الثلاثاء, 12 تشرين2/نوفمبر 2019  
14. ربيع الأول 1441

تحليلات و ملفات ساخنة

 في ديوان (تكاسير القمر) لـ: زياد القحم .. سيرورة الحلم والمنجز الإبداعي

 

 

 

 

علي أحمد عبده قاسم

 

 

 

 

 

يشكل الإبداع والمنجز الإبداعي للمبدعين الشباب صورة كبيرة للمستوى الثقافي والفكري للبلد فضلاً عن رسم صورة للرعاية للمؤسسات الثقافية في الوطن.. ففي الآونة الأخيرة نشط هذا الجانب والمشهد، وتمكن بعض الشباب الموهوبين من إبراز حضورهم اللافت من خلال نصوص ومثابرتهم الإبداعية.

 

ولعل الشاعر/ زياد القحم واحداً من أولئك الشباب، وقد صدر له مؤخراً ديوانه الموسوم بـ(تكاسير القمر) عن الأمانة العامة لجائزة رئيس الجمهورية للشباب، احتوى الديوان على أثني عشر نصاً في 123 صفحة من القطع المتوسط، وفي القراءة للديوان وجدت عنصر اللغة التي تستقيض بالحلم.. وسوف أبدأ القراءات من العنوان.

 

إذا كان العنوان المدخل الرئيس لدراسة النص ومعرفة دلالاته، باعتبار ذلك تعبيراً عن نسيج النص الداخلي واختزالاً لمضمون المحتوى، ولأن العنونة تحولت إلى فن يعكس قدرات الكاتب على التعبير الكثيف عما يريد فإنها بذلك تحولت إشارة وعتبة دالة عن المقصدية التي يريدها الكاتب.

 

وإذا كان ديوان الشاعر زياد القحم قد حمل عنواناً (تكاسير القمر)، فالملاحظ للتركيب يجد أنه مركب إضافي من "تكاسير + القمر"، وإذا ما أعيد النظر في التركيب وقراءة المفردة الأولى "تكاسير" فإنها جاءت على غير القياس باعتبار أن مصدر الفعل "تكسَّر" هو "تكسراً" وهو لا يريد التشظي والتكسر من هذه المفردة كما أظن ولكنه يريد تشظي الأضواء وتوزعها وعدم فمفردة تكاسير تساوي "أخاديد" وتساوي "تفاصيل"، ولعله يريد الاختلاف والتباين لتلك الجزئيات، وبذلك كانت إضافة التكاسير للقمر ليعطي العنوان الوضوح ومضمون الدلالة والخروج من المضمون القديم إلى الحديث الملعز، مما يعطي القارئ إشارات من العنوان كتشظي الرؤى واختلافاتها والزعم غير الصادق في حب الوطن، ويتضح ذلك من خلال النص الذي أخذ منه عنوان الديوان الذي به يعطي ما يلي:

 

"وهمية من الحالم

يرجع من ميدان الشمس المطفأة الآن

بلا ضوء في لهفته

وبلا حلم". ص17

يعكس العنوان تقاسم الوطن بوصف القمر معادل رمزي للوطن..

"قرص القمر الآن

تقاسمه إخواني

وكل يحمل منه قطعة ضوء في مذهبه

ويقول لنقع يتطاير حول مطيته

القمر معي والباقون بلا قمر". ص19

وهمية الوصول للغاية والحلم..

الموهومون بوصل القمر

الآن

أمامي في مرآة اللحظة

يتبارون مع الأوهام

ويروى القادم

فهم من غفلته

ما لم يره". ص20

وكأن العنوان يعكس وهمية الصبح والانبلاج وبلوغ الحلم..

"والغمة جمعاء

إن عزمت في الليل على صبح تردد".

 

وإذا تأمل القارئ نصوص الديوان يلحظ أن الشاعر يحاول أن يرسم الأوجاع والآلام والفقد.

وإذا كانت اللغة هي الوعاء الذي يصب فيه المبدع مضامينه ومن خلاله يستطيع القارئ أن يكتشف الدلالة فإن النص الشعري في الديوان اتخذ من اللغة السهلة سبيلاً لتوصيل أغراضه ومقاصده، ففي قصيدة "تكاسير القمر"، كان الفعل المضارع هو المسيطر، حيث كان عدد الأفعال المضارعة ما يقرب من خمسة عشر فعلاً وهي "يسبح، يرجع، يستند، يبدأ، يرجع، يستفتح، تؤول، يقول، يخبو، يسخر، يتبادرون…إلخ"، وهذه الأفعال المضارعة أريد بها الاستمرارية والديناميكية اللغوية في استمرارية البلادة وتعطيل العقل وكأن الأفعال المضارعة أريد بها الثبات والجمود من خلال سياقات الدلالة للنص "يرجع من أعماق الفعل الثوري بالاسم، يسبح في لجج الفوضى البليدة، يستند "إن عاد الضوء هيولي الحلم المعقد".

