاللغة، تماماً كتاريخ البشرية، تماماً كالإنسان، تماماً كحكايته، في البدء كان الإنسان الأول الحكاية الأولى، الإنسان الأول/ الأب، الحكاية الأولى/ الأم...

 

يبدو لي الإنسان كفكرةٍ حيةٍ ذات وجهين أحدهما: تفاصيل حياةٍ واقعيةٍ ملموسةٍ، والآخر هو حكايتها... الجانب الواقعي هو الرجل بواقعيته، والآخر هي الأنثى بكينونتها السردية، أفكر في بداية الخلق في ما فعلته حواء في الجنة، لقد اخترقت المحظور فكانت الأرض، ماذا لو امتنعت حواء عن الشجرة؟ بالتأكيد كانت ستنتهي الحكاية، "ثم عاشا سعيدين في الجنة" هكذا تنتهي القصة عادةً بالسعادة/بالجنة... لكن حواء تمعن في غواية السرد، في سرد الغواية في تسريدها في منحها امتداداً على الأرض، تعطيها الديمومة، تصبح أرضاً لها وهي تتخلق بشراً/حكايات، وهكذا فعلت شهرزاد، وهكذا كانت الجدات في قريتي...

 

وهكذا تعددت أنواع السرد مع تطور الفكر الإنساني والحياة البشرية، ومع اختلاف الأمم والشعوب والثقافات والحضارات، بدءاً من الأسطورة، ومروراً بالقصص الدينية، والملاحم، والسير، والمأساة والملهاةِ، والحكايات والقصص بأنواعها وتعدد وظائفها ومرتكزاتها وحاجاتها وأبعادها الفلسفية والنفسية والثقافية المختلفة والمتباينة من عصر لآخر، ومن جماعةٍ إنسانيةٍ لأخرى... وصولاً إلى القصة والرواية كفنين أدبيين... وليس بعيداً عن هذا طرائق الحكي أو سرد الأحداث كما في المسرحية قديماً وحديثاً، وكما في السينما أو في طرق السرد التقليدية مثل ظاهرة الحكواتي.

 

 

الحكواتي

 

يحضر الحكواتي في التراث والموروث العربي كعلامة معرفة، أو نقطة سحرٍ مضيئة، قبل وجود السينما وتقنيات الاتصال الحديثة....، الحكواتي نجم المقاهي، وملك الساحات، حيث يجتمع الناس حوله، ليغسلهم بحكاياه، لقد حظي بمكانةٍ وبحضور ملحوظين في الثقافة العربية، وفي الأدب الشعبي العربي، من اليمن وحتى أقصى المغرب، في مقاهي دمشق، في ساحات المغرب، في أسمار صنعاء، حيث يكون الحكواتي متنفس الروح، وغيمة المساءات وقمرها المعشب سحر مغامراتٍ وشجون حيواتٍ...وأوطان

الحكواتي يجسد التفاعل بين المتلقي والسارد، بين الناص والمتلقي، وبقدر ما يخلق التلفزيون (الحكواتي الآلي) فجوةً بينه وبين متلقيه ويعمل على صناعة ذهنيةٍ سطحية، كان الحكواتي في الأسمار والساحات والمقاهي يخلق فضاءً من التفاعل بين أطراف العملية التواصلية ككل، الحكواتي لا يكتفي بالسرد فقط، بل يؤدي الحركات التمثيلية المساعدة على نقل النص وتصويره في أبهى صورةٍ وفي أصدق تصويرٍ، كما يمكنه أن يندمج مع القصة (سرنا وخليناهم)، (ثم تركتهم وعدت وحدي)، كما يترك مساحةً لتفاعل الجمهور مع القصة، ومع احداثها كما لو كانت الاحداث معاشةً بالنسبة لهم...

