الاتجاه الإنساني في القصة الأدبية

 

 

 

 

د. محمد بن سعد الدبل

 

 

إن الاتجاه الإنساني في القصة الأدبية، وبخاصة القصة الإسلامية ليس عنصرًا دخيلاً عليها، ولا مفروضًا مِن خارج الأطر الفنية للصياغة، ولكنه من طبيعة العمل الفني، وإذا اتجه الكاتب القصصي إلى تقويم هذا العنصر وإلى علاجه من خلال عنايته بالعناصر الفنية الأخرى التي تكفل لعمله الأدبي عوامل التأثير والخلود"[1]، وهذا هو ما اشتملَت عليه قصة الأديب الكيلاني "نابليون في الأزهر".

 

ومن بدائع القصص الإسلامية الروائية ما حرَّره الأديب "أحمد بدوي" تحت عنوان: "أختاه، أيتها الأمل".

 

في فصول ثمانية سرد الكاتب هذه القصة حدثًا حدثًا، وفكرة فكرة، وضمَّن كل فصل موضوعًا يُعالج عددًا مِن القضايا الاجتماعية والقيم الإنسانية، مُستهلاًّ كل فصل بآية قرآنية أو حديث شريف، أو حِكمة صائبة.

 

فالفصل الأول يبدأ بانطلاقة بطلة "القصة" تلك الفتاة التي خرجَت في الثانوية العامة، ودلفت لمواصلة دراستها في الجامعة، إن اسمها "نور"، وفي هذا الابتداء في أول فصل من فصول القصة ما ينم عن صدق شعوري في اختيار اسم البطلة التي تبدأ برَصفِ أول فكرة وأول حدث.

 

وتتوالى أحداث ومشاهد وأفكار هذا الفصل بين خليط مِن الفتيان المؤمنين والفتيات المؤمنات، وكل الأفكار والموضوعات هنا لا تتجاوَز تصوير اللقاء العادي المألوف بين الأصدقاء الذين تجمعهم الفضيلة، ويؤلِّف بينهم حبُّ الله، ثم حب الناس.

 

ويبدأ الفصل الثاني الذي تحت عنوان "ثورة ثقافية في عام واحد"، ويأخذ الكاتب بعد هذا النص الشريف في سرد أحداث هذا الفصل معالجًا عددًا مِن القضايا والقيَم، والتي في أولها: "الحجاب في الإسلام".

 

ثم يبدأ الفصل الثالث تحت عنوان "جليس وجليس"، وهنا يستهله الكاتب بحديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((مثل الجليس الصالح كمثل صاحب المسك، إن لم يصبك منه شيء أصابك من ريحه، ومثل الجليس السوء كمثل صاحب الكير، إن لم يصبك مِن سواده أصابك مِن دخانه)).

 

ثم تتوالى أحداث هذا الفصل في إطار محكم متقَن على قدرة جيدة مِن خلال تسخير ألفاظ اللغة لتجسيد المعاني التي يرمي إليها كل حدث.

 

ويبدأ الفصل الرابع تحت عنوان "الطاقة والسبيل"، ويستهله الكاتب بقول رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((الناس معادن كمعادن الذهب والفِضَّة، فخيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا)).

 

ويبدأ الفصل الخامس بهذه الكلمة مِن قول "غلاء ستون" - أحد وزراء بريطانيا في عهد سابق -: "ما دام هذا القرآن موجودًا بين أيدي المسلمين فلن تستطيع أوروبا السيطرة على الشرق، ولا أن تكون هي نفسها في أمان".

 

وهذا القول شهادة على ما للإسلام مِن قوة وهيبة في نفوس الأصدقاء والأعداء، فإنه - بحق - ما من قوة يُمكن أن تقف أمام القرآن متى خالج الإيمان به القلوب.

 

ثم يتخير الكاتب عددًا مِن الموضوعات ليُعالجها في الفصل السادس تحت عنوان "الدعوة والعمل"، ويستهله بقوله -تعالى-: ﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ ﴾ [فصلت: 33].

 

ويشرع في الفصل السابع تحت عنوان "شرط الإيمان وحدُّ الإسلام"، ويُصدِّره بقول الله - تبارك وتعالى -: ﴿ فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾ [النساء: 65].

 

ثم يَختم القصة بفصلها الثامن تحت عنوان: "عندما تصبح السيئات حسنات"، ويُصدِّره بقول الله -تعالى-: ﴿ إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا * وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا ﴾ [الفرقان: 70، 71].

 

وإذا كانت فصول هذه القصة في جميع ما حوَتْه مِن موضوعات جديرة بالدراسة والتأمل، فإن في إيراد شيء مِن نصوصها ما يُمكن أن يُدلَّل به على سعة العطاء في الفكر الإسلامي، وعلى قدرة الأدب الإسلامي في جميع الأجناس الأدبية على الإمتاع والتأثير والتوجيه السليم، فذلك هو غاية الأدب النبيل الهادف.