 

ومما سبق تعكس دلالات إيحاءات استلاب الإرادة وتعطيل التفكير بوصف النص يسخر في الوصف ويتهكم مما يعكس نقمة على المخاطب.

 

"… يرجع هذا من ميدان الشمس المطفأة الآن

بلا ضوء

وبلا حلم أصغر مما راح به

وبلا إمكانية حلم". ص17

يرجع من ميدان الشمس المطفأة الآن

أما في قصيدة (رأس أفعى) يحاول النص يرسم المضمون بشيء من السردية؛ لأن السرد يعطي النص مساحة أكبر من الوصف والتعبير عن المضمون ليس فحسب، بل حاول السرد أن يعكس الصراع مع الزمان والمكان وآلام الذات مع الحلم، ويتمكن من توضيح صورة الزمان والمكان.

"المسافة أفعى

وفي كف أغنيتي ذيلها

سأحاول مادمت أعبر هذه الآلهة

أن أصل الرأس

أبحث عن فكرة فيه

دارت بلا محور". ص47

 

من خلال ما سبق، يحاول أن يرسم صورة للزمان والمكان، وكلفة الصراع للوصول للحلم "المسافة أفعى"، وصف وصورة للصراع مع الزمان والمكان من خلال السرد ويرسم سيرورة صراع مع الزمان بوصف "المسافة أفعى" إشارة إلى أيقونة مباشرة إلى الصراع والتحدي، ولعل الصعوبة تأتي من صراع الصعاب "وفي كف أغنيتي ذيلها" باعتبار هذا الوصف يبرز حالة من المعاناة"، "سأحاول ما دمت أعبر هذه الآلهة، أن أصل الرأس".

 

ولعل السرد الشعري يرغب أنْ يعطي ملفظات إشارية كعلامات سيميائية كمثل "المسافة أفعى، ذيلها"، ويأتي بضمير الأنا لتعطي اللغة دلالة الصراع الزماني والمكاني ومحاولة الذات بلوغ الحلم على الرغم من قسوة الزمان والمكان والزمان، وعلى الرغم من المقدمة السردية المرمزة إلا أن السرد يوضح رمزية الأفعى، مما أفقد النص شيئاً من الإبهام من السردي الجميل إلى التصريح الذي يفك شفرة السرد.

 

"هي أفعى بطول بلاد

هي أفعلى يضاجعها ملل ستين شيئاً مضت

والجبال الكبيرة هذي

تراقب

..

..

قد

ربما ينتهي اليوم من شهوته". ص48

وإذا كان السرد كثير الرموز إلا أن هذه الرموز تشير إلى الصراع والمعاناة بين الإنسان والمكان الذي تحول إلى أفعى مخيفة، وهذا السرد يعكس سيرورة حلمية لمعاناة الإنسان والعطف "هي أفعى بطول بلاد يضاجعها ملل ستين شيئاً مضت"، مما يشير إلى تمظهرات المكان والزمان، المكان غير الواهن أو المستغل والزمان الممزوج بالخوف، مما يعكس صورة الأنا المتلاشية التي لم تظهر إلا في بداية النص "في كف أغنيتي ذيلها، سأحاول ما دمت، أعبر"، لتشير إلى ضعف الأنا مقابل وحشية الزمان وقسوة المكان.

 

ولأن الحلم والحياة التي يرسمها النص من خلال الخطاب تعكس محاولة رسم الحياة، فإن ذلك الحلم جاء ليرسم الحياة العاطفية أيضاً.

 

أما في قصيدة "شاعراً كان"، فإن النص يسرد ضياع وتبدد الحلم وتسيطر الماضوية من أول وهلة من خلال العنوان، ولعل التقديم لخبر الناسخ يعطي دلالات الاهتمام والاعتراف بالموهبة والقدرة التي انطمست وفنيت ومعها انتهى الحلم وزال..

 

"شاعراً كان هذا المسافر في وجع وعرٍ

جاء على مطر

بعد أن رحل البحر والذكريات الصديقة

ركبته السفينة والتحقا بالعصافير

لا فرحاً سوف يدركهم بعد إرجاء

لا مرحاً سوف يشعلهم عن لذيذ البكاء

لا أحاديث مكسورة الباب سوف تلوذ اشتعالاتهم بتقاليدها.

لا صباحاً سيستل من حزنهم جسمه". ص51

 

مما سبق يمكن القول: إن الأحلام متبددة وتشظت تماماً من الواقع وتحول الواقع إلى صورة من اليأس من خلال استهلال النص "شاعراً كان، هذا المسافر"، ويأتي تفصيل المكابرة والمعاناة "المسافر على وجع، رحل البحر والذكريات، لا فرحاً سوف يدركهم، لا مرحاً سوف يشعلهم، لا أحاديث"، مما يدل على النص الشعري بوح بالأحلام والمعاناة إما في الركض وراء تخفيفها أو تلاشيها وتبددها ليرسم سيرورة حياة الإنسان والواقع والزمان والمكان.

