الثلاثاء, 12 تشرين2/نوفمبر 2019  
14. ربيع الأول 1441

تحليلات و ملفات ساخنة

ملاحظات نقدية في كتاب «إنتاج الدلالة في الشعر العامي اليمني المعاصر»

 

 

 

 

 

محمد ناجي أحمد

 

 

 

«إنتاج الدلالة في الشعر اليمني المعاصر» كتاب للدكتور محمد عبدالرحمن السامعي، كان أطروحة دكتوراه، وقد صدر عام 2013م عن النيل للطباعة، ويقع في 431 صفحة، من القطع الكبير، ويحتوي على إهداء ومقدمة للدكتور عبدالعزيز المقالح، ومقدمة للمؤلف، وتمهيد، وستة فصول، كل فصل ينقسم إلى عدة مباحث، ثم خاتمة للكتاب، وملحق يوضح أسماء الشعراء، وقصائدهم المختارة، ونبذة عن كل شاعر، وقائمة بالمصادر والمراجع.. في مقدمته يحتفي الدكتور عبدالعزيز المقالح بالكتاب والمؤلف، مشيراً إلى أن المؤلف “لم يبدأ كتابة هذه الدراسة إلاّ بعد أن استقصى المراجع والمصادر التي تمكنه من الإمساك بموضوعه، وبعد أن أجهد نفسه في إعداد التصورات التي تؤهله إلى الخوض العميق في هذا المضمار، وهذا ما جعل من بحثه دراسة متميزة، وإضافة حقيقية إلى ما سبقها من دراسات وأبحاث عن شعر العامية، كما أنه لم يقف عند زاوية واحدة من الزوايا التي أغنى بها بحيث إذ لم يتناول الدلالة في معزل عن بقية مكونات النص المساعدة على تكوينه من ناحية وعلى استنطاقه وتحليل بنيته من ناحية ثانية، بل استعان بكل البنى الصوتية والإيقاعية واللغوية، فجاءت الدراسة على هذا النحو شاملة كاملة “وفي رأيي أن المؤلف وهو يدرس نصوص الشعر العامي في اليمن من حيث دلالة الصوت وبنية الكلمة والتركيب والمعجم والنص كسياق ومحتوى اجتماعي وسياسي وجمالي كان أقرب إلى عبدالقاهر الجرجاني في أسرار البلاغة ودلائل الإعجاز منه إلى مدارس النقد الحديث، مع مقاربة اجتماعية للنص، من حيث التفسير والشرح، وانطباعات ذوقية تقترب من النقد الحديث..

 

يحدّد المؤلف طبيعة دراسته بالتالي “يتناول هذا البحث بالدراسة والتأمل والتحليل والاستنباط الشعر العامي اليمني المعاصر 1970 - 2000م، ويهدف الباحث من دراسته إلى اكتشاف إبداع الدلالة في النص العامي من خلال البناء الصوتي والإيقاعي، وبنية الكلمة وتراكيبها اللغوية، والأسلوب بوصفه طريقة أداء الشاعر، وانتقاء ألفاظ معجمه الشعري، ثم تصويره المواقف والأحداث في إطار نصّه الشعري 15ص. وقد اختار المؤلف شعراءه في هذا الكتاب وفقاً لمعايير منها «التركيز على الشعراء ذوي الرصيد الفني المعروف لدى الجمهور والدارسين للشعر العامي» والحقيقة أنه درس في بعض النصوص لشعراء معروفين برصيدهم السياسي أكثر منه رصيد شعري كعبدالفتاح إسماعيل، ودرس مقتبسات من ديوانين لايزالان مخطوطين، هما «كل شيء له أجل، إلى حسن الصغير» لشفيقة علي أحمد المتماهية شعرياً مع تجربة الشاعر محمد عبدالباري الفتيح، مع ضعف فني لنصوصها، وانكسارات موسيقية لأسطرها الشعرية، وضجيج لجملتها السياسية، مما يجعل دقة الالتزام بمعاييره التي حدّدها ليست صحيحة.