 

فلنجتزئ شيئًا مِن نصوص القصة في فصلها "الثاني"، ذلك الفصل الذي تعجُّ مشاهده وأحداثه وموضوعاته بأفكار إسلامية إنسانية حيَّة، تتدفَّق بالمعاني السامية، والقيَم الأخلاقية، والمثُل العليا التي يَنشدها كل أديب مسلم يَبتغي بقوله وفعله وجه الله والدار الآخرة.

 

ومن أجل تحقيق هذه المعاني وهذه القيم والمثُل الرفيعة يَحشد الكاتب في ثنايا هذا الفصل عددًا من الشخصيات في حديث عن "الحجاب في الإسلام"، ويقوم عرض المَشاهد مُعتمدًا على أسلوب الحوار والشد والإثارة.

 

فلنتبيَّن ما دار مِن معاني هذه القصة بين هؤلاء النِّسوة في حديث عن الجلباب، وأثره في حياة المرأة عِفَّة وصيانة وجمالاً، وحفظًا وحشمةً ووقارًا؛ ففي عبارات حوارية يقول الكاتب: "وهكذا انتصبَت في مخيلة الأم منارة شامخة يتكسَّر الموج يائسًا عند أقدامها، ولكن نورها ينفذ بهدوء وبلا ضجيج، ينفذ رويدًا رويدًا حتى يستقرَّ في أغوار النفس، وهنا تتنفَّس ندى، وتُهمْهِم متابعة كلام مَي، بتعطُّش، تَبتسِم لابتسامتها، وتَنفعِل مع إشاراتها.

 

فكَّرت ميُّ فقالت: أواه! كم كنت حمقاء يا ندى! أكنتِ تتصوَّرين أن الجلباب بهذه الأناقة المجرَّدة دون أن تُفكِّري في أناقته وجماله الأخلاقي؟ بل أوَكنتِ تتصوَّرين أن يَحتضن هذا اللباس البديع قلبًا بهذا الصفاء، أو عقلاً على هذا القدر الرفيع مِن الذكاء؟ وهذا الرأس الصغير الذي يَحنو عليه الخمار حنوَّ الأم على وليدها، أكان يدور في خلدك ما يَحمله هذا الخمار مِن عظمة وأفكار؟"[2]، "لم تُفكِّري يا صديقتي، فاعلمي أن الغاية مِن الحِجاب تَكمُن في عظمة الإسلام وحفظِه جمال المرأة ومحافظته على عرضها، وصيانته أنوثتها، بل جعله الإسلام حقًّا مِن حقوقها لستره إياها من الأنظار المُلاحِقة، والقلوب المريضة"، وهنا قامت ندى من مقعدها وجلست بجانب مَيّ، وهمست في مسمعها: "آه، ليتك كنتِ أختًا لي، فردت مي: بل إننا أختان، أوَليس المؤمنون إخوة"[3]، نصيحتي أن تحفظي جلبابك؛ ليحفظك من كل ما يُسيء.

 

وتنتقل القصة: أختاه أيتها الأمل، تنتقل بالسامع والقارئ مِن موضوع إلى آخر؛ ففِكرة عن الأخلاق، وفكرة عن الحقوق، وفكرة عن نظام الإسلام وأحكامه، وأخرى عن مفاهيم القانون البشري وويلاته وسقطاته، وأخرى عن عبودية الإنسان للإنسان، واستذلاله إياه، والتنكُّر لإنسانيته وما له مِن حقوق، فاسمع إلى قول الكاتب في حديث قصصي عن "الظلم": "هزت فاتن رأسها آسفة، وقالت: يا حسرة على المسلمين؛ كان الواجب أن يُخرجوا البشرية مِن ظلمات الكفر إلى نور العلم والإيمان، أما واقعهم فشيء محزن، بل ومُبكٍ والله يا أخواتي، فها هي أولى القبلتين يُساوم عليها، ويصبح مغتصبوها الذين هم أعداء الله ورسوله مُتعاونين ضدَّ الإسلام وأهله، والأدهى من ذلك أن هؤلاء الخوَنة المُتنكِّرين الضالين المضلين ممن يتجافون إلى هذا المجتمع اليهودي يرون أنفسهم على حق، ويرون أنفسهم يستحقون المكافأة على صنيعهم هذا.

 

اهتزَّ وجدان "أمل"، فغطَّت وجهها بكفَّيها وهي تغالب عبرات حارقة قائلة: الخيانة هي الخيانة مهما اختلفت مظاهرها، والكيد هو الكيد مهما اختلفت أساليبه، وما يلقاه المسلمون على ساحةٍ لا يسلمون منه على الساحة الأخرى؛ فها هم إخوتنا مِن مسلمي يوغسلافيا يُعذَّبون عذاب الهوان، يا للفظاعة، تصوَّرْنَ أن المُلحِدين السفلة يرمون بهؤلاء - مِن إخواننا وأخواتنا - في آلات تعليب لحوم البقر، فالمتوحِّشون يُدخلون المسلمين المؤمنين في المسالِخ أحياء، ويُخرجونهم منها عجينة مِن لحم وعظم، وقد اختلط منهم كل شيء، وربما أطعموا تلك الأجساد الزكية كلابهم وحيواناتهم، ما السبب في هذه الفظاعة والشراسة يا أخواتي؟ السبب إيمان هؤلاء المسلمين بالله؛ ﴿ وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ ﴾ [البروج: 8].