 

أما إذا تأمل القارئ في الصورة التي يرسمها النص، سيلحظ أن الصورة اتحدثت من الأسلوب التجريدي أو الصورة التجريدية وسيلة لإيصال مضمون النص بالفعل الحداثي الذي لا يملك سوى رسم الصورة بطريقة تنتمي إلى واقعه.

"ويبكي علينا دمعنا

كلما انحدر

ونهتف حتى مطلع الصبر". ص102

 

والصورة بذلك تتعانق مع الحلم حتى يتأتى للنص الترابط والتكامل، فإذا كانت الصورة في قوله "يبكي علينا دمعنا" ليشير توحد الكيان الإنساني بالحزن والآلام وهي صورة قريبة نوعاً ما، وجديدة، إلا الصورة في قوله "ونهتف حتى مطلع الصبر"، صورة جديدة بالتحدي والأمل، وكأن الصورة تنتمي إلى السريالية التي تعبر عن عالم أكثر فوضى وأكثر آلام ومعاناة وواقع غير مستقر تنعدم فيه الثقة والأمن النفسي.

"كلكم واقع في المتاهة يا…

كلكم مثل قلبي

سيحرقكم لهب ما

أنا لست آخر من يأكل الذئب يا أخوتي". ص79

 

لعل الصورة تناقش الواقع النفسي والمادي والمحيط الاجتماعي، وتناقش نوعاً من التحاسد ووقع ذلك على النفس "كلكم مثل قلبي سيحرقكم لهب ماء"، ليشير أن الحياة من خلال الصورة تجريب وإثارة واكتشاف"، "لست آخر من يأكل الذئب" صورة فيها تعكس من خلال تراكيبها الواقع الذاتي الداخلي والمحيط الخارجي، مما يعكس صورة للإنسان عموماً وهذه رسالة يحاول النص تجسيدها من خلال الصورة.

 

"حين مر به ظل فاتنة

أقبلت واندلاع ا لقدوم يقوم على وجع في هبوب الغياب

مرة غاب

مرة تاب

عن خطيئة غض الأماني

ما شرق في طرفه أمل باذ في النور

يحمله لاقتراف الصواب". ص89

 

يلاحظ القارئ أن الصورة مازالت تسير مع الحلم الذي يستفيض النص في تناوله ولكن جاءت الصورة بشيء من الجدلية التي تثير القارئ وتجعله منجذباً ومشدودها لها "أمل باذح النور"، لتعكس الصورة دلالات الرسوخ والتعلق المتشبث بالأمل العاطفي وتعطي دلالات المطامح النفسية ومحاولة التحول والتغير وتعكس القدرة ضبط النفس والقيم الأخلاقية "يحمله لاقتراف الصواب". والصورة أيضاً تشير إلى محاولة التغير النفسي والأمل بالاستقرار الروحي وإن كانت "اقتراف الصواب" فيه جدلية المتردد بين الواقع وغيره وتترك القراءة مفتوحة.

 

من خلال التأمل في الديوان يلحظ القارئ أن الديوان اعتمد على الأسلوب الخبري وندر الأسلوب الإنشائي لأن النص يرغب برسم واقعة الحلمي وواقع الزمان والمكان والحديث عن حقائق الحياة في سيرة الذات، ولعل الأسلوب الخبري يعطي النص بوحاً وإسهاباً في توصيل الرسالة.

 

"يأتي المساء وتأتي النجوم

ولي نجمة لا تجيء

وليل

أجهزه لسعادتها

ينقضي

دون حل

لهذا الظلام". ص88

هذا البوح بالأسلوب الخبري يعكس حقيقة القلق ورسم الواقع النفسي لتغيب الأمل العاطفي مما يحول الحياة إلى سواد وقتامة خاصة والروح عاجزة عن التحول الواقعي المسيطر بقوة ودون إرادة لذلك يحاول رسم مشهد يعتمل بالذات بألم ويرسم العجز الذي يحول الحياة إلى اضطراب وقلق وظلام.

ولأن الأسلوب الخبري ربما يرسم علاقة الإنسان ووجده الروحي بوصف الخالق الملاذ والأمل والمطمح.

 

"بين يدي سيدي الرمل

أكل دهشتي

ثم أطلب من سيد الرمل

فيقول: الأدلة فيك

لروحك النقاء

أدنُ من روحك الآن تخبرك

أني ملاذك في رحف هذا العراء". ص39

 

وربما الأسلوب الخبري له القدرة على رسم العلاقات المختلفة بتفضي واستفاضة، فضلاً عن رسم العلاقات الروحية والفرار من الواقع العقيم إلى سعة الوجد بالملاذ (الله) الخالق الذي يحول العراء إلى خصوبة واخضرار وآمال واستقرار.

 

 

صحيفة الأمة " PDF "

روح الشعر

 

  عبدالحفيظ حسن الخزان   أنا طفلٌ يمنيٌ ظامي...
  معاذ الجنيد   البرُّ والبحرُ والأجواءُ...

فكر و نقد

فنون و تشكيل

لقاءات و استطلاعات ثقافية

عرض كتاب