 

يحدّد المؤلف الأسباب التي حفّزته لدراسة الشعر العامي اليمني المعاصر من دلالات حول قضايا الإنسان والوطن والاحتلال والظلم والاستبداد، والتعبير عن وجدان الإنسان اليمني، ودوره في حركة التحرُّر من الاحتلال والملكية والظلم، وقرب لغته من الفصحى، وغياب الدراسات في حقل الدلالة للشعر العامي، والملاحظ أن هذه الأسباب كلها تتعلّق بالموضوعات التي تبنّاها الشعر العامي ولا تتعلّق بالأبعاد الفنية لهذا الشعر، بمعنى أن دوافع هذه الدراسة هي الدلالة الاجتماعية والسياسية أكثر منها الدلالات الجمالية للشعر العامي، ويزعم المؤلف في مقدمته أنه اعتمد “على المنهج الوصفي التحليلي لتحليل الظواهر اللغوية والفنية والموضوعية تحليلاً وصفياً، كما تمت الاستفادة من المنهج الأسلوبي والمنهج الإحصائي للكشف عن دلالة النص “وأنا أرى الكتاب اعتمد على دراسة مستويات النص الصوتية والصرفية والتركيبية والمعجمية كمستويات لسانية، لكنه عند “اكتشاف” الدلالة كان يعتمد على معنى العبارة والنص، لا على علاقات حقلية بين حقول لغوية، أو تركيبية، أو انزياحات فنية، وأن الإحصاء الكمّي للمفردات كان يقف عند حصر عدد مرات ورود اللفظة في النص، دون أن ينعكس ذلك في علاقة المفردة وترادفاتها ومشتركاتها كحقول تتفاعل مع مقابلها لتوليد الدلالة الجمالية والموضوعية!.

 

يحتذي المؤلف من سبقوه في تقسيم اللغة إلى فصيح: وهي لغة الشعراء والكتّاب ورجال الفقه والسياسة، وعامي: وهي لغة الغالبية العظمى من الفلاحين وسكان المدن، وهذا التقسيم الثانوي، الذي يجعل الفصحى لغة الثقافة والسياسة، والعامية لغة الحياة اليومية - فيه اختزال وظيفي للّغة كونها فكراً وحياة ورؤية للكون، يمكن أن تكون عامية أو فصحى، أو لغة أجنبية.

 

 يسير المؤلف وفق الفهم المتداول لدى العديد من الباحثين الذين ينظرون إلى العلاقة بين اللغة الفصحى والعامية، على أن العامية فرع من الأصل الفصيح، لكنه بعد ذلك يتبنّى القول إن اللهجة سليقة، وأن الفصحى صناعة! ما يجعل اللغة الصناعية لغة منتجة من اللغات العامية!.

 

 ثم يستطرد المؤلف في حديثه عن الصراع بين اللغة الفصحى والعامية ذاكراً آراء عديدة، وفي رأيي أن الصراع بين الفصحى والعامية مرتبط بتطوّر وتوسع الحياة واحتياجاتها، ما يجعل اللغة المحدودة في معجمها وجغرافيتها وتداولها مجبرة على التطور وفقاً لقوانين اللغة من اشتقاق واقتراض ومعرب، ودخيل...إلخ، لم يكن الشعر العامي وليد سقوط الدولة العباسية وظهور الهويات الإقليمية، لكنه إبداع جمالي متأصل بخصوصية حياة الإنسان ولغته، وهو قديم رغم أن الباحثين يحاولون إرجاعه إلى نصوص موثّقة في القرن السابع الهجري، لكن العصر الجاهلي، بل والحضارات في اليمن والشام والعراق ومصر، والمغرب فيها نصوص شعرية بلغة الحياة اليومية آنذاك.

