الأدب الباقي

 

 

 

علي صالح طمبل

 

 

كثيرًا ما أتساءل عن سرِّ بقاء كثير من النصوص الأدبية، وتميُّزها عن غيرها من هذا الكم الهائل من الإنتاج البشري في شتى صُنوف الأدب.

 

هناك الملايين يكتبون الشعر، وهناك مليارات الأعمال الأدبيَّة، ولكن التي يُكتَب لها الخلود والانتشار لا تكاد تَصِل إلى 1% من هذا الإنتاج الكبير.

 

هل للأسباب المادية دور في ذلك؟ وهل حالَف الحظُّ بعض الأدباء، بينما خذل البعض الآخر؟

 

قد تكون هذه بعض الأسباب، ولكنها في رأيي ليست الأسباب الأكثر تأثيرًا على أرض الواقع؛ إذ إن الأديب الحاذق القوي يستطيع أن يُثبِت وجودَه، ولو بعد حين، وكثير من الأدباء ذاع صيتُ أعماله وكُتِب لها البقاء بعد وفاته.

 

تأمَّلتُ كثيرًا من النصوص الأدبية، وحاولت أن أعرف سرَّ هذا البقاء، حتى توصَّلت إلى تخمين قد يكون صائبًا أو مخطئًا، ووجدتُ أن هذه الأعمال جميعها كانت تجمع بين ثلاثة عناصر مهمة لكل عمل أدبي: (الصدق والعمق والتلقائية)؛ فالأديب حين يَصدُق في تَجرِبته، ويكون عميقًا في الزاوية التي يتناول بها موضوعه، وتلقائيًّا في التعبير عنها، فإنه يَنفُذ مباشرة ودون وسائط إلى وِجدان المتلقي، ويُخاطِب عقله دون حواجز.

 

إنها دعوة لكل الأدباء المبدعين ليُصوِّروا لنا تجارِبهم، ويستخلصوا منها الفوائد والعِبَر؛ مراعين في ذلك الصدق والعُمْق والتلقائية، ومُولين اهتمامهم للمعايير الفنية التي تُميِّز الأدبَ عن غيره من الفنون، دون التفات لدعاوى الحَداثة التي سلَبَت الأدب من الشعور، وجعلته باهتًا، ومُغرِقًا في الغرابة والطلاسم، وبعيدًا عن واقع الناس ومعاناتهم؛ لذا لم يكن غريبًا أن يتركه الناس حين افتقد الرُّوحَ، وعجز عن إشباع رغباتهم.