 

جمدت شفاه الفتيات واصتكَّت أفواههنَّ، وبرزَت عيونهنَّ مِن محاجرها، وكأن يدًا باردة تضغط أعناقهنَّ بوحشة، وبدت الكلمات عاجزة عن التعبير، وبقيت قبضات بضة مشدودة بإصرار، ودقات قلوب غاضبة تكاد تحطم الأضلاع لتقفز صارخة: وا إسلاماه[4].

 

وينتقل كاتب قصة "أختاه أيتها الأمل" ليملي على القارئ درسًا إيمانيًّا تربويًّا يُبصِّر المسلمين بواقعهم وما يجب أن يكونوا عليه؛ مِن تعاهد هذا الدين، وتعهُّده بالتطبيق والنشر والدعوة والالتزام، فيقول على لسان "هند" - إحدى شخصيات هذه القصة -: "أيتها الأخوات، يجب أن تذكرنَ - دومًا - أنه ما أصيب الإسلام بنكسة إلا وقد سبَقها خلل في تبنِّي المجتمع المسلم لرسالته الربانية، وعدم وضوح لطبيعة عقيدته وما يترتَّب عليها مِن تكاليف على أفراده وجماعته، بل وسيطرة مفاهيم وتصورات خاطئة أعطاها الانحراف قدسية المفاهيم الربانية الصحيحة.

 

تهلَّل وجهُ ميَّ رضًا بآراء هند وتحليلها، فوافقتْها قائلة بحزم وعزم: صدقتِ يا أختاه صدقتِ، ولطالما تدبَّرتُ قول رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((إذا تبايعتم بالعِينة، واتَّبعتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع وتركتم الجهاد سلط الله عليكم ذلاًّ لا ينزعه عنكم إلا العودة لدينكم))، أو كما قال صلى الله عليه وسلم.

 

ردَّت هند على صديقتها مي: صدق رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وجزاك الله خيرًا يا أختاه، وقد أضاء حديثك معنى هذا الحديث الشريف في ذِهني؛ فاللهاث وراء الحياة الدنيا، وإهمال الجهاد لنشر دِين الله وتحكيمه في حياتنا وحياة الإنسانية جمعاء، كل هذا سيُغرقنا في حياة الذلِّ والضَّعة؛ كما هو حال المسلمين اليوم - إلا مَن شاء الله منهم - وها هي سنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بوحيٍ مِن ربه - تبيِّن لنا أن الطريق الوحيد للعزة والخلاص أن يعود المسلمون فيتدارسوا دينهم ويفهموه ويسعوا جاهدين حتى يُصبح هو وحده مصدر سلوكهم وأفكارهم، وكل شأن مِن شؤونهم، ولو كلَّفهم هذا كلَّ غالٍ ونفيس من متاع هذه الدنيا الفانية، هكذا - فقط - نغسل عن أنفسنا ذلَّ الدنيا، ونتَّقي عذاب الله وسخطه في الآخرة، هذا هو السبيل، وهذه هي التجارة التي جعل الله ثمنها جنَّته ومغفرته في الآخرة، ونصره القريب في الدنيا، اكتسَت ميُّ بمزيد من خشيه الله، وتهدَّج صوتها بالبكاء من قدسية القرآن وهي ترتل قول الله - تبارك وتعالى-: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ [الصف: 10 - 13].

 

ويستمر الكاتب في أفكار هذا الفصل من فصول قصته "أختاه أيتها الأمل" فيختمه بما يلي:

شعَّت كلمات الله القدسية في نفوس الفتيات عزيمةً وإصرارًا على الاستجابة للتوجيه الرباني، وتوهَّجت عقولهنَّ بنور الله منارة تضيء ظلمة الجاهلية المعاصرة، فليَتشابك ضياؤها مع ضياء منارات مبثوثة على هذا الكوكب الأرضي، وليعم الأمن وسلام الإسلام كل رقعة من الأرض، كل بني الإنسان[5]، وما ذلك على الله بعزيز.

 

وإذا كان هذا هو شأن القصة الإسلامية تأثيرًا وإمتاعًا وإحكامًا لمعالم القصة الأدبية، فإن في المضي والوقوف على قصص أخرى ما يُعين على تبيُّن الأدب الإسلامي على تحقيق هذه الخصائص الفنية التي يضعها النقاد في معاييرهم النقدية، ويَصفون العمل الأدبي مِن خلالها بالجودة أو الرداءة على حسب ما يُحقِّقه الأديب وقدرته، ويُحقِّقه نصه الأدبي بجودته.

 

[1] فن القصة؛ لمحمد يوسف نجم، ص: 128 - 134 - 136، بتصرف.

[2] أختاه أيتها الأمل، ص: 36 وما بعدها.

[3] المصدر السابق، ص: 37.

[4] المرجع السابع، ص: 44 وما بعدها.

[5] المرجع السابق، ص: 47 وما بعدها.