 

 يورد الباحث ما ذكره الدكتور عبدالعزيز المقالح من أن أقدم وثيقة تدلُّ على هذا اللون من الشعر هو “معجم البلدان «لياقوت الحموي (ت626هـ)في الجزء الرابع» فقد ذكر ياقوت عن غيل صنعاء فقال: «والغيل غيل البرمكي، وهو نهر يشق صنعاء» وفيه يقول شاعرهم:

 

واعويلا إذا غاب الحبيب

عن حبيبه إلى من يشتكي

يشتكي إلى والي البلد

ودموعه مثل غيل البرمكي

 

إضافة إلى عديد آراء في هذا الشأن، ثم يورد المؤلف أسباباً لتسمية الشعر العامي اليمني بـ«الحميني» منها ما هو “راجع إلى جهة حمينة التابعة تاريخياً وإدارياً لمدينة حيس «يقول المؤلف» وهذا الرأي هو الذي نطمئن إليه استناداً إلى تطابق تسمية «الحميني» مع منطقة (الحمينية) الواقعة في مدينة حيس، هذا أولاً، وثانياً: ظهور الأعلام الأوائل للشعر الحميني في هذه المنطقة، والمناطق المجاورة لها 34ص، ويرى المؤلف - سيراً على طريقة من سبقوه في الرأي - أن الموشح الأندلسي ما هو إلاّ محاكاة للحميني اليمني، كون الشعراء في الأندلس غالبيتهم يمنيون “35ص، لكن هذا الرأي يغيب عنه أن الموشح الأندلسي فيه خصائص فنية تتعلق بالأغاني الشعبية في اسبانيا «أغاني التروبادور» وأن عملية التأثر والتأثير بين العرب الوافدين والإسبان ستنتج لوناً فنياً هو نتاج تلاقح وامتصاص فني بين متغايرين، ما يجعل فكرة المحاكاة للموشح اليمني ليست دقيقة كحكم فني يقتضي التحليل والمقارنة قبل إصدار الأحكام، وبالنسبة لأغراض الشعر العامي فهي متنوعة كأغراض الشعر الفصيح، سواء الأغراض التقليدية أم الأغراض المعاصرة.

 

توليد الدلالة:

 

وهو عند المحدثين يدلُّ «على المفهوم الإبداعي للدلالات» 39ص.وتتجسّد العملية الإبداعية للدلالات “من خلال إبداع دلالات جديدة للمفردات المعجمية، وتراكيب جديدة 40ص،.يقتبس المؤلف رأياً لكريم زكي حسام الدين من كتابه «التحليل الدلالي» وهو «أن الكلمة سواء في العجم أم داخل النص لا تشير إلى دلالة واحدة أو مدلول ثابت، بل إلى سلسلة لا نهائية من الدلالات» 42ص، لكننا لا نجد توظيفاً لهذا الاقتباس أثناء دراسة الكلمة كبنية صرفية أو دلالة معجمية في تحليل نصوص الشعر العامي اليمني، بل إن المؤلف في مفهومه لـ “اكتشاف” الدلالة نجده ينطلق من أساس مغاير، وهو أن هناك دلالة ثابتة يعمل الناقد على اكتشافها، والوصول إليها، إضافة إلى خلط بين بعض التعبيرات والمصطلحات الخاصة بما بعد الحداثة وبنظرية التلقّي، في حين أنه يتعامل مع قارئ سلبي أثناء الكشف والتفسير، ومع معنى ثابت يتناقض مع إشارته إلى الدلالات اللا نهاية للألفاظ.

أوهام الدلالات الصوتية:

ينطلق المؤلف من مسلّمة لا أراها صحيحة، وهي أن للأصوات دلالات منتجة داخل النص، وبغض النظر عن صفات الأصوات وخصائصها، فإن القول بدلالات صوتية منتِجة ليس من وجهة نظري سوى إسقاط لدلالة التركيب والعبارة والنص وإعطائها للأصوات.