 

من القصص الطريفة التي تدور حول علاقة الحكواتي بجمهوره، أن الجمهور من شدة انغماسه في القصة، وولوجه عوالم تفاصيلها كان من بين الجمهور من يلحق الحكواتي إلى بيته، ليكمل له القصة، بل إن هناك من كان يعترض على مسار القصة ويعدل في تفاصيلها، كما لو كانت واقعاً معاشاً، أو شأناً خاصاً به، فتراه يصر على أن يعاقب المجرم، وأن يكافئ البطل (ذات ليلة ختم الراوي فصلاً من فصول قصة عنترة بدخوله السجن، وقال: فلنترك عنترة الليلة في السجن، مكبلاً بالأغلال، ومقيداً بالقيود، ونكمل قصتنا غداً) فيأبى جمهوره أن يظل عنترة في السجن، وهو البطل ،كما لو كان عنترة واحداً منهم والراوي هو السجان...

 

هذا يعني أن القصة لم يكن يتحكم فيها الراوي، بل كان هناك ثمة جسر بين الناص والمتلقي، فهكذا كان الناس يشاركون في صناعة حكاياتهم لتعبر عن رؤاهم، وأحلامهم، ولهذا يقال أن الحكايات الشعبية تتضمن رؤية الجماعة وفلسفتها في الحياة...

 

 

عالمية الحكاية

 

تظل الحكاية هي الجامع الإنساني بين الشعوب، تختلف الثقافات واللغات، والأديان، وتتصارع الحضارات وتتباين المعتقدات، وتفترق المجتمعات في كثير من الأشياء، لكن الحكايةَ تجمعها هذا ما يمكن أن نستشفه مما تقوله لنا الدراسات الإنسانية... ومن بينها دراسة "بروب" التي تذهب بعيداً بنا في الكشف عن عالمية الحكاية ووحدة العقل البشري والثقافة البشرية...

 

فأن يكون لكل أمةٍ حكاياتها فذلك أمر طبيعي، لكن أن يكون هناك نوع معين من الحكاية يمتاز ببنيةٍ خاصةٍ متجاوزاً بذلك اللغات والحدود الجغرافية والزمانية، والثقافات... فذلك هو الأمر العجيب والغريب، والذي يشي بوحدة الإنسان، وتقارب رؤاه وعالمية أخلاقه وحياته...

 

هذا ما يقوله بروب، حين درس الحكاية الشعبية، مميزاً بين أنواع عديدة من الحكايات من بينها (الخرافية) والتي طرح في كتابه رؤية جديدةً مفادها أن الحكاية الخرافية تتميز بأن لها وظائفها المحددة، وقد خلص في ذلك إلى (31 وظيفةً) أو نسقاً، يشترك فيها هذا النوع من الحكايات.... ورغم أن بروب كان يتحدث عن الحكايات الروسية إلا أنه سرعان ما تمخضت دراسة بروب عن انتشار نوع من الدراسات أو تيار من الباحثين يحاول المقارنة بين الحكايات العالمية في الثقافات على اختلافها الأمر الذي خلق مسلمةً أو نتيجة مفادها أن الحكايات الخرافية تتشابه في العالم كله، لكن أهم الدراسات التي أعقبت بروب هي دراسة (ليفي شتراوس) في كتابه (الانثروبولوجيا البنيوية)...

 

عالمية الحكايات في المجتمعات الإنساني وتشابهها وتقاربها، يدل على حياةٍ واحدةٍ عاشها الإنسان وتجارب تعبر عن وحدته وعن سمو حياته، في الحكاية نشد الإنسان الحياة المثلى، ونشد قيم العدل والمساواة والحرية والمواطنة والحب.

 

 

 

*من مقدمة لكتاب (طائر السرد، الصادر عن مؤسسة إبحار للطفولة والإبداع)

صحيفة الأمة " PDF "

روح الشعر

 

  عبدالحفيظ حسن الخزان   أنا طفلٌ يمنيٌ ظامي...
  معاذ الجنيد   البرُّ والبحرُ والأجواءُ...

فكر و نقد

فنون و تشكيل

لقاءات و استطلاعات ثقافية

عرض كتاب