عن الموسيقى الداخلية والخارجية:

ينطلق المؤلف في تقسيمه للموسيقى من خلال الثنائية المدرسية: موسيقى خارجية، وموسيقى داخلية، فالقول إن الوزن والقافية موسيقى خارجية، وإن السجع والجناس وغيرها من أساليب البديع موسيقى داخلية – يحتاج إلى نقاش واختبار، فما الذي يجعل الوزن والقافية موسيقى خارجية، وأساليب البديع كالسجع والجناس، وكلها إيقاعات صوتية تعتمد على التكرار..؟!.

كثيرة هي الشواهد التي يوردها المؤلف للاستدلال على إعطاء الصوت دلالات إنتاجية، وهي في الأصل دلالات نصيّة، وليست صوتية، من ذلك ما كتبه المؤلف عن دلالة الألم في صوت «الحاء» ”لعلّ صوت (الحاء) قد لعب دوراً أساسياً في تشكيل الإيقاع الصوتي وإنتاج دلالة النص، كما في قصيدة (بو العيون الملاح) للشاعر أحمد ناصر جابر الجابري، التي يقول فيها:

“ما لخلي تحيّر يا عجيبي عجب

ما له اليوم ما لاح

بو العيون الملاح

أحيا ما بحالي كم تعبني تعب

جرّح القلب جرّاح

بُو العيون الملاح

آح في آح في آح

بُو العيون الملاح”52ص.

 

والمؤلّف يرى أن صوت الحاء قد ناسب دلالة النص، بل أسهم في إنتاج دلالة الألم لذلك فإن الصوت أبرز دلالة النص وشارك في إنتاجها 52ص.. وعلى هذا النسق يسير المؤلّف في الفصل الأول متتبعاً دلالة الشوق والتلهف، والبحث عن السعادة، ودلالة الانكسار والاسترحام والحيوية، والنشاط والأمل في غد أفضل، وتمجيد الوطن...إلى آخر المباحث المتعلقة بالصوت ودلالاته الإنتاجية.

وعند تحليله لدلالة تكرار الجملة الإسمية، ودلالة هذا التكرار على الشوق والحنين، نجد المؤلف يستشهد بمقطع من نص شعري للشاعرة فاطمة العشبي، تقول فيه:

 

كم انتظرتك كم طال اشتياقي لك

                       وكم تواسيت تجبر خاطري المكسور

وكم تمنّيت يا بدر السماء اطلع لك

                       واجلس جوارك وأسكن قلبك المهجور

ما أنت مثل البشر ولا البشر مثلك

                             أنت القمر والقمر واحد قمر للنور

تسمر عليك الكواكب والنجوم حولك

                             تأمر وتنهي كلَ الناس لك جمهور

يا بلسم الروح قلب الصب محتاج لك

                               إنظر إليَّ بنظرة عطف يا دكتور

                                                           71-72ص.

فالمؤلّف يرى أن تكرار الجملة الاسمية «كم انتظرتك، كم تواسيت، كم تمنيت» قد مثّل العنصر الأبرز في النص، وكان بإمكان الباحث أن يتوقف أمام احتمالية أخرى للجملة وسقفها التأويلي، بأن تكون جملة فعلية سبقت بالمفعول المطلق «كم» الدال على الكثرة.

اعتاد الباحث على تلخيص كل مبحث في آخره كأن يقول «من كل ما سبق يمكن الخلوص إلى أن...«وهي طريقة مدرسية فيها من التكرار ما يجعل القارئ متلقياً سلبياً بانتظار الخلاصات!

يتحدث الباحث عن الدلالة المنتجة من الجناس فيقول «ويبدو أن وصف الحب قد فرض على الشاعر حشد كل هذا الجناس “80ص، وكأن دلالة الحب منفصلة عن كل مكونات النص، مما يجعل الشاعر إبراهيم صادق-حسب زعم الباحث –يقوم بالإكثار من الجناس الناقص، كما في هذا المقطع:

ومارسنا الهوى معنى ومغنى

ومن قال الهوى أفنى وأضنى

ليالينا أغانيها جميلة

ليالٍ كلّها من ألف ليلة

 

ورأي الباحث بخصوص حشد الجناس الناقص لإنتاج دلالة الحب مجرد انطباع من وجهة نظري، فالكتلة الدلالية الناتجة عن غياب الفواصل ومنها الجناس الناقص، قد ولّدت ما أسماه الباحث بدلالة «الشمول والحصر لكل لذة ومتعة يتخيلها الإنسان» 80ص. يكثر الباحث من صيغ «لعلّ، ربما وكأنّ، ويبدو...الخ » مما يؤكد نهجه التذوقي الانطباعي في تحليل النص، والقول أن الجناس ملمح من ملامح الشعر العامي اليمني، لا يعطيه خصوصية فهو خاصية بديعية متوفرة في الشعر الفصيح والشعر العامي على اختلاف اللهجات العربية، يعلق الباحث على بيت من قصيدة «معبودتي اليمن لأحمد سيف ثابت»

أنا حبيبك وأنتِ     معبودتي يا يمن

 

بقوله «استطاع الشاعر أن يخلق من الأماكن أعضاء لهذه الفتاة الجميلة، مخرجاً من لفظ اليمن معنى جديداً لا يوجد في المعجم، هو أن اليمن امرأة جميلة خصبة، ويوحي هذا التصوير باستحالة تشطيرها أو تقسيمها »127ص.

 

والقول بالمعنى الجديد لليمن ليس دقيقاً فورود الأرض كمعادل موضوعي للمرأة وكذلك العكس، كثير في الشعر العربي الحديث، العامي منها والفصيح، فليس هناك جدة في المعنى كما يزعم الباحث.

يعلق الباحث على مقطع للشاعر علي مهدي شنواح من قصيدة “الدم والتفاح”

 

«إلى حيفا ...والنقب

وتل أبيب ...والخليل

والقدس ...والجليل

فطغمة الفاشت في لبنان ضعاف»137ص.

 

بأن الدلالة المنتجة في النص «هي الدعوة إلى الوحدة، لأن بها قوة الإنسان والانتصار لحقه في الحياة، وتحرير أرضه من الطغاة»137ص.ودلالة الوحدة لا أدري من أي سياق استنتجها الباحث، إضافة إلى أن هذا النص من الشعر الفصيح وليس العامي، ولقد قام الباحث بشرح بعض النصوص من الشعر الفصيح دون أن يشير إلى ذلك، وإنما حللها ضمن سياق دراسته للشعر العامي!

 

في المبحث المتعلق بالحذف يتوقف الباحث مع حذف المبتدأ (المسند إليه) في مقطع للشاعر سلطان الصريمي:

 

وحين يأتيني الوجع

باشل بالزامل خفا

ما منتصر عاش آمن

ولا مجمهر ربخ

ولا مجمهر ربخ217ص.

 

وهو يرى أن المبتدأ حذف في السطر الثاني، والأصل “أنا باشل” في حين أن سياق الجملة هو أن فاعل «باشل» ضمير مستر تقديره “أنا” فالجملة فعلية تدل على الحركة في المستقبل، المرتبطة بمجيء الوجع، وليست اسمية دالة على الثبات والديمومة!

 

وفي فصله الخاص بالمعجم الشعري وإنتاج الدلالة يدرس الباحث دلالة لفظة الحب من حيث عدد تكرارها كمياً، وليس

 وليس كحقل  دلالي يجمع المترادفات وما يقابلها لاستنباط دلالة النص. كما في قوله «وقد يأتي الحب، إلى دنيا المحب فيصير طلاً يروي ويسقي هذه الحياة الظامئة للحب، الولوعة بالعشق ،فجاءت قصيدة الشاعر محمد المقطري (حبك ندى) تجسيداً حقيقاً لهذه النفس الظامئة للحب.» يقول الشاعر:

 

حبك بقلبي ندى يروي جناني

يزرع حياتي أمل

إن شم ورد الهوى تملأ جناني

قلبي تمايل ثمل

ومن جحيم العطش ثغرك أماني

يروي جفا فِي قُبل

وابقى وفي للهوى والحب حاني

لو سهم صدّك قتل 288ص.

وكذلك في دلالة القلب من قصيدة بعنوان (عصارة فكر)لأحمد سيف ثابت يقول فيها:

يا جميلة فيك هذا القلب عاشق

وبقربك عاش إحساس المفارق

رغم أني كل ليلة لك معانق

كلما اقبّل جبينك حس منه جرح عالق

                    ومسى قلبك حزين

                  لا متى جرح الجبين

                 شوّه الوجه الحسين290ص.

 

وغيرها من الاستشهادات التي تؤكد تفريغ الباحث لدلالة المقطع واختزالها في المفردة، كما أفرغها في مبحثه الأول في الصوت! ويرى الباحث أن في قصيدة “أمي اليمن” لأبو بكر سالم فيها تنويع في الخطاب أدى إلى إبراز دلالة حضور اليمن الحضاري وخلوده، وهذا التنوع يحيله الباحث إلى التصريح باسم اليمن تارة وذكرها بالضمير المنفصل “أنتِ” والانتقال من ضمير المخاطب “أنت” إلى الاسم الصريح “اليمن” ليس فيه تنويع في الخطاب، وإنما انتقال من اسم الضمير إلى اسم العلم!

 

أنتِ الحضارة

أنتِ المنارة

أنتِ الأصل والفصل والروح

والفن

من يشبهك من؟

أمي ...

أمي اليمن

أمي...

في داخل القلب حبك

في الفؤاد استبا

من قبل بلقيس واروى

والعظيمة سبأ

يا كاتب التاريخ

سجل بكل توضيح

أنت الأصل والفصل والروح

والفن

من يشبهك من؟

يا أصل قحطان

يا نسل عدنان

عيني على كل من حلّت قليبه اليمن 300-301ص.

ومن ذلك قول الشاعر حسين أبو بكر المحضار:

ابن اليمن سهران ما نام جفنه

وبلك جهوده كلها والتهاني

يحرس كرومه في حقوله وبُنٍه

ويقيم للتاريخ أعلى المباني

حُب اليمن في مهجته حُب ثاني

عليه كل الناس بالصدق يثنون 301ص.

 

فالباحث لا يتوقف عند دراسة الألفاظ معجمياً، كما هو عنوان الفصل، وإنما يستنبط الدلالة الكلية للأبيات قائلاً “والدلالة التي أفرزها هذا النص هي دلالة الحب والإخلاص في بناء الوطن 301ص.

مختارات من نصوص الكتاب:

 

للشاعر عبد الكريم الرازحي «يا راعية»

قا (مِسك علي) تمارع

ثنتين دجاج

غابين بلقف سافع

والبقري ماتت

والحمار ينازع

والشيخ جِزع

يتفقد المواقع 174ص.

 

وفي مقطع آخر فيه توظيف لحدث موت الشاعر عبد الله سلام ناجي، صاحب ملحمة(نشوان والراعية) يقول الرازحي:

 

يا راعية

اليوم يوم الاحزان

يوم البُكا

على فِراق (نشوان)

شاعر مُجيد

وعاش فقير بردان

قلبه انفجر

والفجر عادُ ما بان

والموت حضر

بكّر غبش بالأكفان 157ص.

ومن نص لمحمود الحاج «حب اليمن» من ديوانه «لا تسافر»:

“حبي لمن أهوى يفوق الحدود        والخل ما جاوز حدوده

جسمي نِحل والفكر مُوجِع شرود         من يقتدر يوقف شروده

وردي ذبل صابر وخِلّي عنود          بخيل حتّى في ردوده

من علمه يمسح نصوص العهود     قد كان وافي عهوده 168ص.

ومن قصيدة المهاجر لأحمد ناصر الجابري:

عايد لكم يا حبايب  من بعد طول السفر

مهما يطول الصدود

الحي لازم يعود

شوقي لكم يا عيوني شوق الشجر للمطر

شوقي لباهي الخدود

الحي لازم يعود

وحبكم ما تبدّل في مهجتي له مقر

ذا الحب ماله حدود

الحي لا زم يعود

عايد لتلك المراعي والصفا والسمر

عايد لأرض الجدود

الحي لازم يعود170ص.

ومن نص «يقولوا ليش حبيتك» لعبد الرحمن إبراهيم:

يقولوا ليش حبيتك

وليش القلب مُغرم بك

وفيه اليوم آويتك

وما يدرُوش بأني كنت بك أحلم

وجَت أيام تِتبسّم

وضميتك إلى قلبي وضميتك

...

يقولوا ليش

رعونة منّهم أو طيش

ولكن أيش

يُعكّر صفو جنتنا

وانا وأنت بها نِهنا

طهارة حب تجمعنا

ولا يمكن تفرّقنا

مقولة أيش

ومن نص لعبد الله عبدالوهاب نعمان:

ما تشرق الشمس على دارنا

إلاّ وضمّتها إليها ضموم

وما يمرّ الليل من بابنا

إلاّ دعا لحبنا أن يدوم

والفجر ما يبدأ إلاّ بنا

يطوف حولينا طواف القدوم

ومن نص آخر لصالح نصيب:

هكه تُجازوا فؤادي

وتعبثوا به وِدادي

وتسعدوا بابتعادي

حتى الجفا تفرحوا به

وهبتكم عطف قلبي

وذوق حِسي وَلُبّي

جفوت أهلي وصحبي

رابط على الجرح صوبه173ص.

ومن نصوص لعباس الديلمي في هذا الكتاب، نقتبس هذا المقطع:

«يا طبيب الهوى     بالله داوي لهيبي

جُود ببذل الدواء   فالحب كثّر نحيبي

يا طبيبي أنا أمسيت أدوّر حبيبي

والفؤاد في ضنا ولا تحقق نصيبي»185ص.

ومن شعر القرشي عبد الرحيم سلام:

سلامتك حُبيّبي سلامه

بَجم الهوى حين جيتنا تبسّم

حيّا ورحّب وانتصب وُحوّم

حيا بِكُم  حيّا وألف سهلا

يا جنتي يا أملي المنمنم

ومن شعر فاطمة العشبي:

قلبي دليل ما كذب وزيف

ولا خدعني حين بك تعرف

سبحان من بين القلوب ألّف

الحب بالإحساس صدّقوني

أشرت لي وأسرعت لك بردّي

رحّبت بك والناس يبسروني.

ومن نصوص الشاعر حسن الشرفي نقتبس هذا المقطع:

الحمد لك حمد يملا كل قاع

ويغمر الكون كُله لا الطرف

وانا أسألك تجعله قبري وساع

ولا تِناقش ولا تقنع ملف

قد أنت داري بما تحت القناع

وما معي عُذر واضح للأسف.

***

والصّدق عِند العرايا والجياع

في الخَبت أو في الجبل بين السُقف

والشعب يا رب ما عاده شجاع

الشعب وطا جبينه والتحف

يقفز بنانه ويتأخر ذَراع

ولا سمع صوت هيداني هتف

جالس يصفّق ومن غير انقطاع

وِن قلت يزحف على بطنه زحف

ومن نص للشاعر أحمد رحيم أبو مهدي:

جريت ذا ماسك عصا موسى ويحسبها حنش

كل من خَدع ما با يَسود

يعرض نُحاسه يحسبك بتصدقه إنه ذهب

غشّاش ما يرعى العهود.254ص.

 

 

- الجمهورية

صحيفة الأمة " PDF "

روح الشعر

 

  عبدالحفيظ حسن الخزان   أنا طفلٌ يمنيٌ ظامي...
  معاذ الجنيد   البرُّ والبحرُ والأجواءُ...

فكر و نقد

فنون و تشكيل

لقاءات و استطلاعات ثقافية

عرض كتاب